إذاعة الأخبار من غير اعتماد على مصدر صحيح
[سورة النساء (٤) : آية ٨٣]
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣)
الإعراب:
إِلَّا قَلِيلًا في هذا الاستثناء ستة أوجه ذكرها ابن الأنباري: ١/ ٢٦٢ وهي:
١- أن يكون استثناء من قوله تعالى: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ.
٢- أن يكون استثناء من واو يَسْتَنْبِطُونَهُ.
٣- أن يكون استثناء من واو أَذاعُوا بِهِ أي أذاعوا بالخبر.
٤- أن يكون استثناء من هاء بِهِ.
٥- أن يكون استثناء من الهاء والميم في جاءَهُمْ.
٦- أن يكون استثناء من الكاف والميم في عَلَيْكُمْ.
وقيل: إلا قليلا: منصوب لأنه صفة مصدر محذوف وتقديره: إلا اتباعا قليلا، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. وقال الزمخشري: إلا قليلا منكم، أو إلا اتباعا قليلا.
المفردات اللغوية:
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ عن سرايا النبي صلّى الله عليه وسلّم بما حصل لهم مِنَ الْأَمْنِ النصر. أَوِ الْخَوْفِ بالهزيمة. أَذاعُوا بِهِ أفشوه وأشاعوه بين الناس. وَلَوْ رَدُّوهُ أي أرجعوا الخبر.
أُولِي الْأَمْرِ أي ذوي الرأي من أكابر الصحابة، أي لو سكتوا عنه حتى يخبروا به. لَعَلِمَهُ لعرفوا: هل هو مما ينبغي أن يذاع أو لا؟
يَسْتَنْبِطُونَهُ استنبط الماء: استخرجه من البئر، والمراد هنا: ما يستخرجه الرجل العالم بفضل عقله وعلمه من الأفكار والأحكام وحلول القضايا. وهم المذيعون منهم من الرسول وأولي
الأمر. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام. وَرَحْمَتُهُ لكم بالقرآن. لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فيما يأمركم به من الفواحش.
سبب النزول:
روى مسلم عن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي صلّى الله عليه وسلّم نساءه، دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نساءه، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ، أَذاعُوا بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.
قال ابن جرير الطبري: إن هذه الآية نزلت في الطائفة التي كانت تبيّت غير ما يقول لها الرسول أو تقول له. اه.
وذكر السيوطي: نزلت الآية في جماعة من المنافقين أو في ضعفاء المؤمنين كانوا يفعلون ذلك، فتضعف قلوب المؤمنين، ويتأذى النبي صلّى الله عليه وسلّم.
والظاهر لدي ما يقوله السيوطي فإن إشاعة الأخبار وترويج الإشاعات إما أن تكون من المنافقين أعداء الأمة بقصد سيء، وإما أن تكون من ضعاف الإيمان وعوام الناس الجهلة بقصد حسن. وربما كان موقف عمر أحد أسباب النزول.
قال الزمخشري: هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال، ولا استبطان للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلّى الله عليه وسلم من أمن وسلامة، أو خوف وخلل، أذاعوا به، وكانت إذاعتهم مفسدة «١».
المناسبة:
مناسبة الآية واضحة بالنسبة لما قبلها، فإنه تعالى أمر بتدبر القرآن ووعيه والتثبت من فهمه، وذلك مدعاة للتعلم بضرورة التثبت في كل شؤون الحياة، كنقل الأخبار وغيرها.
التفسير والبيان:
هذا إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا تكون صحيحة.
روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع».
وفي الصحيح: «من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين»
وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «نهى عن قيل وقال»
أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس، من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبين.
وفي سنن أبي داود: «بئس مطية الرجل: زعموا».
معنى الآية: قد يبلغ الخبر عن أحوال الأمن (السلم) والخوف (الحرب) من مصادر غير موثوقة إلى الجهلة أو المنافقين أو ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالقضايا العامة، فيبادرون إلى إذاعته ونشره وترويجه بين الناس، وهذا أمر منكر يضر بالمصلحة العامة.
لذا يجب أن يترك الحديث في الشؤون العامة الى قائد المسلمين وهو الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أو إلى أولي الأمر وهم أهل الرأي والحل والعقد ورجال الشورى في الأمة، فهم أولى الناس وأدراهم بالكلام فيها، فهم الذين يتمكنون من استنباط الأخبار الصحيحة، واستخراج ما يلزم تدبيره وقوله بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها.
أما التحدث بكل ما نسمع، ونقل الأخبار من غير تثبت، ففيه ضرر واضح
بالدولة، لذا فإن كل الدول المعاصرة تفرض رقابة على الأخبار في الصحف والإذاعة وغيرها، حتى لا تشوه المواقف وتستغل عقول الناس، سواء في السلم أو في الحرب.
ثم امتنّ الله تعالى على صادقي الإيمان فعصمهم من الانزلاق في تلك التيارات، فذكر: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم إذ هداكم ووفقكم لطاعة الله والرسول، وأرشدكم إلى الرجوع إلى المصدر العلمي الصحيح وهو الرسول وأولو الأمر من الأمة، لاتبعتم وساوس الشيطان، أو لبقيتم على الكفر- كما قال الزمخشري- إلا قليلا منكم، أو إلا اتباعا قليلا. وهي نظير قوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [النور ٢٤/ ٢١].
فقه الحياة أو الأحكام:
وجّهت الآية النصائح والإرشادات التالية:
١- وجوب التثبت من الأخبار قبل روايتها وحكايتها، وضرورة الرقابة العامة على الأخبار المعلنة، حفاظا على أسرار الأمة ووحدتها، والعمل على إبقائها قوية متماسكة متعاضدة، لا تتأثر بالدعايات الكاذبة والإشاعات المغرضة.
٢- أهل العلم والخبرة والقادة هم أولى الناس بالتحدث عن القضايا أو الشؤون العامة، وهم أيضا أهل الاجتهاد في الدين.
٣- الانزلاق في وساوس الشيطان كثير شائع لولا فضل الله ورحمته.
٤- قال الجصاص الرازي: في الآية دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في أحكام الحوادث وذلك لأنه أمر برد الحوادث إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم في حياته إذا كانوا بحضرته، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته صلّى الله عليه وسلّم.
وهذا لا محالة فيما لا نص فيه لأن المنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه، فثبت
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي