موالاتهم، واستنصارهم، وتَسْتكْفوا بولاية الله ونصرته، وكفى
به وليا ونصيرًا.
قوله تعالى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)
الليّ: أصله الفَتْلُ فاستعير لصرف الإِنسان عما يريده، وصرف الكلام من
وجه إلى وجه استعارة الجدل في الجدال، ومنه ليّ الغريم، ولواء الجيش
لكونه في الأصل خيطًا ملويا.
واللِّوى: الملوئ من الرمل؛ لا يصنعه البشر.
وقوله: (بِأَلْسِنَتِهِمْ) أي جارحتهم أوكلامهم، وكلا هما في
الحقيقة واحد (وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) أي يطعنون بِأَلْسِنَتِهِمْ في الدين،
وقوله (غَيْرَ مُسْمَعٍ) يقال على وجهين:
أحدهما: دعاء على الإِنسان بالصمم.
والثاني: دعاء له، فقد تُعورِف قوله: أسمعته؛ في السب.
ورُوِيَ أن أهل الكتاب كانوا يقولون ذلك.
يرون أنهم يعظمون النبيَّ، وأنهم يدعون له، لأن قولهم (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) يقتضي ظاهره: أنا قْد عصينا من أمرتنا بعصيانه.
واسمع غير مشتوم؛ وحافظنا، وهم يقصدون بقولهم
(وَعَصَيْنَا) أنا عصيناك، واسمع لا سمعت، وراعنا أي
رَاعنًا، وذلك شتم فيما بينهم، فذكر تعالى أن ذلك ليّ
وطعن في الدين بألسنتهم، أي لُغتهم، ولو عدلوا عن هذه
الألفاظ إلى ما أُمِرُوا به لكان أنفع لهم، ولكن لما كفروا لعنهم
الله، أي منعهم التوفيق وشرح الصدر، وقد تقدّم معنى
اللعنة وتفسير قوله: (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا).
وقوله: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) فيه قولان:
الأول: أنه متعلّق بما تقدَّم، كأنه قال:
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من الذين هادوا فيكم.
فتكون (مِن) للجنس أو للتبيين، وتكون للوقف على قوله:
(مِنَ الَّذِينَ هَادُوا).
والثاني: أن تكون استئنافًا على تقدير:
من الذين هادوا فريق، كقوله: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ).
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار