وقوله تعالى : وآتوا النساء صدقاتهن نحلة :
قيل : النحلة العطية على غير وجه المثوبة، وقيل : معنى النحلة فريضة. وقيل : معناه دينا أي تعبدا. وقيل : سميت نحلة لأنه قد كان يجوز أن يعطين شيئا فنحلهن(١) الله تعالى(٢) ذلك. وقيل : لا تكون نحلة إلا فيما طابت به النفس لا فيما أكره عليه. وفي هذه الآية رد لقول(٣) من يرى الصداق عوضا من البضع، وهو قول كثير من الناس. /
والله تعالى قد سماه نحلة، والنحلة ما لم يعتض عليه، فهو(٤) نحلة من الله تعالى فرضها للزوجات على أزواجهن لا عن عوض من الاستمتاع بها، لأن كل واحد منهما يستمتع بصاحبه، ولهذا المعنى يفتقر عقد النكاح إلى تسمية صداق. ولهذا استحب بعضهم أن يكتب في الصدقات(٥) عوض هذا ما أصدق، هذا ما نحل(٦) به فلان زوجه فلانة، ذكره ابن شعبان.
وفي هذه(٧) الآية دليل على أن النكاح لا يكون إلا بصداق، وليس الصدقات(٨) التي أمر الله تعالى(٩) بنحلتها غير الأعيان الممتلكة. فأما ما لم يكن عينا ممتلكا، وإنما هو منفعة من المنافع التي لا تتملك كالإجارة على أن يحج بها أو نحوها(١٠) أو تعليم قرآن(١١) وشيء منه(١٢) خلافا للشافعي. وذكر اللخمي(١٣) في النكاح عن الإجارة أو على أن يحج عن المرأة ثلاثة أقوال : الكراهية عن مالك، والإجازة عن أصبغ(١٤)، والمنع عن ابن القاسم ؛ ثم قال : والقول بجواز جميع ذلك حسن ؛ لأن الإجارة والحج(١٥) كغيرهما من الأموال التي تتملك وتباع وتشترى، والصدقات في الآية على قوله : تجمع الأعيان والمنافع.
وقيل(١٦) : سبب الآية أن الرجل كان يزوج الرجل أخته على أن يزوجه الآخر أخته ولا صداق لواحد منهما وهو الشغار، وهو عندي أدل دليل على أن النكاح لا يجوز بالمنافع. واختلف في المخاطبين بهذه الآية، فأكثر العلماء على أن المخاطب بها الأزواج(١٧). وقال بعضهم : هي للأولياء، لأن الولي كان يأخذ الصداق لنفسه.
قوله تعالى(١٨) : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا :
لا خلاف في هذا(١٩) أن الخطاب للأزواج وقوله منه : يعني من الصداق أو المال دل عليه الكلام أو الآية(٢٠)
قال أبو الحسن(٢١)................. هذه الآية تدل على(٢٢) أن للمرأة هبة الصداق لزوجها بكرا كانت أو ثيبا خلافا لمالك، فإنه منع من هبة البكر الصداق لزوجها وجعل ذلك للولي مع أن ذلك لها وذلك في غاية البعد.
وقوله : " فكلوه " المراد منه(٢٣) الاستباحة بأي طريق كان. وعبر بالأكل عن أنواع التصرفات، فليس الأكل مراد عينه ؛ ونظائر هذا كثيرة من الكتاب والسنة.
٢ سقطت في (هـ) كلمة "تعالى"..
٣ في (هـ): "رد لمن"..
٤ في (أ) و(ب) و(د) و(هـ): "فهي"..
٥ في غير (هـ): "في الصدقات"..
٦ في غير (هـ): "نحل"..
٧ في (ب) و(ج) و(هـ): "وفي الآية دليل"..
٨ في (هـ): "الصدقات"..
٩ سقطت في (هـ) كلمة: "تعالى"..
١٠ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "أو بخدمها"..
١١ في (هـ): "أو على تعليم قرآن"..
١٢ في (ب) و(د) و(هـ): "أو شيء منه خلاف"..
١٣ هو أبو الحسن علي بن محمد المعروف باللخمي، نزيل صفاقس، وله كتاب: "لتبصرة"، وهو تعليق كبير على المدونة، توفي سنة٤٧٠ هـ / ١١٠٥ م. انظر: الديباج، ص ٢٠٣..
١٤ هو أبو عبد الله بن الفرج بن سعيد بن نافع، له كتاب الأول، وغريب الموطأ، توفي سنة ٢٢٥ هـ/ ٨٤٠م. انظر الديباج، ص ٩٧، مرآة الجنان لليافعي، ووفيات الأعيان: ج١، ص٢٤٠، طبقات الفقهاء: ص ١٥٣..
١٥ في (ب) و(د): "والمتع" في (هـ): "والمنافع"..
١٦ في (د): "وقال: إن"..
١٧ في (أ) و(ب) و(د): "على أن المخاطبة بها للأزواج"..
١٨ في غير (د): "وقوله"..
١٩ في (د): "لا خلاف في أن الخطاب".
٢٠ في غير (ب) و(ج): "أو الإيتاء"..
٢١ هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري المعروف بالكيا الهراسي شيخ الشافعية في بغداد، تفقه بإمام الحرمين وبرع في المذهب وأصوله، قال الذهبي: تخرج به الأئمة، وكان أحد الفصحاء ومن ذوي الثروة والحشمة، وله تصانيف حسنة. ومنها: أحكام القرآن الذي هو عمدة المؤلف في كتابه هذا. توفي سنة ٥٠٤ هـ. يراجع: الكامل لابن الأثير (١٠/٤٨٤) ووفيات الأعيان(٣/٣٨٦/ ٣٩٠) والسير للذهبي (١٩/٣٥٠) وطبقات السبكي (٧/٢٣١- ٢٣٣)..
٢٢ في (ج) و(د): "وتدل أن المرأة"..
٢٣ في غير (ج) و(د): "به"..
أحكام القرآن
ابن الفرس