المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في سابق الآيات كثيرا من الأحكام الشرعية ووعد فاعلها بجزيل الثواب وأوعد تاركها بشديد العقاب وانتقل هنا إلى ذكر حال بعض الأمم الذين تركوا أحكام دينهم وحرفوا كتابهم واشتروا الضلالة بالهدى لينبه الذين خوطبوا بالأحكام المتقدمة إلى أن الله مهيمن عليهم كما هيمن على من قبلهم فإذا هم قصّروا أخذهم بالعقاب الذي رتبه على ترك أحكام دينه في الدنيا والآخرة والمؤمنون بالله حقا بعد أن سمعوا الوعد والوعيد المتقدمين لا بد أن يأخذوا بهذه الأحكام على الوجه الموصل إلى إصلاح الأنفس وذلك هو الأثر المطلوب منها ولن يكون ذلك إلا إذا أخذت بصورها ومعانيها لا بأخذها بصورها الظاهرة فحسب.
و قد اكتفى بعض الأمم من الدين ببعض رسومة الظاهرة فقط كبعض اليهود الذين امنوا يكتفون ببعض القرابين وأحكام الدين الظاهرة وهذا لا يكفى في إتباع الدين والقيام به على الوجه المصلح للنفوس كما أراد الله.
فأرشدنا سبحانه إلى عمل الرسوم الظاهرة في الدين كالغسل والتيمم لا يغني عنهم شيئا إذا لم يطهروا القلوب حتى ينالوا مرضاته ويكونوا أهلا لكرامته ولا يكون حالهم كحال بعض من سبقهم من الأمم.
تفسير المفردات :
من الذين هادوا : هم اليهود غير مسمع : يحتمل أن يكون المعنى غير مسمع مكروها وأن يكون غير مقتول منك ولا مجاب إلى ما تدعو إليه وراعنا : إما بمعنى ارقبنا وانظرنا نكلمك وإما بمعنى كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها وهي ( راعينا ). ليا بألسنتهم : أي فتلا بهم وتحريفا طعنا في الدين : قدحا فيه أقوم : اعدل وأسد إلا قليلا : أي إلا قليلا من الإيمان لا يعبأ به.
الإيضاح :
من الذين هادوا هذا بيان للمراد من الذين أوتوا الكتاب بأنهم يهود ونصارى وقوله : والله أعلم وقوله : وكفى بالله جملتان معترضتان بين البيان والمبين.
ثم بين المراد من اشترائهم الضلالة بالهدى فقال :
يحرفون الكلم عن مواضعه التحريف يطلق على معنيين : أحدهما تأويل القول بحمله على غير معناه الذي وضع له كما يؤولون البشارات التي وردت في النبي صلى الله عليه وسلم ويؤولون ما ورد في المسيح ويحملونه على الشخص آخر ولا يزالون ينتظرونه إلى اليوم وثانيهما أخذ كلمة أو طائفة من الكلم من موضع من الكتاب ووضعها في موضع آخر وقد حصل هذا في كتب اليهود خلطوا ما يؤثر عن موسى بما كتب بعده بزمن طويل وكذلك ما وقع في كلام غيره من أنبيائهم واعترف بهذا بعض العلماء من أهل الكتاب وقد كانوا يقصدون بهذا التحريف الإصلاح في زعمهم وسبب هذا النوع من التحريف أنه وجدت عندهم قراطيس متفرقة من التوراة بعد فقد النسخة التي كتبها موسى عليه السلام وأرادوا أن يؤلفوا بينهما فجاء فيها ذلك الخلط بالزيادة والتكرار كما أثبت ذلك بعض الباحثين من المسلمين كالشيخ رحمة الله الهندي في كتابه ( إظهار الحق ) وأوراد له من الشواهد ما لا يحصى.
ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا أي ويقول هؤلاء اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم : سمعنا قولك وعصينا أمرك وقد روي عن مجاهد أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم سمعنا قولك ولكن لا نطيعك وكذلك كانوا يقولون له ( اسمع غر مسمع ) يدعون عليه على معنى لا أسمعك الله في الموضع الذي يقول فيه المتأدبون للمخاطبين " لا سمعت أذى أو لا سمعت مكروها ".
و كذلك كانوا يقولون له : راعنا وقد روي أن اليهود كانوا يتسابون بكلمة ( راعينا ) العبرانية فسمعوا بعض المؤمنين يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : راعنا من المراعاة فافترصوها وصاروا يلوون ألسنتهم بالكلمة ويصرفونها إلى المعنى الآخر.
ليا بألسنتهم وطعنا في الدين أي هم يلوون ألسنتهم فيحعلونها في الظاهر راعنا وبلي اللسان وإمالته ( راعينا ) قصدا منهم للسباب والشتم والسخرية أو جعله راعيا من رعاة الغنم أو من الرعونة ومن تحريف اللسان وليه خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم وتحيته بقولهم :( السام- الموت- عليكم ) يوهمون بفتل اللسان وجمجته أنهم يقولون له ( السلام عليكم ) وقد ثبت هذا في صحيح الأحاديث كما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ان علم عنهم ذلك كان يحييهم بقوله ( وعليكم ) أي كل أحد يموت.
ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكتن خيرا لهم وأقوم أي ولو أنهم قالوا سمعنا قولك وأطعنا أمرك لعلمهم بصدقك ولوجود الأدلة والبينات المتظاهرة على ذلك وكذلك لو قالوا : اسمع منا ما نقول وانظرنا : أي أمهلنا وانتظرنا ولا تعجل علينا حتى نتفهم عنك ما تقول لكان ذلك خيرا لهم وأصوب مما قالوه لما فيه من الأدب والفائدة وحسن العاقبة.
ثم بين عاقبة أمرهم فقال :
ولكن لعنهم الله بكفرهم أي ولكن خذلهم الله وأبعدهم عن الطاعة بسبب كفرهم إذا مضت سنة الله في البشر بأن الكفر يمنع صاحبه من التفكير والتروي والأدب في الخطاب ويجعله بعيدا من الخير والرحمة فلا يمت إليهما بسبب ولا يصل إليهما برحم ولا نسب.
فلا يؤمنون إلا قليلا أي فهم لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا يعتد به فهو لا يصلح عملا ولا يطهر نفسا ولا يرقى عقلا ولو كان إيمانهم بنبيهم وكتابهم إيمانا كاملا لهداهم إلى التصديق بمن جاء مصدقا لما معهم من الكتاب وبين لهم ما نسوا منه وما حرفوا فيه كما جاءهم بمكارم الأخلاق والنظم الكاملة في الاجتماع والتشريع وبما إن اتبعوه كانوا على الهدى والرشاد وعلى الحق والسداد.
تفسير المراغي
المراغي