( صدقاتهن ) جمع صدقة بضم الدال وهو الصداق بفتح الصاد وكسرها أي ما تعطى المرأة من مهرها. وإيتاء النساء صدقاتهم يحتمل المناولة بالفعل ويحتمل الالتزام والتخصيص. يقال أصدقها وأمهرها بكذا إذا ذكر ذلك في العقد وإن لم يقبض.
وقوله ( نحلة ) روي عن ابن عباس وغيره من السلف تفسيرها بالفريضة وفسرها بعضهم بالعطية والهبة. ووجه أنه مال تأخذه بلا عوض مالي. وجعلها الراغب مشتقة من النحل كأنها عطية كما يجني النحل. وهذا القول لا يعارض ما يدل عليه الأول من فرضية المهر وعدم جواز أكل شيء منه بدون رضا المرأة كما سيأتي.
الأستاذ الإمام : قلنا إن الكلام في أوائل هذه السورة في الأهل والأقارب والأزواج وهو يتسلسل في ذلك إلى قوله تعالى :( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ) [ النساء : ٣٦ ]. ولذلك افتتحها بالتذكير بالقراءة والأخوة العامة وهي كون الأمة من نفس واحدة ثم طفق يبين حقوق الضعفاء من الناس كاليتامى والنساء والسفهاء ويأمر بالتزامها فقال :( وآتوا اليتامى أموالهم ) واليتيم لغة من مات أبوه مطلقا وفي عرف الفقهاء من مات أبوه وهو صغير فمتى بلغ زال يتمه إلا إذا بلغ سفيها فإنه يبقى في حكم اليتيم ولا يزول عنه الحجر. ومعنى إيتاء اليتامى أموالهم هو جعلها لهم خاصة وعدم أكل شيء منها بالباطل أي أنفقوا عليهم من أموالهم حتى يزول يتمهم بالرشد كما سيأتي في آية :( وابتلوا اليتامى ) فعند ذلك يدفع إليهم ما بقي لهم بعد النفقة عليهم في زمن اليتم والقصور فهذه الآية في إعطاء اليتامى أموالهم في حالتي اليتم والرشد كل حالة بحسبها وتلك خاصة بحال الرشد. وليس في هذه تجوز كما قالوا، فإن نفقة ولي اليتيم عليه من ماله يصدق عليه أنه إيتاء مال اليتيم لليتيم، والمقصود من هذه الآية ظاهر وهو المحافظة على مال اليتيم وجعله له خاصة وعدم هضم شيء منه لأن اليتيم ضعيف لا يقدر على حفظه والدفاع عنه ولذلك قال :( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) المراد بالخبيث الحرام وبالطيب الحلال أي لا تتمتعوا بمال اليتيم في المواضع والأحوال التي من شأنكم أن تتمتعوا فيها بأموالكم. يعني أن الإنسان إنما يباح له التمتع بمال نفسه في الطرق المشروعة، فإذا عرض له استمتاع فعليه أن يجعله من مال نفسه لا من مال اليتيم الذي هو قيم ووصي عليه، فإذا استمتع بمال اليتيم فقد جعل مال اليتيم في هذا الموضع بدلا من ماله، وبهذا يظهر معنى التبدل والاستبدال.
وقوله :( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) أي لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم. وهذا صريح فيما إذا كان للولي مال يضم مال اليتيم إليه. ويمكن أن يقال إن أكله مفردا غير مضموم إلى مال الولي أولى بالتحريم وهو داخل في عموم قوله :" وآتوا اليتامى أموالهم " وقيل يفهم من هذا القيد جواز أكل الوصي الفقير الذي لا مال له شيئا من مال اليتيم وسيأتي التصريح بذلك في الآية السادسة.
أقول : ومراد الأستاذ الإمام بنفي التجوز من الآية يعم ما قاله بعضهم من التجوز بلفظ الإيتاء باستعماله بمعنى ترك الأموال سالمة لهم وعدم اغتيال شيء منها وما قالوه من أن المراد بإيتائهم إياها هو تسليمهم إياها بعد الرشد. وأطلق عليهم لفظ اليتامى باعتبار ما كانوا عليه من عهد قريب كما ذكر بعض فلاسفة البلاغة وكتب الأصول، وهو ما سيأتي حكمه في الآية السادسة فلا حاجة إلى دسه في هذه. وقيل أكل أموالهم إلى أموال اليتامى هو خلطها بها وتقدم حكم مخالطتهم في سورة البقرة ( راجع آية ٢٢٠ منها في ج ٢ تفسير-.
واختلفوا أيضا في تبدل الخبيث بالطيب والأظهر فيه ما اختاره الأستاذ الإمام فيما تقدم آنفا. وقيل إن المراد به ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من أخذ الجيد من مال اليتيم ووضع الرديء بدله وأخذ السمين منه وإعطائه الهزيل، ونسبة الرازي للأكثرين قال وطعن فيه صاحب الكشاف بأنه تبديل لا تبدل.
وعبر عن أخذ المال والانتفاع به بالأكل لأنه معظم ما يقع به التصرف، وهذا الاستعمال شائع معروف كقوله تعالى :( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) [ البقرة : ١٨٨ ] وهو يعم كل ما يأخذه الإنسان من مال غيره بغير حق.
( إنه كان حوبا كبيرا ) أي إن أكل مال اليتيم أو تبدل الخبيث بالطيب منه أو ما ذكر من مجموع الأمرين وكانت تفعله الجاهلية كان في حكم الله حوبا كبيرا أي إثما عظيما.
( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا ) هذا حكم من أحكام السورة متعلق بالنساء بمناسبة اليتامى وقيل باليتامى بأنفسهم أصالة وأموالهم تبعا وما قبله متعلق بالأموال خاصة. ففي الصحيحين وسنن النسائي والبيهقي والتفسير عند ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير أنه سأل خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن هذه الآية فقالت :" يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها يشركها في مالها ويعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن ". قال عروة قالت عائشة : ثم إن الناس استفتوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله عز وجل :( يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ) [ النساء : ١٢٧ ] قالت : والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال الله فيها :( وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) قالت عائشة وقول الله في الآية الأخرى :( وترغبون أن تنكحوهن ) رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في في حجره حين تكون قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن(١).
وفي رواية أخرى في الصحيح عنها قالت : أنزلت في الرجل تكون له اليتيمة وهو وليها ووارثها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها فلا ينكحها لمالها فيضربها ويسيء صحبتها فقال :( إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) يقول : خذ ما أحللت لكم ودع هذه التي تضربها. وفي رواية صحيحة أخرى عنها فيما يحال على هذه الآية في الآية الأخرى وهو قوله :( وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتوهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ) قالت أنزلت في اليتيمة تكون عند الرجل فتشركه في ماله فيرغب عنها أن يتزوجها ويكره أن يزوجها غيره فيشركه في مالها فيعضلها فلا يتزوجها ولا يزوجها غيره.
أقول : فعلى هذا تكون الآية مسوقة في الأصل للوصية بحفظ حق يتامى النساء في أموالهن وأنفسهن، والمراد باليتامى فيها النساء وبالنساء غير اليتامى، أي إن خفتم أن لا تقسطوا أي أن لا تعدلوا في يتامى النساء فتعاملوهن كما تعاملون غيرهن في المهر وغيره أو أحسن فاتركوا التزوج بهن وتزوجوا ما حل لكم أو ما راق لكم وحسن في أعينكم من غيرهن. قال ربيعة : اتركوهن فقد أحللت لكم أربعة. أي وسع عليهم في غيرهن حتى لا يظلموهن. وقال الأستاذ بعد أن أورد قول عائشة بالمعنى مختصرا : كأنه يقول إذا أردتم التزوج باليتيمة وخفتم أن تسهل عليكم الزوجية أن تأكلوا أموالها فاتركوا التزوج بها وأنكحوا ما طاب لكم من النساء الرشيدات.
أقول : والربط بين الشرط والجزاء على هذا القول من أقوال عائشة ظاهر، ولا يظهر على رواية العضل، وهو منعهن من التزوج إلا أن كانوا يعتذرون عن العضل بإرادة التزوج بهن ويمطلون في ذلك.
وقال ابن جرير بعد أن ذكر عن بعضهم تفسير الآية بما أيده بالروايات عن عائشة : وقال آخرون بل معنى ذلك النهي عن نكاح ما فوق الأربع حذرا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم، وذلك أن قريشا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدما مال على مال يتيمه الذي في حجره فأنفقه أو تزوج به فنهوا عن ذلك وقيل لهم إن خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها فلا تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مؤن نسائكم فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربع وإن خفتم أيضا من الأربع أن لا تعدلوا في أموالهم فاقتصروا على الواحدة أو على ما ملكت أيمانكم. ثم روي بأسانيده عن عكرمة أنهم كانوا يتزوجون كثيرا ويتغايرون في الكثرة ويغيرون على أموال اليتامى من أجل ذلك. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن الرجل كان يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى فنهوا عن ذلك. وعنه أنه قال : قصر الرجال على أربع من أجل أموال اليتامى.
وأقول : إن الإفضاء بذلك إلى أكل أموال اليتامى قد جعل حجة على تقليل التزوج لظهور قبحه وفي ذلك التعدد من المضرات الآن ما لم يكن يظهر مثله في عهد التنزيل كما يأتي بيانه قريبا.
ثم أورد ابن جرير في الآية وجها ثالثا فقال : وقال آخرون بل معنى ذلك أن القوم كان يتحوبون في أموال اليتامى ولا يتحوبون في النساء أن لا يعدلوا فيهن فقيل لهم كما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى فكذلك فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهن ولا تنكحوا منهن إلا من واحدة إلى الأربع ولا تزيدوا عن ذلك. وإن خفتم أيضا أن لا تعدلوا في الزيادة عن الواحدة فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون أن تجور فيهن من واحدة أو ما ملكت أيمانكم. ثم أورد ابن جرير الروايات التي تؤيد ذلك عن سعيد بن جبير والسدي وقتادة. وعن ابن عباس أيضا من طريق عبد الله بن صالح أنه قال في الآية : كانوا في الجاهلية ينكحون عشرا من النساء الأيامى وكانوا يعظمون شأن اليتيم فتفقدوا من دينهم شأن اليتيم وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية ( أي لم يتفقدوه في الإسلام ويتأثموا مما فيه من ظلم النساء ) فقال :( وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) ونهاهن عما كانوا ينكحون في الجاهلية. وروي نحوه عن الضحاك وفيه أنهم كانوا ينكحون عشرا من النساء ونساء آبائهم وأن وعظهم في اليتامى وفي النساء.
وروي نحوه أيضا عن الربيع ومجاهد.
قال أبو جعفر ( ابن جرير ) وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية قول من قال : تأويلها وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فكذلك فخافوا في النساء فلا تنكحوا منهن إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيه منهن من واحدة إلى الأربع فإن خفتم الجور في الواحدة أيضا فلا تنكحوها ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم فإنه أحرى أن لا تجوروا عليهن.
قال : وإنما قلنا إن ذلك أولى بتأويل الآية لأن الله جل ثناؤه افتتح الآية التي قبلها بالنهي عن أكل أموال اليتامى بغير حقها وخلطها بغيرها من الأموال فقال تعالى ذكره :( وآتوا اليتامى أموالهم ). ثم أعلمهم أنهم إن اتقوا الله في ذلك فتحرجوا فيه فالواجب عليهم من اتقاء الله والتحرج في أمر النساء مثل الذي عليهم من التحرج في أمر اليتامى وأعلمهم كيف التخلص لهم من الجور فيه كما عرفهم المخلص من الجور في أموال اليتامى، فقال انكحوا إن أمنتم الجور في النساء على أنفسكم ما أبحت لكم منهن مثنى وثلاث ورباع الخ ما تقدم عنه آنفا ثم قال :
ففي الكلام إذا كان المعنى ما ذكرنا متروك استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره وذلك أن معنى الك
حكمة تعدد الزوجات
س ٢٠ – من نجيب أفندي قناوي أحد طلبة الطب في أمريكا : يسألني كثير من أطباء الأمركانيين وغيرهم عن الآية الشريفة ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) ويقولون كيف يجمع المسلم بين أربع نسوة ؟ فأجبتهم على مقدار ما فهمت من الآية مدافعة عن ديني وقلت : إن العدل بين اثنتين مستحيل لأنه عندما يتزوج الجديدة لا بد أن يكره القديمة فكيف يعدل بينهما والله أمر بالعدل فالأحسن واحدة ؛ هذا ما قلته وربما أقنعهم ولكن أريد منكم التفسير وتوضيح هذه الآية وما قولكم في الذين يتزوجون اثنتين وثلاثا ؟
جـ- إن الجماهير من الإفرنج يرون مسألة تعدد الأزواج أكبر قادح في الإسلام متأثرين بعاداتهم وتقليدهم الديني وغلوهم في تعظيم النساء، وبما يسمعون ويعلمون عن حال كثير من المسلمين الذين يتزوجون عدة زوجات لمجرد التمتع الحيواني من غير تقيد بما قيد القرآن به جواز ذلك، وبما يعطيه النظر من فساد البيوت التي تتكون من زوج واحد وزوجات لهن أولاد يتحاسدون ويتنازعون ويتباغضون. ولا يكفي مثل هذا النظر للحكم في مسألة اجتماعية كبرى كهذه المسألة بل لا بد قبل الحكم من النظر في طبيعة الرجل وطبيعة المرأة والنسبة بينهما من حيث معنى الزوجية والغرض منها ؛ وفي عدد الرجال والنساء في الأمم أيهما أكثر، وفي مسألة المعيشة المنزلية وكفالة الرجال للنساء أو العكس أو استقلال كل من الزوجين بنفسه، وفي تاريخ النشوء البشري ليعلم هل كان الناس في طور البداوة يكتفون بأن يختص كل رجل بامرأة واحدة، وبعد هذا كله ينظر هل جعل القرآن مسألة تعدد الزوجات أمرا دينيا مطلوبا أم رخصة تباح للضرورة بشروط مضيق فيها ؟
أنتم معشر المشتغلين بالعلوم الطبية أعرف الناس بالفرق بين طبيعة الرجل وطبيعة المرأة وأهم التباين بينهما، ومما نعلم نحن بالإجمال أن الرجل بطبيعته أكثر طلبا للأنثى منها له، وأنه قلما يوجد رجل عنين لا يطلب النساء بطبيعته ولكن يوجد كثير من النساء اللاتي لا يطلبن الرجال بطبيعتهن، ولولا أن المرأة مغرمة بأن تكون محبوبة من الرجل وكثيرة التفكر في الحظوة عنده لوجد في النساء من الزاهدات في التزوج أضعاف ما يوجد الآن. وهذا الغرام في المرأة هو غير الميل المتولد من داعية التناسل الطبيعية فيها وفي الرجل، وهو الذي يحمل العجوز والتي لا ترجو زواجا على التزين بمثل ما تتزين به العذراء المعرضة، والسبب عندي في هذا معظمه اجتماعي، وهو ما ثبت في طبيعة النساء واعتقادهن القرون الطويلة من الحاجة إلى حماية الرجل وكفالتهم وكون عناية الرجل بالمرأة على قدر حظوتها عنده وميله إليها، أحس النساء بهذا في الأجيال الفطرية فعملن له حتى صار ملكة موروثة فيهن حتى أن المرأة لتبغض الرجل ويؤلمها مع ذلك أن يعرض عنها ويمتهنها، وإنهن ليألمن أن يرين رجلا- ولو شيخا كبيرا أو راهبا- متبتلا لا يميل إلى النساء ولا يخضع لسحرهن ويستجيب لرقيتهن. ونتيجة هذا أن داعية النسل في الرجل أقوى منها في المرأة فهذه مقدمة أولى.
ثم إن الحكمة الإلهية في ميل كل من الزوجين الذكر والأنثى إلى الآخر الميل الذي يدعو إلى الزواج هي التناسل الذي يحفظ به النوع، كما أن الحكمة في شهوة التغذي هي حفظ الشخص. والمرأة تكون مستعدة للنسل نصف العمر الطبيعي للإنسان وهو مئة سنة. وسبب ذلك أن قوة المرأة تضعف عن الحمل بعد الخمسين في الغالب فينقطع دم حيضها وبويضات التناسل من رحمها، والحكمة ظاهرة في ذلك، والأطباء أعلم بتفصيلها. فإذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من امرأة واحدة كان نصف عمر الرجال الطبيعي في الأمة معطلا من النسل الذي هو مقصود الزواج إذا فرض أن الرجل يقترن بمن تساويه في السن وقد يضيع على بعض الرجال أكثر من خمسين سنة إذا تزوج بمن هي أكبر منه وعاش العمر الطبيعي كما يضيع على بعضهم أقل من ذلك إذا تزوج بمن هي أصغر منه، وعلى كل حال يضيع عليه شيء من عمره حتى لو تزوج وهو في سن الخمسين بمن هي في الخامسة عشرة يضيع عليه خمسة عشر سنة وما عساه يطرأ على الرجال من مرض أو هرم عاجل أو موت قبل بلوغ السن الطبيعي يطرأ مثله على النساء قبل سن اليأس. وقد لا حظ هذا الفرق بعض حكماء الإفرنج فقال : لو تركنا رجلا واحدا مع مئة امرأة سنة واحدة لجاز أن يكون لنا من نسله في السنة مئة إنسان، وأما إذا تركنا مئة رجل مع امرأة واحدة سنة كاملة فأكثر ما يمكن أن يكون لنا من نسلهم إنسان واحد، والأرجح أن هذه المرأة لا تنتج أحدا لأن كل واحد من الرجال يفسد حرث الآخر. ومن لا حظ عظم شأن كثرة النسل في سنة الطبيعة وفي حال الأمم يظهر له عظم شأن هذا الفرق- فهذه مقدمة ثانية.
ثم إن المواليد من الإناث أكثر من الذكور في أكثر بقاع الأرض(٣). وترى الرجال على كونهم أقل من النساء يعرض لهم من الموت والاشتغال عن التزوج أكثر مما يعرض للنساء، ومعظم ذلك في الجندية والحروب وفي العجز عن القيام بأعباء الزواج ونفقاته، لأن ذلك يطلب منهم في أصل نظام الفطرة وفيما جرت عليه سنة الشعوب والأمم إلا ما شذ. فإذا لم يبح للرجل المستعد للزواج أن يتزوج بأكثر من واحدة اضطرت الحال إلى تعطيل عدد كثير من النساء ومنعهن من النسل الذي تطلبه الطبيعة والأمة منهن، وإلى إلزامهن مجاهدة داعية النسل في طبيعتهن، وذلك يحدث أمراضا بدنية وعقلية كثيرة يمسي بها أولئك المسكينات عالة على الأمة وبلاء فيها بعد أن كن نعمة لها، أو إلى إباحة أعراضهن والرضا بالسفاح، وفي ذلك من المصائب عليهن لا سيما إذا كن فقيرات ما لا يرضى به ذو إحساس بشري. وإنك لتجد هذه المصائب قد انتشرت في البلاد الإفرنجية حتى أعيا الناس أمرها وطفق أهل البحث ينظرون في طريق علاجها فظهر لبعضهم أن العلاج الوحيد هو إباحة تعدد الزوجات. ومن العجائب أن ارتأى هذا الرأي غير واحدة من كائنات الإنكليز وقد نقلنا ذلك عنهن في مقالة نشرت في المجلد الرابع من المنار ( تراجع في ص ٧٤١ منه ) وإنما كان هذا عجيبا لأن النساء ينفرن من هذا الأمر طبعا وهن يحكمن بمقتضى الشعور والوجدان، أكثر مما يحكمن بمقتضى المصلحة والبرهان، بل إن مسألة تعدد الزوجات صارت مسألة وجدانية عند رجال الإفرنج تبعا لنسائهم حتى لتجد الفيلسوف منهم لا يقدر أن يبحث في فوائدها وفي وجه الحاجة إليها بحث بريء من الغرض طالب كشف الحقيقة- فهذه مقدمة ثالثة.
وأنتقل بك من هذا إلى اكتناه حال المعيشة الزوجية وأشرف بك على حكم العقل والفطرة فيها وهو أن الرجل يجب أن يكون هو الكافل للمرأة وسيد المنزل لقوة بدنه وعقله وكونه أقدر على الكسب والدفاع، وهذا هو معنى قوله تعالى :( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) [ النساء : ٣٤ ] وإن المرأة يجب أن تكون مدبرة المنزل ومربية الأولاد لرقتها وصبرها وكونها كما قلنا من قبل واسطة في الإحساس والتعقل بين الرجل والطفل، فيحسن أن تكون واسطة لنقل الطفل الذكر بالتدريج إلى الاستعداد للرجولة ولجعل البنت كما يجب أن تكون من اللطف والدعة والاستعداد لعملها الطبيعي. وإن شئت فقل في بيان هذه المسألة إن البيت مملكة صغرى كما أن مجموع البيوت هو المملكة الكبرى، فللمرأة في هذه المملكة إدارة نظارة الداخلية والمعارف وللرجل مع الرياسة العامة إدارة نظارات المالية والأشغال العمومية والحربية والخارجية. وإذا كان من نظام الفطرة أن تكون المرأة قيمة البيت وعملها محصورا فيه لضعفها عن العمل الآخر بطبيعتها وبما يعوقها من الحبل والولادة ومداراة الأطفال وكانت بذلك عالة على الرجل- كان من الشطط تكليفها المعيشة الاستقلالية بله السيادة والقيام على الرجل. وإذا صح أن المرأة يجب أن تكون في كفالة الرجل وإن الرجال قوامون على النساء كما هو ظاهر فماذا نعمل والنساء ( قد يكن ) أكثر من الرجال عددا ؟ ألا ينبغي أن يكون في نظام الاجتماع البشري أن يباح الرجل الواحد كفالة عدة نساء عند الحاجة إلى ذلك لا سيما في أعقاب الحروب التي تجتاح الرجال وتدع النساء لا كافل للكثير منهن ولا نصير ؟ ويزيد بعضهم على هذا أن الرجل في خارج المنزل يتيسر له أن يستعين على أعماله بكثير من الناس ولكن المنزل لا يشتمل على غير أهله وقد تمس الحاجة إلى مساعد للمرأة على أعمالها الكثيرة كما تقضي قواعد علم الاقتصاد في توزيع الأعمال ولا ينبغي أن يكون من يساعدها في البيت من الرجال لما في ذلك من المفاسد، فمن المصلحة على هذا أن يكون في البيت عدة نساء مصلحتهن عمارته- كذا قال بعضهم – فهذه مقدمة رابعة.
وإذا رجعت معي إلى البحث في تاريخ النشوء البشري في الزواج والبيوت ( العائلات ) أو في الازدواج والإنتاج تجد أن الرجل لم يكن في أمة من الأمم يكتفي بامرأة واحدة كما هو شأن أكثر الحيوانات، وليس هذا بمحل لبيان السبب الطبيعي في ذلك، بل ثبت بالبحث أن القبائل المتوحشة كان فيها النساء حقا مشاعا للرجال بحسب التراضي وكانت الأم هي رئيسة البيت إذ الأب غير متعين في الغالب وكان الإنسان كلما ارتقى يشعر بضرر هذا الشيوع والاختلاط ويميل إلى الاختصاص فكان أول اختصاص في القبيلة أن يكون نساؤها لرجالها دون رجال قبيلة أخرى وما زالوا يرتقون حتى وصلوا إلى اختصاص الرجل الواحد بعدة نساء من غير تقيد بعدد معين، بل حسب ما يتيسر له، فانتقل بهذا تاريخ البيوت ( العائلات ) إلى دور جديد صار فيه الأب عمود النسب وأساس البيت كما بين ذلك بعض علماء الألمان والإنكليز المتأخرين في كتب لهم في تاريخ البيوت ( العائلات ).
ومن هنا يذهب الإفرنج إلى أن نهاية الارتقاء هو أن يخص الرجل الواحد بامرأة واحدة، وهو مسلم وينبغي أن يكون هذا هو الأصل في البيوت ولكن ماذا يقولون في العوارض الطبيعية والاجتماعية التي تلتجئ إلى أن يكفل الرجل عدة من النساء لمصلحتهم ومصلحة الأمة ولاستعداده الطبيعي لذلك ؟ وليخبرونا هل رضي الرجال بهذا الاختصاص وقنعوا بالزواج الفردي في أمة من الأمم إلى اليوم ؟ أيوجد في أوربا في كل مئة ألف رجل رجل واحد لا يزني ؟ كلا إن الرجل بمقتضى طبيعته وملكاته الوراثية لا يكتفي بامرأة واحدة إذ المرأة لا تكون في كل وقت مستعدة لغشيان الرجل إياها، كما أنها لا تكون في كل وقت مستعدة لثمرة هذا الغشيان وفائدته، وهو النسل. فداعية الغشيان في الرجل لا تنحصر في وقت دون وقت ولكن قبوله من المرأة محصور في أوقات وممنوع في غيرها، فالداعية الطبيعية في المرأة لقبول الرجل إنما تكون مع اعتدال الفطرة عقب الطهر من الحيض، وأما في حال الحيض وحال الحمل والإثقال فتأبى طبيعتها ذلك.
وأظن أنه لولا توطين المرأة نفسها على إرضاء الرجل والحظوة عنده، ولولا ما يحدثه التذكر والتخيل للذة وقعت في إبانها من التعمل لاستعادتها ولا سيما مع تأثير التربية والعادات العمومية، لكان النساء يأبين الرجال في أكثر أيام الطهر التي لا يكن فيها مستعدات للعلوق الذي هو مبدأ الإنتاج، ومن هذا التقرير يعلم أن اكتفاء الرجل بامرأة واحدة يستلزم أن يكون مندفعا بطبيعته إلى الإفضاء إليها في أيام طويلة هي فيها غير مستعدة لقبوله، أظهرها أيام الحيض والإثقال بالحمل والنفاس، وأقلها ظهورا أياما الرضاع لا سيما الأيا
تفسير المنار
رشيد رضا