قوله تعالى : الذيِنَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناسَ بالبُخلِ [ ٣٧ ] : البخل المذموم في الشرع الامتناع من أداء ما أوجب الله تعالى، وهو مثل قوله : وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذِينَ يَبْخَلُونَ بمَا آتَاهُمُ اللهُ من فَضْلِهِ هُوَ خَيْرَاً لهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ١ .
ونزلت الآية في اليهود، الذين بخلوا بالمال، فلم يعطوا منه حق الله تعالى، ومنعوا الأنصار من أداء حق الله، وخوفوهم بالفقر، ومنعوا العلم، وكتموا ما علموا من صفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والمباهاة٢، بل يقول : كان ذلك من فضل الله، وما كان من قوتي ولا من عندي، فيتحدث بالنعم على وجه الشكر، كما قال تعالى : وأَما بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ٣ . . وقال عليه السلام :" أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أفصح العرب ولا فخر٤ "، فأراد بذكره التحدث بنعم الله تعالى، وأن يبلغ أمته من منزلته عند الله، ما يجب على أمته أن يعرفوه، وليعطوه من التعظيم حقه طاعة الله تعالى. . وقال عليه السلام :" لا ينبغي لعبد أن يقول : أنا خير من يونس ابن متى "، وقد كان عليه السلام خيراً منه، ولكنه نهى أن يقال ذلك على وجه الافتخار، وقال الله تعالى : فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بمَنْ اتقَى٥ ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :" احثوا في وجوه المداحين التراب٦ "، وذلك لئلا تزهو النفس وتترف، فأن النفس إذا ما مالت إلى شيء لطلب حظها، تولد منها قوة الهوى وضعف اليقين.
٢ - المباهاة: أي كتم نعم الله تعالى وإنكارها والتفاخر بها على أنها حق للعبد لا فضل لله بها..
٣ - سورة الضحى، آية ١١..
٤ - رواه أحمد في مسنده، والترمذي في سننه وقال عنه حديث حسن صحيح، وابن ماجة في سننه..
٥ - سورة النجم، آية ٣٢..
٦ -أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه عن المقداد..
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي