(فَقَدْ كَذَّبُوا... (٦)
الفاء هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي فإنه يترتب على هذا الإعراض التكذيب، أي بسبب ذلك الإعراض قد كذبوا الحق لما جاءهم، وبسبب ذلك سيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون والأنباء جمع نبأ، وهو الخبر العظيم الشأن الذي يؤثر في شأنهم، وإن المواعظ، والذكر الحكيم كان فيه إنذار بما يقع لهم في العاجلة والآجلة، ففي العاجلة يجعل اللَّه
كلمة الذين كفروا السفلي، وكلمة الحق هي العليا بتوالي هزائم الشرك حتى تطهر منه أرض العرب، وفي الآخرة بعذاب الجحيم، ولذا قال تعالى: (فَسَيَأتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءونَ) الفاء كما أشرنا لبيان أن ما بعدها مترتب على ما قبلها والسبب لتأكيد الوقوع في المستقبل، والأنباء هنا الوقائع التي أنبا عنها القرآن الكريم، والنبي الحكيم، فهم يرون هذه الأخبار وقائع تقرع حسهم، وتنبه غافلهم، وتوجه اليقظ إلى الحق الصريح الواضح البين.
وقوله تعالى: (أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) توبيخ لهم على استهزائهم، وقد كان له هذه الوقائع القارعة، وتقديم الجار والمجرور على يستهزئون فيه اختصاص نسبي، أي لَا يستهزئون إلا بالحق، وقلوبهم معرضة، ونفوسهم مصروفة عن الحق إلى الباطل، فلا يستهزئون له، وهذا تصوير نفسي لانحرافهم عن الجادة، والتواء تفكير، حتى لَا يكون منهم إلا الباطل وتأييده، ونصرته.
وإن هذه الآية كقوله تعالي: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥).
مع لجاجتهم في الكفر والتكذيب والاستهزاء يذكرهم تعالى بنعمه عليهم بإيجاز فيقول:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة