قوله : إِلاَّ مَنْ أَتَى الله فيه أوجه :
أحدها : أنه منقطع، أي إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ فإنه ينفعه ذلك.
وقال الزمخشري : ولا بد مع ذلك من تقدير المضاف، وهو الحال المراد بها سلامة القلب(١)، وليست من جنس المال والبنين حتى يؤول المعنى إلى أن البنين والمال لا ينفعان، وإنما ينفع سلامة القلب، ولو لم يقدر المضاف لم يتحصل للاستثناء معنى(٢).
قال أبو حيان : ولا ضرورة تدعو إلى حذف المضاف كما ذكر(٣).
قال شهاب الدين(٤) : إنما قدر المضاف ليتوهم دخول المستثنى في المستثنى منه لأنه متى لم يتوهم ذلك لم يقع الاستثناء، ولهذا منعوا : صَهَلَتِ الخَيْلُ إلاَّ الإِبِلَ. إلاَّ بتأويل(٥).
الثاني : أنه مفعول به قوله :«لاَ يَنْفَعُ » أي : لا ينفع المال والبنون إلا هذا الشخص فإنه ينفعه ماله المصروف في وجوه البِرِّ وبنوه الصلحاء، لأنه علَّمهم وأحسن إليهم(٦).
الثالث : أنه بدل من المفعول المحذوف، أو مستثنى منه، ( إذ التقدير : لا ينفع مال ولا بنون أحداً من الناس إلا من كانت هذه صفته(٧)، والمستثنى منه )(٨) يحذف كقوله :
٣٩١٢ - وَلَمْ(٩) يَنْجُ إِلاَّ جَفْنُ سَيْفٍ وَمِئْزَرا(١٠) ***. . .
أي : ولم ينج بشيء.
الرابع : أنه بدل من فاعل «يَنْفَعُ » فيكون مرفوعاً. قال أبو البقاء : وغلب من يعقل فيكون التقدير : إلاّ مالُ من، أو بنون من فإنه ينفع نفسه وغيره بالشفاعة(١١).
قال شهاب الدين : وأبو البقاء خلط وجهاً بوجه، وذلك أنه إذا أردنا أن نجعله بدلاً من فاعل «يَنْفَعُ » قلنا : فيه طريقتان(١٢) :
إحداهما(١٣) : طريقة التغليب، أي : غلَّبنا البنين على المال، فاستثنى من البنين فكأنه قيل : لا ينفع البنون إلا من أتى من البنين بقلب سليم فإنه ينفع نفسه بصلاحه وغيره بالشفاعة.
والطريقة الثانية : أن نقدر مضافاً محذوفاً قيل «من » أي : إلاّ مال من، أو بنو من، فصارت الأوجه خمسة(١٤). ووجه الزمخشري اتصال الاستثناء بوجهين :
أحدهما : إلا حالة(١٥) مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وهو من قوله :
٣٩١٣ - تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ(١٦) ***. . .
وما ثوابه إلا السيف، ومثاله أن يقال : هل لزيدٍ مالٌ وبنون ؟ فيقال : مالُه وبنُوه سلامة(١٧) قلبِهِ، يريد نَفْيَ المالِ والبنين عنه، وإثبات سلامة قلبه بدلاً عن ذلك(١٨).
والثاني : قال : وإن(١٩) شئت حملت الكلام على المعنى وجعلت المال والبنين في معنى الغنى، كأنه قيل : يوم لا ينفع غنى إلا من أتى الله، لأن غنى الرجل في دينه بسلامه قلبه، كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه(٢٠).
فصل :
وفي «السليم » ثلاثة أوجه :
قال ابن الخطيب : أصحها : أن المراد منه سلامه النفس(٢١) عن الجهل والأخلاق الرذيلة(٢٢). وقيل : السليم : الخالص من الشرك والشك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، وهذا قول أكثر المفسرين(٢٣). وقال سعيد بن المسيب : القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (٢٤) (٢٥). وقيل : السليم : هو(٢٦) اللديغ من خشية الله(٢٧). وقيل : السليم : هو الذي سَلَّم وأَسْلَم وسَالَم واسْتَسْلَم(٢٨).
٢ الكشاف ٣/١١٨..
٣ البحر المحيط ٧/٢٦..
٤ الدر المصون ٥/١٥٩..
٥ شرط الاستثناء المنقطع أن يناسب المستثنى منه، فلا يجوز قام القوم إلا ثعباناً، وأن لا يسبق ما هو نص في خروجه، فلا يجوز صهلت الخيل إلا الإبل، خلاف صوتت الخيل إلا الإبل، فالمثال الذي ذكره شهاب الدين على ظاهره لا يجوز، لأنه قد سبق ما هو نص في خروج ما بعد (إلا)، فيصبح (إلا) لغواً لا فائدة منها، لأن الصهيل خاص بالخيل، وكأن شهاب الدين يقصد بالتأويل هنا أن يضمن (صهلت) معنى (صوتت). انظر حاشية الصبان على الأشموني ٢/١٤٣..
٦ انظر الكشاف ٣/١١٨..
٧ انظر التبيان ٢/٩٩٨..
٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٩ في الأصل: ولا..
١٠ عجز بيت من بحر الطويل، وصدره:
نجا سالم والنفس منه بشدقه ***...
وقد تقدم تخريجه..
١١ التبيان ٢/٩٩٨..
١٢ في النسختين: طريقان. والصواب ما أثبته..
١٣ في الأصل: أحدهما..
١٤ الدرر المصون ٥/١٥٩..
١٥ في الكشاف: حال..
١٦ عجز بيت من بحر الوافر، قاله عمرو بن معد يكرب، وصدره:
وخيل قد دلفت لها بخيل ***...
وقد تقدم..
١٧ في ب: وسلامة..
١٨ الكشاف ٣/١١٨..
١٩ في ب: إن..
٢٠ الكشاف ٣/١١٨..
٢١ في الفخر الرازي: القلب..
٢٢ الفخر الرازي ٢٤/١٥١..
٢٣ انظر القرطبي ١٣/١١٤..
٢٤ ورد في القرآن إحدى عشرة مرة، أولها [البقرة: ١٠]. انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن (٦٦٤)..
٢٥ انظر القرطبي ١٣/١١٤..
٢٦ هو: سقط من ب..
٢٧ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٥١..
٢٨ المرجع السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود