ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪ

وتحدث عن البذل والأريحية والجود والسماح وبسط اليد، اتى سبحانه بالحديث عن المقابل وهو :
الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتد نا للكافرين عذابا مهينا ٣٧ .
وما معنى البخل ؟ إنه مشقة الإعطاء. فعندما يقطع حاجة من خاصة ماله ليعطيها لغيره يجد في ذلك مشقة ولا يقبل عليها، لكن الكريم عنده بسط يد، وأريحية. ويرتاح للمعروف، إذن فالبخل معناه مشقة الإعطاء، وقد يتعدى البخل ويتجاوز الحد بضن الشخص بالشيء الذي لا يضر بذله ولا ينفع منعه ؛ لأنه لا يريد أن يعطى. وهذا البخل والشح يكون في نفس البخيل ؛ لأنه أولا قد بخل على نفسه، فإذا كان قد بخل على نفسه، أتريد أن يجود على الناس ؟.
والشاعر يصور بخيلا اسمه " عيسى " ويريد أن يذمه ؛ لأنه بخيل جدا ؛ ويظهر صورة البخل بأنه ليس على الناس فقط بل على نفسه أيضا، فيما لا يضر بذله ولا ينفعه منعه. ومادام يقتر على نفسه فسيكون تقتيره على غيره أمرا متوقعا :
يقتر عيسى على نفسه **** وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره **** تنفس من منخر واحد
إنه بخيل لدرجة انه يفكر لو استطاع أن يتنفس من فتحة أنف واحدة لفعل ؛ حتى لا يتنفس بفتحتي أنفه.
والشاعر الآخر يأتي بصورة أيضا توضح كيف يمنع البخيل نفسه من الأريحية والإنسانية فيقول :
لو أن بيتك يا بن عم محمد **** إبر يضيق بها فضاء المنزل
وأتاك يوسف يستعيرك إبرة **** ليخيط قد قميصه لم تفعل
فالشاعر يصور أن سيدنا يوسف لو جاء إلى هذا البخيل وقال له : أعطني إبرة لكي أخيط قد القميص الذي مزقته زليخاء، وهذا البخيل عنده بيت يمتلئ فناؤه بالإبر، لضن البخيل ورفض.
إذن فالبخيل : هو من يضيق بالإعطاء، حتى أنه يضيق بإعطاء شيء لا يضر أن يبذله ولا ينفعه أن يمنعه، ويقول الحق عن البخلاء :
ولايحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير ١٨٠ ( سورة آل عمران ).
فالحق يجعل للبخيل مما بخل به طوقا حول عنقه، ولو أن البخيل قد بذل قليلا، لكان الطوق خفيفا حول رقبته يوم القيامة. لكن البخيل كلما منع نفسه من العطاء ازداد الطوق ثقلا.
ولقد قال الحق أيضا عن الذين يكنزون الذهب والفضة :
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ٣٤ يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ٣٥ ( جزء من الآية ٣٤ والآية ٣٥ سورة التوبة ).
فإن كان اكتنازهم لكميات كبيرة فما سيحمى على النار منها يكون كثيرا، ويكوون به. إذن فالإنسان لا بد أن يخفف عن نفسه الكي، والذين يبخلون لا يكتفون بهذه الخسيسة الخلقية في نفوسهم بل يحبون أن تتعدى إلى سواهم كأنهم عشقوا البخل، ويؤلمهم أن يروا إنسانا جوادا ؛ يقول لك البخيل : لا تنفق ؛ لأنه يتألم حين يرى إنسانا جوادا، ويريد أن يكون الناس كلهم بخلاء ؛ كي لا يكون أحد أحسن منه.
إنه يعرف أن الكرم أحسن، بدليل أنه يريد أن يكون الناس كلهم بخلاء، والبخل : ضن بما أوتيته على من لم يؤت. وهل البخل يكون في المال فقط ؟. لا، بل يكون في كل موهبة أوتيتها وتنقص عند غيرك ويفتقر إليها، إن ضننت بها فأنت داخل في البخل.
إن الذي يبخل بقدرته على معونة العاجز عن القدرة، والذي يبخل بما عنده من علم على من لا يعلم، هذا بخل، والذي يبخل على السفيه حتى بالحلم هذا بخل أيضا، فإن كانت عندك طاقة حلم فابذلها. إذن فالبخل معناه : أنك تمنع شيئا وهبه الله لك عن محتاجه، معلم مثلا عنده عشرة تلاميذ يتعلمون الصنعة، ويحاول أن يستر عنهم أسرار الصنعة ؛ يكون قد بخل.
الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل والآية معناها يتسع لكل أمر مادي أو قيمي. ونحن نأخذها أيضا في المعاني العالية، فالذين أوتوا الكتاب كانوا يعرفون صفته صلى الله عليه وسلم، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فلما جاءهم مصدقا لما معهم كفروا برسالته صلى الله عليه وسلم وكتموا معرفتهم به عن الناس، وكتموا معرفتهم بما جاء به من علم وهو الصادق المصدوق. وهذا بخل في القمة، وبعد ذلك استمروا يأمرون الناس بالبخل.
وأنتم تعرفون أن الأنصار كانت عندهم الأريحية الأنصارية، وساعة ذهب إليهم المهاجرون، قاسموهم المال، حتى النعمة التي غرس الله في قلب المؤمن الغيرة عليها من أن ينالها أحد حتى ولو كان كارها لها، وهي نعمة المراة ؛ لأن الرجل حتى وإن كره امرأته فهو يغار أن يأخذها أحد، ولكن الأنصار اقتسموا الزوجات، فكم من رجل كان متزوجا من أكثر من واحدة، طلق زوجة ليزوجها لمهاجر، فالحق سبحانه وتعالى يصعد أريحية الأنصار حتى أن الأنصاري يأتي بالمهاجر ويقول له : انظر إلى إحدى زوجتي أو إحدى زوجاتي فاختر ما يروقك فأطلقها وتتزوجها.
أية أريحية سامية هذه ؟ فإذا كنت ذا نعمة وأنت مؤمن فأنت تحب أن تعدى أثر نعمتك إلى غيرك، فإذا كان عندك سيارة فاخرة قد تحب أن تتصدق بها، لكن المراة، لا. لكن هذه الأريحية جاءت من الأنصار وقالوا : هؤلاء مهاجرون وتاركون أهلهم. وكان هذا ارتقاء إيمانيا في ذات الأنصار.
لقد جاء إليهم المهاجرون وفيهم شباب يمتلئون فتوة، وكانت قريش قد منعت أهليهم عنهم، ليس معهم زوجات. فيقول الأنصاري : لماذا لا أطلق إحدى زوجاتي، و ليتزوجها أخي المهاجر لأنفس عن عواطفه. وأقل ما فيها أن أمنع نظره أن يتحول حراما. لكن اليهود والمشركين والمنافقين يقولون لهم : لا تنفقوا على من عند رسول الله. ويقول القرآن الكريم في هذا الموقف :
هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ٧ ( سورة المنافقون ).
لقد اخطئوا الظن بمن آمنوا برسول الله، وظنوا انهم إن لم ينفقوا عليهم فسيرتدون عن إيمانهم. ونسوا أن المؤمنين المهاجرين قد تركوا أموالهم وتركوا بلادهم، فمن ترك أمواله للهجرة في سبيل الله أيكفر به عندما لا يجد شيئا ؟ لا ؛ لأنه ترك كل شيء في سبيل الله. وها هو ذا سيدنا مصعب بن عمير المدلل في قريش، وكانت أمه تغدق عليه النعمة وصاحب العطور، وبعد ذلك يذهب إلى المدينة، فيلبس جلد شاة، فينظر له النبي صلى الله عليه وسلم ويقول لأصحابه : انظروا كيف صنع الإيمان بصاحبكم، فعندما يقول المنافقون كعبد الله بن أبي للأنصار : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، يظنون أن المؤمنين يمكن أن يبيعوا إيمانهم بلقمة وكأنهم نسوا أن الذي يبيع إيمانه باللقمة هو من يحمل على مبدأ باطل، لكن من يعتنق ويعتقد مبدأ حق يجد حلاوته في النفس، وأجره مدخر عند ربه. إنه لا يتحول عنه. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
( فجئت المسجد، فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة بفروه، وكان أنعم غلام بمكة وأرفه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو عليها فذرفت عيناه عليه، ثم قال : أنتم اليوم خير أم إذا غدى على أحدكم بجفنة من خبز ولحم ؟ فقلنا : نحن يومئذ خير نكفى المؤنة ونتفرغ للعبادة، فقال : " بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ " ١.
وقلنا : يجب أن تذكروا جيدا أن من حلاوة اليقين وحلاوة الإيمان أن المؤمن يضحي بكل شيء في سبيل رفعة الإيمان. لكن أصحاب المبادئ الباطلة لا يدخلون غيرهم فيها إلا إن دفعوا الثمن مقدما، أي أنهم يشترونهم. فإذا رأيت مبدأ من المبادئ يشترى البشر فاعرف أنه مبدأ باطل.. ولو كان مبدأ حق لدفع الإنسان من أجل أن يدخل فيه نفيس ماله، بل ويضحي في سبيله بنفسه أيضا.
ومن عجائب مبادئ الإسلام أن رسول الله صلى اله عليه وسلم حينما أخذ العهد لنفسه في بيعة العقبة، قال له الأنصار : فإن نحن وفينا بهذا فماذا يكون لنا ؟ كأنهم يقولون : أنت أخذت مالك فماذا لنا ؟..
انظروا إلى سمو الإيمان، ويقين المصطفى بأن الإيمان نفسه جائزة، فهل بشرهم بأنهم سيملكون الأرض ؟ هل بشر هم بأن هؤلاء المستضعفين هم الذين سيمكنون فيها ؟ لا، بل قال لهم : لكم الجنة. فلو قال لهم : لكم سيادة الدنيا، لكان في ذلك نظر، صحيح أن الدنيا دانت وخضعت لهم، لكن منهم من مات قبل أن تدنو له الدنيا وتذل، فأين صدق النبوءة ؟.
إذن فقد قال لهم عن الشيء المضمون، الشيء الذي يجد المؤمن فيه نفسه من فور أن يموت. قال لهم : لكم الجنة. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله عصابة من أصحابه : " تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله ان شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه " ٢.
لم يغرهم بأنهم سيكونون أصحاب سلطان، ولم يقل لهم : أنتم ستجلسون على البسط والدنيا ستدين لكم، إنما قال لهم في أول البيعة : لكم الجنة، فإياكم أن يطمع أحد منكم في شيء إلا في الجنة ؛ ولذلك فالأنصار محبوبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما كانت غزوة حنين وأعطى المهاجرون بعضا من الغنائم ولم يكن للأنصار منها شيء، وجد الأنصار في نفوسهم. فلفتهم رسول الله لفتة إيمانية وقال لهم :
" ألاترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا آخر لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وابناء الانصار وأبناء أبناء الأنصار " ٣.
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا : رضينا برسول الله قسما وحظا.
أي سمو إيماني هذا ؟ لكن المنافقون قالوا للأنصار : لا تنفقوا أموالكم على من عند رسول الله حتى ينفضوا.
لكن المؤمنين لم ينفضوا. إنهم قد تركوا النعيم والأموال في مكة وجاءوا إلى الهجرة، فهم لم يأتوا ليأخذوا نعيما مظنونا محدودا قليلا، وحسبهم ما وعدوا به من نعيم متيقن عريض باق. لقد عرفوا بالإيمان أن نعيم الدنيا إما أن تفوته بالموت وإما أن يفوتك بالتقلب، لكن نعيم الآخرة ليس له حد ينتهي عنده، ولا يفوتك ولا تفوته.
ثم سبحانه يقول : ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ، وساعة ترى شيئا يكتم شيئا، لا بد أن تفهم منها أن هذا الكتم معناه : منع شيء يريد أن يخرج بطبيعته، وكما يقولون : اكتم الدم فلو لم تكتمه يستطرق. كأن المال أو العلم يريد أن يخرج للناس ولكن أصحابه يكتمونه. وكان الفطرة الطبيعية في كل رزق سواء أكان رزقا ماديا أم رزقا معنويا أنه يستطرق ؛ لأن كل شيء مخلوق لخدمة الإنسان، فعندما يأتي انسان ويجوز شيئا مما هو مخلوق لخدمة الانسان ويحجبه فهو بذلك يمنع الشيء المكتوم من رسالته ؛ لأن كل شيء مخلوق لخدمة بني آدم، فعندما تعوقه عن هذه الخدمة فالشيء يحزن، وليتسع ظنكم إلى أن الجمادات تحزن أيضا.
فما بكت عليهم السماء والأرض ( من الآية ٢٩ سورة الدخان ).
فالسماء والأرض لهما بكاء، وليس بكاء دموع إنما ب

١ رواه الترمذي في صفة القيامة باب حال مصعب بن عمير بعد الاسلام وأخرجه الحاكم، وأورده ابن سعد في طبقاته وابن الأثير في "أسد الغابة"..
٢ رواه البخاري..
٣ رواه البخاري في كتاب المغازي ورواه مسلم في كتاب الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير