قوله تعالى : وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا ١.
فيه أربع مسائل :
[ ٤٩ ] المسألة الأولى : في سبب نزول الآية.
قال الإمام ابن حزم :( حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب ابن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي مسلم حدثني زهير بن حرب نا عمر بن يونس الحنفي ثنا عكرمة بن عمار، عن سماك أبي زميل، قال : حدثني عبد الله بن العباس، حدثني عمر بن الخطاب، فذكر حديث إيلاء٢ النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه، وأن عمر قال :( فقلت : يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكال، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت – وأحمد الله – بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت الآية آية التخيير : وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير * عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكار ٣، قال عمر : فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي، لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، ونزلت هذه الآية : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، قال عمر : فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله عز وجل آية التخيير )٤.
قال أبو محمد : وقبل كل شيء فهذا اللفظ إنما روي من هذه الطريق، وفيها عكرمة بن عمار، وهو منكر الحديث جدا، وقد روينا من طريقه حديثا موضوعا مكذوبا من طريق هذا الإسناد نفسه، عكرمة بن عمار عن سماك أبي زميل، عن ابن عباس، هكذا لا شك فيه، ليس في سنده أحد متهم غيره٥.
[ ٥٠ ] المسألة الثانية : في المراد بأولي الأمر في الآية.
يرى الإمام ابن حزم – رحمه الله – أن المراد بأولي الأمر في الآية هم أهل العلم.
قال أبو محمد :( نص تعالى على أن المستنبطين لو ردوه إلى الرسول وإلى أهل العلم الناقلين لسنن النبي صلى الله عليه وسلم، لعلموا الحق، وإن لم يردوه، واتكلوا على استنباطهم، لم يعلموا الحق )٦.
[ ٥١ ] المسألة الثالثة : في بيان معنى الاستنباط.
قال الإمام ابن حزم :( هو مأخوذ من : أنبطت الماء، وهو إخراجه من الأرض والتراب والأحجار.
وهو استخراج الحكم من لفظ هو خلاف لذلك الحكم )٧.
[ ٥٢ ] المسألة الرابعة : بيان المستثنى منه في قوله تعالى : إلا قليلا ونوعه.
قال الإمام ابن حزم :( هذا الاستثناء مردود على المخاطبين أنفسهم، وهذا القليل عندنا مستثنى من الفضل والرحمة، لا من اتباع الشيطان، والآية على ظاهرها دون تكلف تأويل، ومعناها : أن الله رحمكم وتفضل عليكم حاشا قليلا منكم لم يرحمهم ولا تفضل عليهم، وهم الكفار منكم والمنافقون الذين فيكم.
وهذا الذي قلنا هو العيان المشهود والنص المسموع، فإن الأقل من المخاطبين الحاضرين مع الصحابة رضي الله عنهم كانوا منافقين خارجين عن الفضل والرحمة، متبعين الشيطان، فهم القليل المستثنون بقوله تعالى : إلا قليلا ، واستثنوا من جملة المتفضل عليهم والمرحومين والممتنعين بذلك من اتباع الشيطان، فهو راجع على كل من ذكر في الآية، وبالله تعالى التوفيق٨.
٢ الإيلاء: هو الحلف على الامتناع من وطء الزوجة. انظر: لسان العرب ١/١١٧، المصباح المنير ١/٣٥..
٣ سورة التحريم، من الآية (٤) والآية (٥)..
٤ رجال الإسناد:
عمر بن يونس بن القاسم الحنفي، أبو الحفص اليمامي، الجرشي، ثقة، مات سنة ست ومائتين (ع). انظر: تقريب التهذيب ٢/٧١.
عكرمة بن عمار العجلي، أبو عمار اليماني، أصله من البصرة، صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى ابن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب، مات قبل سنة ستين ومائة (خت م ٤). انظر: تقريب التهذيب ٢/٣٤.
سماك – بكسر أوله وتخفيف الميم – بن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري، الكوفي، أبو المغيرة، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخرة، فكان ربما يلقن، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة (خت م ٤). انظر: تقريب التهذيب ١/٣٢٠.
وبقية رجال الإسناد تقدمت ترجمتهم.
تخريج الأثر: أخرجه مسلم في صحيحه مطولا، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء ٦/٤٠١٨، حديث رقم (٣٦٢٦)..
٥ انظر: الإحكام في أصول الأحكام ٦/١٠٠٣-١٠٠٤..
٦ انظر: الإحكام في أصول الأحكام ٦/١٠٠٢..
٧ انظر : الإحكام في أصول الأحكام ٦/١٠٠٢..
٨ انظر : الإحكام في أصول الأحكام ٤/٥٥٣، الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢/٧٤..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري