ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

٤٠٧- مسائل هذه الآية : ما المراد بالفضل والرحمة هاهنا ؟ وكيف يمكن عند عدم فضل الله تعالى ورحمته أن يبقى القليل لا يتبع الشيطان مع عدم فضل الله تعالى ورحمته إياه ؟ بل يتبعه جزما حينئذ بمقتضى ظاهر اللفظ. ومن هو هذا القليل المشار إليه ؟ وهل الاستثناء متصل أو منقطع ؟
والجواب : أن الآية خطاب لجميع المؤمنين باتفاق في قوله : ولولا فضل الله عليكم ورحمته .
واختلف في الفضل والرحمة المشار إليهما، فقيل : فضل الله تعالى القرآن، ورحمته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : إرشاد الله تعالى مطلقا، فلولاه لكانوا كفرة.
واختلف في المستثنى من أي شيء استثني ؟ فقيل : هو من قوله : أذاعوا به إلا قليلا . وقال قتادة : من قوله تعالى : يستنبطونه إلا قليلا . وقيل : بل من قوله تعالى : اتبعتم الشيطان إلا قليلا على سرد الكلام من غير تقديم.
ثم اختلف هؤلاء فقيل : معناه أن الله تعالى هدى الخلق للإيمان وكان أكثرهم تعرض لهم الشبهات، وأقلهم لا يعرض لهم ذلك، فلولا فضل الله على الجميع في التثبيت لارتدوا عن الإسلام إلا القليل الذين لا يحتاجون لصرف الشبهات، فإنهم إذا لم يأتهم صرف الشبهات لا يرتدون، لأنهم لا شبهات عندهم، فلا يتبعون الشيطان بالردة، قاله الضحاك.
وقيل : إلا قليلا هم القوم الذين كانوا على الدين الصحيح قبل البعثة. فلو لم يأت فضل الله تعالى ورحمته بالقرآن ورسالة محمد عليه السلام لاتبع كل من هو مسلم بعد البعثة الشيطان إلا قليلا وهم أولئك العصابة، وهذا القول هو الذي يختاره الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى، لجمعه بين حمل كل لفظ على معنى صحيح، فالفضل للقرآن، والرحمة على رسالته عليه السلام ويكون الاستثناء على الأقرب إليه كما هو ظاهر اللفظ. ومن هذه الفرقة التي كانت على الهداية قبل البعثة ورقة بن نوفل١ وزيد بن عمرو بن نفيل٢ وغيرهما على ما ذكره ابن إسحاق٣ وغيره من أرباب السير.
وقيل : الاستثناء من المتبع فيه، ومعناه : " لاتبعتم الشيطان فيما يأمركم به إلا قليلا من ذلك، فإن أخلاقكم تأبى إتباعه فيه، لفرط قبحه ووضوح فساده، فإن الشيطان لا يكاد يأمر الإنسان إلا بملتبس حتى يتم مقصوده، أما واضح الفساد فلا، إلا ما شذ من غلط الشيطان في ذلك.
وقيل : إلا قليلا إشارة إلى العدم، فإن العرب تعبر به عن العدم، تقول : " قل رجل يقول كذا إلا زيد ". كأنهم قالوا : لا يقوله إلا زيد "، لأنه القلة في معنى العدم، حكاه الطبري٤، وهو بعيد من جهة اقتران " القليل " هاهنا بالاستثناء.
وعلى هذا القول لا يكون الاستثناء لا متصلا ولا منقطعا بل يبقى في معنى التأكيد، كأنه قال : لم يبق منكم أحد إلا اتبع الشيطان.
وعلى القول الأول يكون الاستثناء متصلا لأنه من الجنس، وحكم عليه بالنقيض الذي هو عدم الإتباع.
فهذه الآية هي من أعظم الآيات المشكلات في الاستثناء. ( الاستغناء : ٣١٦- ٣١٧-٣١٨ )

١ - هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، كان يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث: "ما أراه إلا نبي هذه الأمة، بشَّر به موسى وعيسى "ن- أسد الغابة: ٥/٨٨. جمهرة أنساب قريش أخبارها: ٤٠٨ وما بعدها..
٢ - هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي، أحد الحكماء، وهو ابن عم عمر بن الخطاب، كان يكره عبادة الأصنام ولم يدرك الإسلام. توفي قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بخمس سنين. ن- الأعلام للزركلي: ٣/٦٠..
٣ - هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي بالولاء المدني، صاحب كتاب "السيرة النبوية" و "الخلفاء". (ت: ١٥١ هج). ن: تهذيب التهذيب: ٩/٣٨ والأعلام: ٦/٢٨ وتاريخ بغداد: ١/٢١٤..
٤ - لم أقف على هذا التفسير في جامع البيان للطبري: ١٤/١٨٥ وما بعدها. والطبري هو محمد بن جرير بن يزيد، أبو جعفر الآملي البغدادي، شيخ المفسرين، وكبير المؤرخين، وكبير المؤرخين. (ت: ٣١٠ هج). من مصنفاته: "جامع البيان عن تأويل أي القرآن" و"تاريخ الأمم والملوك" و"اختلاف الفقهاء" و"تاريخ الرجال" وغيرها. ن: لسان الميزان: ٥/٤ وما بعدها. تهذيب التهذيب: ١/٣٣٥. معجم الأدباء: ١٨/٥٠. تاريخ بغداد: ٢/١٦٢. وغيرها..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير