قوله تعالى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ١.
فيه ثلاث مسائل :
[ ٥٥ ] المسألة الأولى : في حكم رد السلام في الأذان والإقامة.
قال الإمام ابن حزم :( إن سلم على المؤذن في أذانه وإقامته ففرض عليه أن يرد بالكلام. قال الله تعالى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا .
روينا عن وكيع عن محمد بن طلحة عن جامع بن شداد عن موسى بن عبد الله ابن يزيد الخطمي عن سليمان بن صرد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنه كان يؤذن للعسكر، فكان يأمر غلامه في أذانه بالحاجة " ٢.
وعن وكيع عن الربيع بن صبيح عن الحسن البصري قال :( لا بأس أن يتكلم في أذانه للحاجة )٣.
فلم تخص النصوص حال الأذان والإقامة من غيرهما، ولا جاء نهي قط عن الكلام في نفس الأذان، وما نعلم حجة لمن منع ذلك أصلا )٤.
[ ٥٦ ] المسألة الثانية : في الجمع بين قول تعالى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا وأمره بالإنصات للخطبة :
يرى الإمام ابن حزم أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإنصات للخطبة٥ عام لكل كلام، سلاما كان أو غيره، وفي الآية إيجاب رد السلام، وهو بعض الكلام في كل حالة على العموم. وللجميع بينهما قال :( أما الخطبة فإنا نظرنا في أمرها فوجدنا المعهود، والأصل إباحة الكلام جملة، ثم جاء النهي عن الكلام في الخطبة، وجاء الأمر برد السلام واجبا وإفشائه، فكان النهي عن الكلام زيادة على معهود الأًصل، وشريعة واردة قد تيقنا لزومها، وكان رد السلام وإفشاؤه أقل معاني من النهي عن الكلام، فوجب استثناؤه، ولأن الخطبة ليست صلاة، ولم يلزم فيها استقبال القبلة، ولا شيء مما يلزم في الصلاة )٦.
[ ٥٧ ] المسألة الثالثة : في الجمع بين قوله تعالى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا وأمره صلى الله عليه وسلم بالإنصات في الصلاة.
يرى الإمام ابن حزم عدم وجوب رد السلام في الصلاة، وأن الأمر بالإنصات في الصلاة عام لكل كلام، سلاما كان أو غيره.
قال الإمام ابن حزم :( إن الصلاة قد ورد فيها نص بين بأنه عليه السلام سلم عليه فيها فلم يرد بعد أن كان يرد، وأنه سئل عن ذلك فقال – عليه الصلاة والسلام - : " إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وأنه أحدث ألا تكلموا في الصلاة " ٧، أو كلاما هذا معناه )٨.
٢ رجال الإسناد:
محمد بن طلحة بن مصرف اليامي الكوفي، روى عن جامع بن شداد وغيره، صدوق، له أوهام، وأنكروا سماعه من أبيه؛ لصغره، مات سنة سبع وستين ومائة (خ م د ت ابن عساكر ق). انظر: تهذيب التهذيب ٩/٢٠٥، تقريب التهذيب ٢/١٨٣.
جامع بن شداد المحاربي، أبو صخرة الكوفي، ثقة، مات سنة سبع، ويقال: سنة ثمان وعشرين ومائة (ع). انظر: تقريب التهذيب ١/١٢٩.
موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي – بفتح المعجمة وسكون المهملة – الكوفي، ثقة، مات قبل المائة (م د تم ق). انظر: تقريب التهذيب ٢/٢٨٩.
سليمان بن صرد – بضم المعجمة وفتح الدال – بن الجون بن منقذ الخزاعي، صحابي جليل، يكنى أبا المطرف، كان خيرا فاضلا، له دين وعبادة، سكن الكوفة، وشهد مع علي رضي الله عنه مشاهده كلها، قتل بعين الوردة سنة خمس وستين، وعمره ثلاث وتسعين سنة (ع). انظر: أسد الغابة ٢/٤٤٩، تقريب التهذيب ١/٣١٥.
تخريج الأثر: أخرجه البخاري في صحيحه معلقا، كتاب الأذان، باب الكلام في الأذان ٢/١١٦، ووصله ابن أبي شيبة في مصنفه ١/٢٤٠، من طريق وكيع عن محمد بن طلحة عن جامع بن شداد عن موسى بن عبد الله ابن يزيد به، ووصله البيهقي في السنن الكبرى ١/٣٩٨، من طريق أبي الحسن علي بن أحمد بن عبدان عن أحمد بن عبيد الصفار عن هشام بن علي السيرافي عن عبد الله بن رجال عن محمد بن طلحة به، وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لإٍسناد ابن أبي شيبة: (إسناده صحيح)، فتح الباري ٢/١١٦..
٣ رجال الإسناد:
الربيع بن صبيح – بفتح المهملة – السعدي البصري، صدوق، سيئ الحفظ، وكان عابدا مجاهدا، أول من صنف الكتب بالبصرة، مات سنة ستني ومائة (خت ت ق). انظر: تقريب التهذيب ١/٢٤١.
وبقية رجال الإسناد تقدمت ترجمتهم.
تخريج الأثر: أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١/٢٤٠.
درجته: إسناده ضعيف؛ لأن الربيع بن صبيح صدوق سيء الحفظ..
٤ انظر: المحلى ٣/٩٠-٩١..
٥ إشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت". أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب ٢/٤٨٠، حديث رقم (٩٣٤)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة ٤/٢٤١٣، حديث رقم (٨٥١)..
٦ انظر: الإحكام في أصول الأحكام ٢/٢٣٢-٢٣٣..
٧ سبق تخريجه ص ١٩٨..
٨ انظر: الإحكام في أصول الأحكام ٢/٢٣٢ – ٢٣٣..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري