ﮢﮣﮤﮥﮦ

فقال إبراهيم - عليه السلام (٥)- منبهاً على فساد مذهبهم :«هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ » لا بد من محذوف، أي : يسمعون دعاءكم(١)، أو يسمعونكم تدعون(٢)، فعلى الأول هي متعدية لواحد اتفاقاً. وعلى الثاني هي متعدية لاثنين قامت الجملة المقدرة مقام الثاني، وهو قول الفارسي(٣).
وعند غيره : الجملة المقدرة حال(٤). وتقدم تحقيق القولين.
وقرأ قتادة ويحيى بن يعمر بضم الياء وكسر الميم(٥)، والمفعول الثاني محذوف، أي : يسمعونكم الجواب(٦).
قوله :«إذْ تَدْعُونَ » منصوب بما قبله، فما قبله وما بعده ماضيان معنى وإن كانا مستقبلين لفظاً لعمل الأول(٧) في «إذْ » ولعمل «إذْ » في الثاني(٨).
وقال بعضهم :«إذ » هنا بمعنى :«إذا »(٩) وقال الزمخشري : إنه على حكاية الحال الماضية، ومعناه : استحضروا الأحوال التي كنتم تدعونها فيها، هل سمعوكم إذا سمعوا(١٠) ؟ وهو أبلغ في التبكيت(١١)، وقد تقدم أنه قرىء بإدغام ذال «إذْ » وإظهارها في التاء(١٢). وقال ابن عطية : ويجوز فيه قياس «مذكر » ونحوه، ولم يقرأ به أحد، والقياس أن يكون اللفظ به «إدَّدْعون »(١٣) والذي منع من هذا اللفظ اتصال الدال الأصلية في الفعل فكثرت المتماثلات(١٤)، يعني : فيكون اللفظ بدال مشددة مهملة، ثم بدال ساكنة مهملة أيضاً.
قال أبو حيان : وهذا لا يجوز، لأن هذا الإبدال إنما هو في تاء الافتعال بعد الدال والذال والزاي نحو : ادَّهَن، واذّكر، وازْدَجَر، وبعد جيم شذوذاً نحو :«اجْدَمعوا » في «اجتمعوا »، وفي تاء الضمير بعد الدال والزاي نحو :«فُزْدَ في فُزْتَ » و «جَلَدُّ في جَلَدْتُ »(١٥) أو تاء «تَوْلَج » قالوا فيها :«دَوْلَج »(١٦) وتاء المضارعة، ليس شيئاً مما ذكر وقوله :«والذي منع. . . إلى آخره » يقتضي جوازه لو لم يوجد ما ذكر، فعلى مقتضى قوله يجوز أن تقول في «إذْ تَخْرُج » :«إذَّ خْرُج » ولا يقول ذلك أحد، بل يقولون : اتّخرج فيدغمون الذال في التاء(١٧).
فصل :
تقرير هذه الحجة التي ذكرها إبراهيم - عليه السلام(١٨) - أن من عبد غيره لا بد أن يلتجىء إليه في المسألة ليعرف مراده أو يسمع دعاءه، ثم يستجيب له في بذل منفعة أو دفع مضرة، فقال لهم : إذا كان الذي تعبدونه لا يسمع دعاءكم حتى يعرف مقصودكم، ولو عرف ذلك لما صح أن يبذل النفع أو يدفع الضرر، فكيف تعبدون ما هذا صفته ؟ فعند هذه الحجة الباهرة لم يجدوا ما يدفعون به حجته إلا التقليد،
فقالوا : وجدنا آباءنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ .
وهذا(١٩) من أقوى الدلائل على فساد التقليد ووجوب التمسك بالاستدلال، إذ لو قلبنا الأمر فمدحنا التقليد وذممنا(٢٠) الاستدلال لكان ذلك مدحاً لطريقة الكفار التي ذمها الله، وذماً لطريقة إبراهيم التي مدحها الله(٢١).
قوله :«كَذَلِكَ» منصوب بـ «يَفْعَلُونَ»(٢٢) أي : يفعلون مثل فعلنا، و «يَفْعَلُون» في محل نصب مفعولاً ثانياً لـ «وَجَدْنَا».

١ انظر معاني القرآن للأخفش ٢/٦٤٦، الكشاف ٣/١١٧، البيان ٢/٢١٤، التبيان ٢/٩٩٦..
٢ انظر البيان ٢/٢١٤، البحر المحيط ٧/٢٣..
٣ قال أبو علي: (وأفعال الحواس الخمس كلها متعدية نحو رأيته وشممته وذقته ولمسته وسمعته، إلا أن سمعت يتعدى إلى مفعولين، ولا بد من أن يكون الثاني مما يسمع كقولك: سمعت زيداً يقول ذاك، ولو قلت: سمعت زيداً يضرب أخاك، لم يجز، فإن اقتصرت على مفعول واحد وجب أن يكون مما يسمع) انظر المقتصد شرح الإيضاح ١/٥٩٧..
٤ انظر البحر المحيط ٧/٢٣..
٥ المختصر (١٠٧)، المحتسب ٢/١٢٩..
٦ انظر المحتسب ٢/١٢٩، الكشاف ٣/١١٧، التبيان ٢/٩٩٧، البحر المحيط ٧/٢٣..
٧ وهو (يسمع) من "يسمعونكم"..
٨ المقصود به جملة "تدعون" فهي في محل جر بإضافة (إذ) إليها..
٩ انظر البحر المحيط ٧/٢٣..
١٠ في الكشاف: هل سمعوا أو أسمعوا قط..
١١ الكشاف ٣/١١٧..
١٢ عند قوله تعالى: وإذ تأذن ربًّك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب [الأعراف: ١٦٧]. انظر اللباب ٤/١١٥-١١٦..
١٣ في تفسير ابن عطية: "إذ تدعون"..
١٤ تفسير ابن عطية ١١/١٢١..
١٥ في ب: وجلدت في جلدة. وهو تحريف..
١٦ انظر الممتع: ١/٣٥٦-٣٥٩..
١٧ البحر المحيط ٧/٢٣. بتصرف يسير..

فصل :


تقرير هذه الحجة التي ذكرها إبراهيم - عليه السلام(١٨) - أن من عبد غيره لا بد أن يلتجىء إليه في المسألة ليعرف مراده أو يسمع دعاءه، ثم يستجيب له في بذل منفعة أو دفع مضرة، فقال لهم : إذا كان الذي تعبدونه لا يسمع دعاءكم حتى يعرف مقصودكم، ولو عرف ذلك لما صح أن يبذل النفع أو يدفع الضرر، فكيف تعبدون ما هذا صفته ؟ فعند هذه الحجة الباهرة لم يجدوا ما يدفعون به حجته إلا التقليد،
فقالوا : وجدنا آباءنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ .
وهذا(١٩) من أقوى الدلائل على فساد التقليد ووجوب التمسك بالاستدلال، إذ لو قلبنا الأمر فمدحنا التقليد وذممنا(٢٠) الاستدلال لكان ذلك مدحاً لطريقة الكفار التي ذمها الله، وذماً لطريقة إبراهيم التي مدحها الله(٢١).
قوله :«كَذَلِكَ» منصوب بـ «يَفْعَلُونَ»(٢٢) أي : يفعلون مثل فعلنا، و «يَفْعَلُون» في محل نصب مفعولاً ثانياً لـ «وَجَدْنَا».

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية