تمهيد :
بعد أن هدد سبحانه اليهود على الكفر، وتوعدهم عليه بأشد الوعيد كطمس الوجوه و الرد على الأدبار، ثم بين أن ذلك الوعيد واقع لا محاله بقوله : وكان أمرا الله مفعولا.
ذكر هنا أن هذا الوعيد وشديد التهديد إنما هو لجريمة الكفر، فأما سائر الذنوب سواه فالله قد يغفرها ويتجوز عن زلاتها.
أخرج ابن المنذر عن أبى مجلز قال : لما نزل قوله تعالى : قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم. ( الزمر : ٥٣ ) قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنذر فتلاها على الناس، فقام إليه رجل فقال : والشرك بالله، فسكت، ثم قام إليه فقال : يا رسول الله والشرك بالله تعالى فكست مرتين أو ثلاثا فنزلة هذه الآية.
وتزكية النفس : مدحها، قال تعالى : فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى. ( محمد : ٣٢ ) والظلم : النقص، والفتيل : ما يكون في شق نواة التمر مثل : الخيط، وبه يضرب المثل في الشيء الحقيركما يضرب بمثقال الذرة،
٣٩_ألم ترإِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً.
ألم ينته علمك يا محمد إلى هؤلاء الذين يثنون على أنفسهم ويمدحونها بما ليس فيهم مدعين أنهم على الحق، و الله وحده هو الذي يعلم الخبيث من الطيب فيزكى من يشاء، ولا يظلم أي إنسان قدره مهما كان ضئيلا.
رورى ابن جرير عن الحسن أن الآية نزلت في اليهود و النصارى حيث قالوا : نحن أبناء الله و أحباؤه.
جاء في تفسير المراغي... وفي الاية موضعان من العبرة :
١ _أن الله يجزي عامل الخير بعمله ولو مشركا ؛ لأن لعمله أثرا في نفسه يكون مناط الجزاء. فيخفف عذابه عن عذاب غيره كما ورد في الحديث : إن بعض المشركين، يخفف عنهم العذاب بعمل لهم، فحاتم الطائى بكرمه، و أبو طالب بكفالته النبي صلى الله عليه وسلم ونصره إياه، وأبو لهب لعتقه جاريته ثوبية حين بشرته بمولد النبي صلى الله عليه وسلم.
٢ _ أن يحذر المسلمين الغرور بدينهم كما كان أهل الكتاب في عصر التنزيل وما قبله، وأن يبتعدوا عن تزكية أنفسهم بالقول واحتقار من عداهم من المشركين، و أن يعلموا أن الله لا يحابى في نظم الخليفة أحدا لا مسلم و لا يهوديا و لا نصرانيا ١.
.
تفسير القرآن الكريم
شحاته