ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول
هذه الآيات تتميم للمعاني التي اشتملت عليها الآيات السابقة، فإن هؤلاء المنافقين وضعاف الإيمان كانوا يُحَمِّلون النبي صلى الله عليه وسلم تبعة الهزيمة إن كانت. وإن كان ما يحسن في نظرهم قالوا : هذا بفضل الله، ونسوا أن كل شيء بتقدير الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، فقد قدر النصر والفوز، كما قدر الضرر والأذى، وكل من عند الله سبحانه وتعالى. وقد حسب أولئك المنافقون والضعفاء أن البعد عن القتال ينجيهم من الموت، فبين الله سبحانه أنه لا نجاة من الموت حيثما كان الشخص فالموت مدركه ولاحقه.
وفي هذه الآيات يبين سبحانه أن ما يصيبك من أمر يحسن عندك، فإنه بفضل الله تعالى، إذ وفقك إلى سببه وجعل السبب منتهيا بالنتيجة وما أصابك من أمر يسوؤك فبسببك وعمل منك، وأن الرسول لا يحمل أوزاركم، وأن طاعته واجبة في المنشط والمكر، وأن الذين يظهرون الطاعة بألسنتهم أمامه ويبيتون العصيان من ورائه، الله بهم عليم، ولذا قال سبحانه : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك
إنما يقول المسلمون جميعا : أمرنا معك طاعة وخضوع لما تطلب، فليس لنا إلا أن نطيعك، ولا يجوز أن نخالفك لأن طاعتك هي طاعة الله، فأنت فينا المطاع دائما وقد قصرنا أحوالنا على طاعتك.
هذا قول المسلمين عامة، ولكن المؤمنين يقولون ويذعنون ظاهرا وباطنا، وسرا وإعلانا، والمنافقون يقولون ذلك بظاهر من القول، وهو ينوون المخالفة ويصرون عليها ولا يتركونها، وهم الذين يقول الله تعالى فيهم : فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ، أي فإذا خرجوا من عندك بارزين ظاهرين غير مستخفين، أخذوا يتدبرون فيما بينهم الأمر الذي يكون مخالفا للطاعة والتعبير عن الخروج بالبروز للإشارة إلى تفاوت ما بين أحوالهم ! وتضارب مظهرهم مع خبيئتهم. ويقول الزمخشري في المعنى اللغوي للتبييت :( والتبييت إما من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، ويقال :"هذا أمر بُيِّت بليل". وإما من أبيات الشعر، لأن الشاعر يدبرها، ويسويها )، وعندي أن هذا المعنى غريب، ولكن الأولى هو الأول مضافا إليه معنى التزوير والتحسين، لأن( بيّت ) تتضمن معنى التزوير والتمويه. والمعنى على أي حال أن هذه الطائفة بعد خروجها من عندك، تدبر أمر مخالفتك، وتحسن هذه المخالفة وتزينها لنفسها في خفاء، والله يعلم ما يسرون وما يلعنون ولذا قال :
والله يكتب ما يُبَيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله والله سبحانه وتعالى يعلم ما يبيتون، فلم يكن خافيا قبل أن يقع، ولم يزدد به علما بعد الوقوع، فهو يعلم ما كان وما يكون إلى يوم الدين. وفي هذه الجملة تهديد لهم وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم، بل إن علمه به علم ما يكتب وما يسجل عليهم، ليكون مرئيا لهم في صحائف أعمالهم يوم القيامة، وليعلم نبيه بتدبيرهم السيئ ونيتهم، ليتقي شرهم ويحفظه من أذاهم، فإنه هو ناصره وكافله. وإذا كان الله تعالى يكتب عليهم ما يخفونه، فليس للنبي أن يأبه لهم والله حافظه وكالئه، ولذلك أمره بألا يلتفت إليهم، ولا يأخذه هم في شأنهم وليعتمد على الله، وليكل إليه أموره، ولا يكل أموره إلى غيره، وإنه إن توكل على الله حق التوكل، حفظه، وكفاه شرهم، ولذا قال سبحانه وتعالى : وكفى بالله وكيلا .
والمعنى : يكفيك أن الله تعالى هو الموكل بأمرك، وهو حافظك وكالئك وحاميك، ومن كان الله تعالى وكيله والموكل بأموره، فلن يضيع أبدا.
اللهم هيئ للمسلمين أسباب العزة، ووفقهم للعمل الصالح، واجعلهم يكلون مآل أمورهم إليك، إنك نعم المولى ونعم النصير.
زهرة التفاسير
أبو زهرة