ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا
عن قتادة : هم أعداء الله اليهود، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، فقالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا : لا ذنوب لنا ؛ ومما قال ابن زيد : قال أهل الكتاب : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى :(.. فلا تزكوا أنفسهم هو أعلم بمن اتقى )( ١ ) ؛ وأصل التزكية : التنقية والتبرئة والتنزيه، في صحيح مسلم، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال : سميت ابنتي برة : فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول الله نهى عن هذا الاسم، وسُميت برة ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم " فقالوا : بم نسميها ؟ فقال :" سموها زينب " ؛ وكأن المنهي عنه في الآية الكريمة وفي الحديث الشريف إنما هو مدح الإنسان نفسه عجبا وافتخارا ولغير غرض صحيح مثل التحدث بنعمة الله تعالى، أو للترغيب في الاقتداء به إن كان من أهل القدوة ؛ أما التزكي العملي الذي هو تطهير النفس وتنزيهها عن القبائح، وتنمية حبها لنهج الخير والرشد، والاستزادة من العمل الصالح، فهذا هو الفلاح، وصدق الله العظيم :( قد أفلح من تزكى ) ( ٢ ) ( قد أفلح من زكاها ) ( ٣ )، وإنها لأمانة بعث بها رسولنا محمد خاتم النبيين عليه الصلوات والتسليم، يقول مولانا – تقدست أسماؤه- :( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.. ) ( ٤ )، ويقول جل وعز :( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.. ) ( ٥ )، ويقول تبارك و تعالى :( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم.. ) ( ٦ )، وهي دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام :( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم.. ) ( ٧ ) ؛ وإن أريد بالنهي أن لا يزكي بعضنا بعضا، كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي بكرة أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" ويحك قطعت عنق صاحبك- يقوله مرارا- إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسبه كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدا " - فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ذلك الإعجاب والكبر، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة، فيحمله ذلك على تضييع العمل، وترك الازدياد من الفضل ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " ويحك قطعت عنق صاحبك " ؛ وفي الحديث الآخر : " قطعتم ظهر الرجل " حين وصفوه بما ليس فيه ؛ وعلى هذا تأول العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : " احثوا التراب في وجوه المداحين " أن المراد به : المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه ؛ فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له في أمثاله، وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمداح، وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به من جميل القول فيه ؛ وهذا راجع إلى النيات :(.. والله يعلم المفسد من المصلح.. ) ( ٨ ) ؛ وقد مُدِحَ صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجوه المداحين التراب، ولا أمر بذلك، كقول أبي طالب :
| وأبيض يستسقى الغمام بوجهه | ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
٢ سورة الأعلى. الآية ١٤..
٣ سورة الشمس. الآية ٩..
٤ سورة آل عمران. من الآية ١١٤..
٥ سورة الجمعة. من الآية ٢..
٦ سورة البقرة. من الآية ١٥١..
٧ سورة البقرة. من الآية ١٢٩..
٨ سورة البقرة. من الآية ٢٢٠..
٩ الجامع لأحكام القرآن؛ بتصرف يسير..
١٠ جامع البيان..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب