ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

وابن داود لم يتصوّر ما قاله الشافعي، وذاك أنه لم يُرِد إلا ما أراد
غيره من حقيقة المعنى، وإنما تحرّى اشتقاق اللفظ، ولم يُرِد بالعيال
الأولاد، وإنمّا أراد النساء، فقد يُسمَّى كل من تسمونه العيال، وإن
لم يكن أولادًا، وأراد تعالى إن خفتم أن يكثر نساؤكم، فتحتاجوا
إلى تفقدهن بأمور تقصرون عنها، ولا يكون في مراعاتها إقساط.
وهذا راجع إلى ما ذهب إليه الآخرون.
قوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)
فالنحلة: العطية التي لا يُطلب بها عوض، وأصله عندي من النحل.
فكأنَّ نحلتهُ: أعطيته عطية النحل، وذلك ما قصده الحكماء من
وصف النحل في أنه لا يضر بشيء، وينفع أعظم نفع، وكأنه إلى
ذلك أشار بقوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) الآية،

صفحة رقم 1095

والنِّحلة أخصّ من الهبة، إذ كل هِبة نِحلة، وليس كل نِحلة هِبة.
وسُمّي الصداق بها من حيث لا يجب في مقابلته أكثر من تمتُّع دون
عوض مالي. وقول قتادة وابن زيد: النّحلة: الفريضة.
فنظر منهم إلى حكم الآية، لا إلى موضوع اللفظ والاشتقاق.
واقتضت إيجاب إيتائهن الصداق.
ثم حكمه وقدره قبل الدخول وبعده، وقبل التسمية وبعدها.
فمأخوذ من غير الآية.
ودلّ بقوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ) أن لا يتحرّج الإِنسان من قبول
هبتها عن طيب نفس منها بها، ودلَّت الآية على أنه يجوز لها أن
تهب صداقها إذا كانت بالغة، خلافًا لما قال مالك: إن ذلك إلى وليّها.

صفحة رقم 1096

وللأوزاعي حيث قال: لا يجوز لها حتى تلد.
أو يحول عليها الحول في بيت زوجها.
ولليث بن سعد حيث قال: لا يجوز عتق ذات الزوج ولا هبتها.
إلا في اليسير من غير إذن زوجها.
وذُكِرَ عن شريح أن رجلًا أتى بيّنة أن امرأته

صفحة رقم 1097

أبرأته من صداقها عن طيب نفس، وأنكرت المرأة ذلك.
فقال شريح: هل رأيتم المال وقد دفع إليها؟ فقالوا: لا.
فقال: لو طابت نفسها لم ترجع فيه، فلم يجُزه.
إن قيل: لِمَ قال: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا) فأفرد
وقال في الأخرى: (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) فجمع؟
قيل: التمييز على ثلاثة أضرب:
الأول: أن يدلَّ ما قبله على عدد فلا يجُمع، نحو: عشرون درهماً.
والثاني: أن يشتبه، فلابد من جمع إذا أريد الجمع نحو قولهم: أفره القوم عبيدًا.
والثالث: أن يستوي الواحد والجمع لكونه معلومًا منها المعنى على حد، نحو
قولهم: فلان أحسن القوم عينًا، لأنه يعلم أن القوم لم يشتركوا

صفحة رقم 1098

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية