الحق سبحانه وتعالى يربي الأمة الإيمانية على أسلوب يضمن ويؤمن لهم سرية حركتهم وخاصة أنهم قوم مقبلون على صراع عنيف ولهم خصوم أشداء، فيربيهم على أن يعالجوا أمورهم بالحكمة لمواجهة الجواسيس. فيقول : وإذا جاءهم أمر . أي إذا جاءهم خبر أمر من الأمور يتعلق بالقوم المؤمنين أو بخصومهم، وعلى سبيل المثال : يسمعون أن النبي عليه الصلاة والسلام سيخرج في سرية إلى المنطقة الفلانية، وقبيلة فلان تنتظره كي تنظم إليه، وعندما يسمع الضعاف المنافقون هذا الخبر يذيعونه. فيحتاط الخصوم بمحاصرة القبيلة التي وعدت الرسول أن تقاتل معه كي لا تخرج، أو يقولون مثلا : إن النبي سيخرج ليفعل كذا فيذيعوا أيضا هذا الخبر ! فأوضح لهم الحق : لا تفعلوا ذلك في أي خبر يتعلق بكم كجماعة ارتبطت بمنهج وتريد لهذا المنهج أن يسيطر ؛ لأن هذا المنهج له خصوم.
إياكم أن تسمعوا أمرا من الأمور فتذيعوه قبل أن تعرضوه على القائد وعلى من رأى القائد أنهم أهل المشورة فيه، فقوله : وإذا جاءهم أمر من الأمن يقصد به أن المسألة تكون في صالحهم أو الخوف أي من عدوهم أذاعوا به .
كلمة " أذاعه " غير كلمة " أذاع به "، ف " أذاعه " يعني " قاله "، أما " أذاع به " فهي دليل على أنه يقول الخبر لكل من يقابله، وكان الخبر بذاته هو الذي يذيع نفسه، فهناك أمر تحكيه وتنتهي المسألة، أما " أذاع به " فكأن الإذاعة مصاحبة للخبر وملازمة له تنشره وتخرجه من طي محدود إلى طي غير محدود.. أو من آذان تحترم خصوصية الخبر إلى آذان تتعقب الخبر، ثم يقول : ولو ردوه إلى الرسول فالرسول أو من يحددهم الرسول صلى الله عليه وسلم هم الذين لهم حق الفصل فيما يقال وما لا يقال : لعلمه الذين يستنبطونه منهم والاستنباط مأخوذ من " النبط " وهو ظهور الشيء بعد خفائه، واستنبط أي استخرج الماء مجتهدا في ذلك والنبط هو أول مياه تخرج عند حفر البئر فنقلت الكلمة من المحسات في الماء إلى المعنويات في الأخبار. وصرنا نستخدم الكلمة في المعاني، وكذلك في العلوم. مثلما تعطي الطالب مثلا تمرينا هندسيا، وتعطيه معطياته، ثم يأخذ الطالب المعطيات ويقول بما أن كذا= كذا.. ينشأ منه كذا، فهو يستنبط من موجود معدوما.
وهنا يوضح الحق لهم : إذا سمعتم أمرا يتعلق بالأمن أو أمرا يتعلق بالخوف، فإياكم أن تذيعوه قبل أن تعرضوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تعرضوه على أولياء الأمر الذين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم بعض السلطة فيه ؛ لأنهم هم الذين يستنبطون.. هذا يقال أو لا يقال.
ويقول الحق : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا كأنهم أذاعوا بعض أحداث حدثت، لكنهم نجوا منها بفضل من الله سبحانه وتعالى وبعض إلهاماته فكان مما أذاعوا به ما حدث عندما عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم العزم على ان يذهب الى مكة فاتحا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها.. أي أنه لا يقول الوجهة الحقيقية كي يأخذ الخصوم على غرة، وعندما يأخذ الخصوم على غرة يكونون بغير إعداد، فيكون ذلك داعيا على فقدانهم قدرة المقاومة.
وانظروا إلى الرحمة فيما حدث في غزوة الفتح، فقد أمر رسول الله المسلمين بالتجهيز لغزو مكة حتى إذا ما أبصر أهل مكة أن رسول الله جاء لهم بجنود لا قبل لهم بها ؛ يستكينون ويستسلمون فلا يحاربون وذلك رحمة بهم. وكان " حاطب بن أبي بلتعة " قد سمع بهذه الحكاية فكتب كتابا لقريش بمكة، وأخذته امرأة وركبت بعيرها وسارت. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلى ومن معه وقال لهم : إن هناك امرأة في روضة خاخ معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بقدومنا إلى مكة، فذهبوا إلى الظعينة فأنكرت، فهددها سيدنا علي واخرج من عقاصها أي من ضفائر شعرها الكتاب، فإذا هو كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا وقال له : أهذا كتابك ؟. قال : نعم يا رسول الله، فقال : وما دعاك إلى هذا ؟ قال : والله يا رسول الله لقد علمت أن الله ناصرك، وان كتابي لن يقدم ولن يؤخر. وأنا رجل ملصق في قريش ولم أكن من أنفسهم ليس لي بها عصبية ولي بين أظهرهم ولد وأهل فأحببت أن أتقدم إلى قريش بيد تكون لي عندهم يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال له النبي : قد صدقت.
إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يبني القضايا الإيمانية وخاصة ما يتعلق بأمر المؤمنين مع أعدائهم على الصدق، ولا يستقيم الأمر أن يفشي ويذيع كل واحد الكلام الذي يسمعه، بل يجب أن يردوا هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر لأنهم هم الذين يستنبطون ما يناسب ظرفهم من الأشياء، ربما أذنوا لكم في قولها، أو أذنوا بغيرها إذا كان أمر الحرب والخداع فيها يستدعي ذلك. وهذا يدل على أن الحق سبحانه وتعالى وإن كان قد ضمن النصر والغلبة لهم وأوضح : أنا الوكيل وأنا الذي أنصر ولا تهابوهم، إلا أنه سبحانه يريد أن يأخذ المؤمنون بالأسباب.. وبكفايتهم به على أنه هو الناصر..
ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا وهذا يدل على أن هذه المسألة قد حدثت منهم ولكن فضل الله هو الذي سندهم وحفظهم فلم يجعل لهذه المسألة مغبة او عاقبة فيما يسوؤهم. ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ونعرف أنه كلما جاء فعل من الأفعال وجاء بعده استثناء. فنحن ننظر : هل هذا الاستثناء من الفاعل أو من الفعل ؟.. وهنا نجد قوله الحق : لاتبعتم الشيطان إلا قليلا فهل كان إتباع الشيطان قليلا أي اتبع الشيطان قلة وكثيرون لم يتبعوا الشيطان. فهل نظرت إلى القلة في الحدث أو في المحدث للحدث ؟. فإن نظرت إلى القلة في الحدث فيكون : لاتبعتم الشيطان إلا إتباعا قليلا تهتدون فيه بأمر الفطرة، وإن أردت القلة في المحدث : لاتبعتم الشيطان إلا قليلا أي إلا نفرا قليلا منكم سلمت فطرتهم فلا يتبعون الشيطان.
فقد ثبت أن قوما قبل أن يرسل ويبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا ليفكروا فيما عليه أمر الجاهلية من عبادة الأوثان والأصنام، فلم يرقهم ذلك، ولم يعجبهم، فمنهم من صد عن ذلك نهائيا، ومنهم من ذهب ليلتمس هذا العلم من مصادرة في البلاد الأخرى، فهذا " زيد بن عمرو بن نفيل "، وهذا " ورقة بن نوفل " الذي لم يصدق كل ما عرض عليه، و " أمية بن أبي الصلت "، و " قس بن ساعدة "، كل هؤلاء بفطرتهم اهتدوا إلى أن هذه الأشياء التي كانت عليها الجاهلية لا تصح ولا يستقيم أن يكون عليها العرب فهؤلاء كانوا قلة وكانوا يسمون بالحنفاء والكثير منهم كان يعبد الأصنام ثم أكرمهم الله ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذن فقول الحق : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا أي لأن الحق سبحانه وتعالى بفضله ورحمته لن يدع مجالا للشيطان في بعض الأشياء.. بل يفضح أمر الشيطان مع المنافقين. فإذا ما فضح أمر الشيطان مع المنافقين أخذكم إلى جانب الحق بعيدا عن الشيطان، فتكون هذه العملية من فضل الله ورحمته.
تفسير الشعراوي
الشعراوي