ﮬﮭﮮﮯﮰ

ثم أخبرهم، فقال : تنزّل على كل أفاكٍ : كثير الإفك، وهو الكذب، أثيم ؛ كثير الإثم، وهم الكهنة والمتنبئة، كشق وسطيح ومسيلمة. وحيث كانت حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم منزهة أن يحوم حولها شيء من ذلك، اتضح استحالة تنزلهم عليه صلى الله عليه وسلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : هل أنبئكم على قَلْبِ مَنْ تَنَزَّلَتْ الشياطينُ، وسكنت فيه، تنزل على قلب كل أفاك أثيم، خارب من النور، محشو بالوسواس والخواطر، يلقون السمع إلى هرج الدنيا وأخبارها، وهو سبب فتنتها ؛ فإن القلب إذا غاب عن أخبار الدنيا وأهلها، سكن فيه النور وتأنس بالله، وإذا سكن إلى أخبار الدنيا وأهلها سكنت فيه الظلمة، وتأنس بالخلق، وغاب عن الحق. ولذلك قيل : ينبغي للمؤمن أن يكون كالفكرون ؛ إذا كان وحده انبسط، وإذا رأى أحداً أدخل رأسه معه. وأكثر ما يسمع من هرج الدنيا كذب وإليه الإشارة بقوله : وأكثرهم كاذبون ، ومن جملة ما يفسد القلب : تولهه بالشعر، وفي الحديث :" لأنْ يمتلئ جوفُ أحدِكُم قَيْحَاً خيرٌ له من أن يَمْتَلِئ شِعْراً٤ ". أو كما قال صلى الله عليه وسلم، إلا من كان شعره في توحيد الله، أو في الطريق، كالزهد في الدنيا، والترهيب من الركون إليها، والزجر عن الاغترار بزخارفها الغرارة، والافتتان بملاذها الفانية، وغير ذلك، أو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والمشايخ الموصلين إليه تعالى، بشرط أن يكون الغالب عليه ذكر الله.
وقوله تعالى : وانتصروا من بعدما ظلموا ، أي : جاروا على نفوسهم بعدما جارت عليهم، وقهروها بعد ما قَهَرَتْهُمْ. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون قال ابن عطاء : سيعلم المعرض عنا ما فاته منا. هـ. وفي الحكم :" ماذا فقد مَنْ وَجَدَكَ، وما الذي وجد مَنْ فَقَدَكَ ؟ لقد خاب من رضي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك مُتَحَولاً، كيف يُرْجَى سِوَاك وأنت ما قَطَعْتَ الإحسانَ، أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان ؟ " وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير