ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس وأخرج ابن جرير نحوه عن عكرمة وأبي مالك ومجاهد وغيرهم أنه كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب فأنزل الله تعالى ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم الاستفهام للتعجب من حال من يزكي نفسه لأن غرضه من تزكية نفسه اعتلاؤه بين الناس ولا يحصل ذلك بتزكيته نفسه بل يوجب ذلك دناءة في أعين الناس وإنما يحصل الاعتلاء والزكاء بتزكية الله تعالى وجعله عاليا ناميا فيما بين عباده، ذكر البغوي والثعلبي عن الكلبي أنها نزلت في رجال من اليهود منهم بحري بن عمرو والنعمان بن أوفى ومرحب بن زيدا أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد هل على هؤلاء ذنب ؟ فقال : لا، قالوا : ما نحن إلا كهيئتهم ما علمنا بالنهار يكفّر عنا بالليل، وما علمنا بالليل يكفّر عنا بالنهار فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الحسن والضحاك وقتادة نزلت في اليهود والنصارى حين قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه (١) وقالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى (٢) قلت : وإن كان سبب نزول الآية خاصا لكن الحكم عام وقال ابن مسعود هو تزكية بعضهم لبعض، روى عن طارق بن شهاب عن ابن مسعود قال : إن الرجل ليغدوا من بيته ومعه دينه فيأتي الرجل لا يملك له ولا لنفسه ضرا ولا نفعا فيقول والله أنت لذيت وذيت فيرجع إلى بيته وما معه من دينه شيء ثم قرأ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم .
مسألة : لا يجوز لأحد أن يزكي نفسه ويثني عليها وينسبها إلى الطهارة من الذنوب، وأيضا لا يجوز أن يحكم لغيره بالطهارة إلا على سبيل حسن الظن المأمور به فإن الحكم بغير العلم لا يجوز قال الله تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم (٣) وتزكية نفسه يفضي إلى العجب والكبر المنهيين أيضا، وفي نفس الأمر ما لكل أحد عند الله تعالى من القرب والثواب لا يعلمه إلا الله تعالى ولذلك قال : بل الله يزكي أي يحكم بالطهارة أو يطهر من الذنوب بالمغفرة ويصلح من يشاء فإنه القادر على التطهير وبما ينطوي عليه الإنسان هو العليم الخبير، وفيه إشعار بأنه يجوز تزكية نفسه أو غيره بإعلام من الله تعالى بتوسط الوحي أو الإلهام بشرط أن لا يكون ذلك على وجه البطر والتكبر فإنها من رذائل النفس وهذا هو محمل ما ورد في الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم :" أنا سيد ولد آدم ولا فخر " (٤) وقد مر في البقرة، وقوله صلى الله عليه وسلم :" والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض " (٥) لما عرض المنافقون بأنه جار في القسمة وقوله صلى الله عليه وسلم :" والله لا تجدون من بعدي أعدل عليكم مني " (٦) رواه الطبراني والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة وأحمد عن أبي سعيد، وقوله صلى الله عليه وسلم :" أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة " " والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " " وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة " (٧) وكدا ما ورد في كلام الأولياء بناء على الإلهام من الله تعالى كقول غوث الثقلين قدمي هذه على رقبة كل ولي الله ولا يظلمون الضمير راجع إلى من يشاء الله تزكيته فإنهم يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم وإلى الناس أجمعين المفهوم في ضمن ما سبق، يعني أن الله لا يظلم الناس في التزكية فتيلا بل لا يزكي إلا من يستأهله ولا يترك إلا من لا يستأهله أو إلى الذين يزكون أنفسهم فإنهم يعاقبون على قدر جريمتهم ولا يظلمون فتيلا في الصحاح هو ما تفتله بين أصابعك من خيط أو وسخ ويضرب بها المثل في الشيء الحقير، وقيل : هو الخيط الذي في شق النواة منصوب على المصدر أي لا يظلمون ظلما فتيلا أي أدنى ظلم بقدر الفتيل.

١ سورة المائدة، الآية: ١٨.
٢ سورة البقرة، الآية: ١١١.
٣ سورة الإسراء، الآية: ٣٦.
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب. وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: ذكر الشفاعة (٤٣٠٨)..
٥ رواه الطبراني في الكبير والبزار وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف. انظر مجمع الزوائد في كتاب: البيوع، باب البيع إلى أجل (٦٦١٩)..
٦ قال الهيثمي: فيه الأزرق بن قيس وثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح. انظر فيض القدير (٩٦٠٩)..
٧ هذه المقاطع من ثلاثة أحاديث رواها الترمذي في كتاب: المناقب (٣٦٧٣) و (٣٧٧٧) و (٣٨٨٢)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير