إلا جددوا إعراضا عن ذلك الذكر وعن الايمان به واصرارا على ما كانوا عليه والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال محله النصب على الحالية من مفعول يأتيهم بإضمار قد وبدونه على الخلاف المشهور اى ما يأتيهم من ذكر فى حال من الأحوال الا حال كونهم معرضين عنه فَقَدْ كَذَّبُوا بالذكر عقيب الاعراض فالفاء للتعقيب اى جعلوه تارة سحرا واخرى شعرا ومرة أساطير فَسَيَأْتِيهِمْ البتة من غير تخلف أصلا والفاء للسبية اى لسبب اعراضهم المؤدى الى التكذيب المؤدى الى الاستهزاء أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ اى اخبار الذكر الذي كانوا يستهزئون به من العقوبات العاجلة والآجلة التي بمشاهدتها يقفون على حقيقة حال القرآن بانه كان حقا او باطلا وكان حقيقا بان يصدق ويعظم قدره او يكذب فيستخف امره كما يقفون على الأحوال الخافية عنهم باستماع الانباء وفيه تهويل له لان النبأ لا يطلق الا على خبر خطير له وقع عظيم قال الكاشفى [وبعد از ظهور نتايج تكذيب پشيمانى نفع ندهد امروز بدان مصلحت خويش كه فردا دانى و پشيمان شوى وسود ندارد] أَوَلَمْ يَرَوْا الهمزة للانكار التوبيخي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام اى افعل المكذبون من قريش ما فعلوا من الاعراض عن الآيات والتكذيب والاستهزاء بها ولم ينظروا إِلَى الْأَرْضِ اى الى عجائبها الزاجرة عما فعلوا الداعية الى الإقبال الى ما اعرضوا كَمْ أَنْبَتْنا فِيها [چند برويانيديم در زمين بعد از مردگى وافسردگى] مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [از هر صنفى كياه نيكو و پسنديده چون رياحين وكل نسرين وبنفشه وياسمين وشكوفهاى رنكارنك وبركهاى كوناكون] وسائر نباتات نافعة مما يأكل الناس والانعام قال اهل التفسير كم خبرية منصوبة بما بعدها على المفعولية والجمع بينها وبين كل لان كل للاحاطة بجميع ازواج النبات وكم لكثرة المحاط به من الأزواج ومن كل زوج اى صنف تمييز والكريم من كل شىء مرضيه ومحموده يقال وجه كريم اى مرضى فى حسنه وجماله وكتاب كريم مرضى فى معانيه وفوائده وفارس كريم مرضى فى شجاعته وبأسه. والمعنى كثير من كل صنف مرضى كثير المنافع أنبتنا فيها وتخصيص النبات النافع بالذكر دون ما عداه من اصناف الضار وان كان كل نبت متضمنا لفائدة وحكمة لاختصاصه بالدلالة على القدرة والنعمة معا واعلم انه سبحانه كما أنبت من ارض الظاهر كل صنف ونوع من النبات الحسن الكريم كذلك أنبت فى ارض قلوب العارفين كل نبت من الايمان والتوكل واليقين والإخلاص والأخلاق الكريمة كما قال عليه السلام (لا اله الا الله ينبت الايمان كما ينبت البقل) قال ابو بكر بن طاهر أكرم زوج من نبات الأرض آدم وحواء فانهما كانا سببا فى اظهار الرسل والأنبياء والأولياء والعارفين قال الشعبي الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم ومن دخل النار فهو لئيم إِنَّ فِي ذلِكَ اى فى الإنبات المذكور او فى كل واحد من تلك الأصناف لَآيَةً عظيمة دالة على كمال قدرة منبتها وغاية وفور علمه ونهاية سعة رحمته موجبة للايمان زاجرة عن الكفر وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ اى اكثر قومه عليه السلام بِمُؤْمِنِينَ مع ذلك لغاية تماديهم فى الكفر والضلالة وانهما كهم فى الغى والجهالة وكان صلة عند سيبويه لانه لو حمل
صفحة رقم 263
على معنى ما كان أكثرهم فى علم الله وقضائه لتوهم كونهم معذورين فى الكفر بحسب الظاهر وبيان موجبات الايمان من جهته تعالى يخالف ذلك يقول الفقير قوله تعالى (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ) الآية ونظائره يدل على المعنى الثاني ولا يلزم من ذلك المعذورية لانهم صرفوا اختيارا الى جانب الكفر والمعصية وكانوا فى العلم الأزلي غير مؤمنين بحسب اختيارهم ونسبة عدم الايمان الى أكثرهم لان منهم من سيؤمن وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر على الانتقام من الكفرة الرَّحِيمُ المبالغ فى الرحمة ولذلك يمهلهم ولا يأخذهم بغتة وقال فى كشف الاسرار يرحم المؤمن الذين هم الأقل بعد الأكثر وفى التأويلات النجمية بعزته قهر الأعداء العتاة وبرحمته ولطفه أدرك اولياء بجذبات العناية وعن السرى السقطي قدس سره قال كنت يوما أتكلم بجامع المدينة فوقف علىّ شاب حسن الشباب فاخر الثياب ومعه أصحابه فسمعنى أقول فى وعظي عجبا لضعيف يعصى قويا فتغير لونه فانصرف فلما كان الغد جلست فى مجلسى وإذا به قد اقبل فسلم وصلى ركعتين وقال يا سرى سمعتك بالأمس تقول عجبا لضعيف كيف يعصى قويا فما معناه فقلت لا أقوى من الله ولا أضعف من العبد وهو يعصيه فنهض فخرج ثم اقبل من الغد وعليه ثوبان أبيضان وليس معه أحد فقال يا سرى كيف الطريق الى الله تعالى فقلت ان أردت العبادة فعليك بصيام النهار وقيام الليل وان أردت الله فاترك كل شىء سواه تصل اليه وليس الا المساجد والمحراب والمقابر فقام وهو يقول والله لا سلكت الا أصعب الطرق وولى خارجا فلما كان بعد ايام اقبل الىّ غلمان كثير فقالوا ما فعل احمد بن يزيد الكاتب فقلت لا اعرف الا رجلا جاءنى من صفته كذا وكذا وجرى لى معه كذا وكذا ولا اعلم حاله فقالوا بالله عليك متى عرفت حاله فعرفنا ودلنا على داره فبقيت سنة لا اعرف له خبرا فبينا انا ذات ليلة بعد العشاء الآخرة جالس فى بيتي إذ بطارق يطرق الباب فاذنت له فى الدخول فاذا بالفتى عليه قطعة من كساء فى وسطه واخرى على عاتقه ومعه زنبيل فيه نوى فقبل بين عينى وقال يا سرى اعتقك الله من النار كما أعتقتني من رق الدنيا فاومأت الى صاحبى ان امض الى اهله فاخبرهم فمضى فاذا زوجته قد جاءت ومعها ولده وغلمانه فدخلت والقت الولد فى حجره وعليه حلى وحلل وقالت يا سيدى ارملتنى وأنت حىّ وأيتمت ولدك وأنت حىّ قال السرى فنظر الىّ وقال يا سرى ما هذا وفاء ثم اقبل عليها وقال والله انك لثمرة فؤادى وحبيبة قلبى وان هذا ولدي لاعز الخلق علىّ غير ان هذا السرى أخبرني ان من أراد الله قطع كل ما سواه ثم نزع ما على الصبى وقال ضعى هذا فى الأكباد الجائعة والأجساد العارية وقطع قطعة من كسائه فلف فيها الصبى فقالت المرأة لا ارى ولدي فى هذه الحالة وانتزعته منه فحين رأها قد اشتغلت به نهض وقال ضيعتم علىّ ليلتى بينى وبينكم الله وولى خارجا وضجت المرأة بالبكاء فقالت ان عدت يا سرى سمعت له خبرا فاعلمنى فقلت ان شاء الله فلما كان بعد ايام أتتني عجوز فقالت يا سرى بالشونيزية غلام يسألك الحضور فمضيت فاذا به مطروح تحت رأسه لبنة فسلمت عليه ففتح عينيه وقال ترى يغفر تلك الجنايات فقلت نعم قال يغفر لمثلى قلت نعم قال انا غريق قلت هو منجى الغرقى فقال على مظالم فقلت فى الخبر
صفحة رقم 264روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء