لأنه لو قيل: أنزلنا، لكان صحيحا. ونظيره: فأصدّق وأكن، كأنه قيل: أصدق. وقد قرئ:
لو شئنا لأنزلنا. وقرئ: فتظل أعناقهم. فإن قلت: كيف صح مجيء خاضعين خبرا عن الأعناق قلت: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله، كقوله: ذهبت أهل اليمامة، كأنّ الأهل غير مذكور. أو لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل: خاضعين، كقوله تعالى لِي ساجِدِينَ وقيل أعناق الناس:
رؤساؤهم ومقدّموهم، شبهوا بالأعناق كما قيل لهم هم الرءوس والنواصي والصدور. قال:
في محفل من نواصي النّاس مشهود «١»
وقيل: جماعات الناس. يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم. وقرئ: فظلت أعناقهم لها خاضعة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: نزلت هذه الآية فينا وفي بنى أمية. قال: ستكون لنا عليهم الدولة، فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة، ويلحقهم هوان بعد عزة.
[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٥ الى ٦]
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦)
أى: وما يجدد لهم الله بوحيه موعظة وتذكيرا، إلا جددوا إعراضا عنه وكفرا به. فإن قلت:
كيف خولف بين الألفاظ والغرض واحد، وهي الإعراض والتكذيب والاستهزاء؟ قلت:
إنما خولف بينها لاختلاف الأغراض، كأنه قيل. حين أعرضوا عن الذكر فقد كذبوا به، وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره وصار عرضة للاستهزاء والسخرية، لأنّ من كان قابلا للحق مقبلا عليه، كان مصدقا به لا محالة ولم يظنّ به التكذيب. ومن كان مصدقا به، كان موقرا له فَسَيَأْتِيهِمْ وعيد لهم وإنذار بأنهم سيعلمون إذا مسهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة ما الشيء الذي كانوا يستهزءون به وهو القرآن، وسيأتيهم أنباؤه وأحواله التي كانت خافية عليهم.
[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٧ الى ٩]
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)
وصف الزوج وهو الصنف من النبات بالكرم، والكريم: صفة لكل ما يرضى ويحمد في
بابه، يقال: وجه كريم، إذا رضى في حسنه وجماله، وكتاب كريم: مرضىّ في معانيه وفوائده، وقال:
حتّي يشقّ الصّفوف من كرمه «١»
أى: من كونه مرضيا في شجاعته وبأسه، والنبات الكريم: المرضى فيما يتعلق به من المنافع إِنَّ فِي إنبات تلك الأصناف لَآيَةً على أن منبتها قادر على إحياء الموتى، وقد علم الله أن أكثرهم مطبوع على قلوبهم، غير مرجوّ إيمانهم وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في انتقامه من الكفرة الرَّحِيمُ لمن تاب وآمن وعمل صالحا. فإن قلت: ما معنى الجمع بين كم وكل، ولو قيل كم أنبتنا فيها من زوج كريم «٢» ؟ قلت: قد دلّ كُلِّ على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، وكَمْ على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة «٣»، فهذا معنى الجمع بينهما، وبه نبه على كمال قدرته. فإن قلت: فما معنى وصف الزوج بالكريم؟ قلت: يحتمل معنيين، أحدهما:
من رأى يومنا ويوم بنى التيم... إذا التف صيقه بدمه
لما رأوا أن يومهم أشب... شدوا حيازيمهم على ألمه
كأنما الأسد في عرينهم... ونحن كالليل جاش في قتمه
لا يسلمون الغداة جارهم... حتى يزل الشراك عن قدمه
ولا يخيم اللقاء فارسهم... حتى يشق الصفوف من كرمه
لرجل من حمير. ومن: استفهامية. والصيق والصيقة- بالكسر-: الغبار والتراب. والأشب- كحذر-: كثير الجلية والاختلاط، ويطلق على المكان الذي التف شجره، والحيزوم: الصدر. والعرين: أجمة الأسد يسكن فيها.
وجاش: ارتفع وأقبل. والقتم: الغبار والسواد والظلمة. وروى في غشمه: بالغين. والمعنى واحد، لا يسلمون لا يخذلون ولا يتركون. والشراك: سير النعل، ولا يخيم: أى لا يجبن عن اللقاء، واليوم: الزمن أو الواقعة، وإضافة الصيق والدم إليه لأنه فيه. ووصف اليوم بأنه كثير الصياح والاختلاط، لأن ذلك واقع فيه، وشد الحيازيم على الألم: كناية عن التجلد والصبر. وشبههم بالأسود في شجاعتهم، وشبه قومه بالليل في الاحاطة والقهر للغير، ثم قال: لا يتركون حليفهم غداة الروع حتى يرتبك وحده في الحرب، فزلل الشراك: كناية عن ذلك ولا يجبن الفارس منهم عن اللقاء، فهو نصب على نزع الخافض، وقيل: مفعول معه، حتى يشق صفوف الحرب ويدخلها من كرمه، أى شجاعته وجراءته، لأن الكرم في كل باب بحسبه، وحتى الأولى غاية للمنفي، والثانية غاية للنفي. ويجوز أن الثانية ابتدائية، والفعل بعدها مرفوع على الاستئناف، وهذا أبلغ في المدح، ثم إن مدح عدوهم مدح لهم.
(٢). قوله «كم أنبتنا فيها من زوج كريم» لعل بعده سقطا تقديره «كان مستقيما». (ع)
(٣). قال محمود: «إن قلت: ما فائدة الجمع بين كل وكم؟ وأجاب بأن كلا دخلت للاحاطة بأزواج النبات وكم دلت على أن هذا المحاط به متكاثر مفرط الكثرة» قال أحمد: فعلى مقتضى ذلك يكون المقصود بالتكثير: الأنواع والظاهر أن المقصود آحاد الأزواج والأنعام، ويدل عليه أنك لو أسقطت كُلِّ فقلت: انظروا إلى الأرض كم أنبت الله فيها من الصنف الفلاني، لكنت مكنيا عن آحاد ذلك الصنف المشار إليه، فإذا أدخلت كُلِّ فقد أديت بتكريره آحاد كل صنف لا آحاد صنف معين، والله أعلم.
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم