تمهيد :
بعد أن ذكر الله سبحانه في السابق الآيات كثيرا من الأحكام الشرعية، ووعد فاعلها بجزيل الثواب، وأوعد تاركها بشديد العقاب، انتقل هنا إلى ذكر حال بعض الأمم الذين تركوا أحكام دينهم، وحرفوا كتابهم، واشتروا الضلالة بالهدى ؛ لينبه الذين خوطبوا بالأحكام المتقدمة إلى أن الله مهيمن عليهم كما هيمن على من قبلهم، فإذا هم قصروا ؛ أخذهم بالعقاب الذي رتبه على ترك أحكام دينه في الدنيا و الآخرة، والمؤمنون بالله حقا بعد أن سمعوا الوعد والوعيد المتقدمين لا بد أن يأخذوا بهذه الأحكام على الوجه الموصل إلى إصلاح الأنفس، وذلك هو الأثر المطلوب منها، ولن يكون إلا إذا أخذت بصورها ومعا نيها، لا بأخذها بصورها الظاهرة حسب.
وقد اكتفى بعض الأمم من الذين ببعض رسومه الظاهرة فقط كبعض اليهود الذين كانوا يكتفون ببعض القرابين و أحكام الدين الظاهرة، وهذا لا يكفى في إتباع الدين و القيام به على الوجه المصلح للنفوس كما أراده الله.
فأرشدنا سبحنه إلى أن عمل الرسوم الظاهرة في الدين كالغسل، والتيمم لا يغنى عنهم شيئا إذا لم يطهروا القلوب ؛ حتى ينالوا مرضاته ويكونوا أهلا لكرامته، ولا يكون حالهم كحال بعض من سبقهم من الأمم.
المفردات :
من الذين هادوا : هم اليهود.
غير مسمع : يحتمل أن يكون المعنى غير مسمع : مكروها، و أن يكون غير مقبول منك ولا مجاب إلى ما تدعو إليه.
وراعنا : إما بمعنى : ارقبنا وانظرنا ؛ نكلمك، و إما بمعنى : كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها، وهي :( راعينا )
ليا بألسنتهم أي : فتلا بها و تحريفا.
طعنا في الدين : قدحا فيه.
أقوم : أعدل وأسد.
إلا قليلا : أي : إلا قليلا من الإيمان لا يعبأ به.
التفسير :
٤٦_ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ.
من اليهود فريق يميلون الكلام عن معناه، ويفسرونه بغير مراد الله تعالى كذبا منهم وفتراء وتضليلا وإنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : سمعنا وعصينا. أي : سمعنا قولك، وعصينا أمرك وروى عن مجاهد أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم :( سمعنا قولك و لكن لا نطيعك ). وكذالك كانوا يقولون له : اسمع غير مسمع.
أي : اسمع كلامنا لا أسمعك الله، في الموضع الذي يقول فيه المتأدبون للمخاطبين : اسمع غير مسمع.
أي : لا سمعت مكروها. فاللفظ يسوقونه ومرادهم منه الدعاء عليه ويوهمون أن مرادهم الدعاء له.
ويقولون : راعنا. وهي كلمت تحتمل الخير على معنى :( انظرنا وتهمل علينا نكلمك ) وتحتمل الشر على معنى :( راعينا ) أي : اشملنا بالرعونة والحمق، أو جعله راعيا من رعاة الغنم.
ومن تحريفهم قولهم :( السام عليكم ) أي : الموت عليكم، ليا بألسنتهم وطعنا في الدين. أي : صرفا للكلام عن ظاهره إلى إدارة الشتم والسب، وقدحا في الدين بالاستهزاء والسخرية.
وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ. أي : لو أنهم استقاموا وقالوا : سمعنا و أطعنا. بدل قولهم : سمعنا وعصينا وقالوا : اسمع دون أن يقولوا : غير مسمع، وقالوا : انظرنا بدل راعنا لكان خيرا لهم ما قالوه، وأعدل منه سبيلا ولكن الله طردهم من رحمته ؛ بإعراضهم فلا تجد منهم من يستجيبون لداعى الإيمان إلا عددا قليلا.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة