ﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎ

ويقول الحق بعد ذلك :
وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا٨٦ .
الحق هنا يريد أن يربب معنى الحياة. فما معنى :" حييتم " ؟ الكلام السطحي الأولى فيها : إذا حياك واحد وقال لك :" السلام عليكم " فعليك ان ترد السلام. وكان العرب قديما يقولون : حياك الله. وبعد أن جاء الإسلام جعل التحية في اللقاء هي السلام : تحيتهم يوم يلقونه سلام ( من الآية ٤٤ سورة الأحزاب ). أو كما قال الحق في موقع آخر : فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ( من الآية ٦١ سورة النور ). ولنفهم معنى كلمة " حياك ". مادة الكلمة هي " الحاء "، و " الياءان "، ومنها كلمة " حياة "، التي منها حياتنا. والحياة إذا نظرنا إليها قد تأخذ معنى سطحيا عند الناس وهو ما نشأ عنه الحس الحركي وهي أول ظاهرة فينا، وبعد ذلك في الحيوان، وإن ارتقيت في الفهم تجد أن كلمة " الحياة " تنتظم كل أجناس الوجود حتى الجماد، لكن الإنسان لا يتعرف إلى الحياة إلا في المظهر الحسي والحركي، ولكن لكل كائن حياة تناسبه.
وعندما كانوا يعلموننا في المدارس علم المغناطيسية كنا نرى تجربة المغناطيس ونأتي بقضيب مغناطيسي، ثم نأتي ببرادة الحديد، ونسير به اتجاه واحد وذلك حتى نرتب الجزئيات ترتيبا يتناسب مع اتجاه المغناطيسية في القضيب الحديدي. هذا القضيب الذي نراه مادة جامدة في نظرنا، ولكن توجد فيها ذرات دون إدراك الإنسان تتكيف بحركة خاصة بها، ويعاد ترتيب السالب منها والموجب ولا توجد قدرة عند المشاهد لها كي يدرك حركتها.
وحتى يقربها المدرسون إلى ذهن التلاميذ، جاءوا بأنبوبة زجاجية ووضعوا فيها برادة الحديد وجاءوا بالقضيب الممغنط ومرروه بجانب البرادة، فرأى التلاميذ البرادة وهي تتقافز إلى أن تستقر، وهنا يتعلم التلاميذ أن برادة الحديد غير الممغنطة عندما يمر عليها القضيب الممغنط في اتجاه واحد فذراتها تترتب على أساس واضح، حتى تصير ممغنطة.
وهذا دليل الحس ؛ فقد انقلبت السوالب في جهة والموجبات في جهة.. فالقضيب المغناطيسي له حركة ولكننا لا ندرك حسه ولا حركته لأننا لا نملك المقاييس اللازمة لذلك.
ومثال آخر : لنفترض أننا نتحرك وجاءت طائرة من أعلانا والتقط صورة لنا. وعندما يأخذون الصورة من قريب، فهم يرون الحركة، لكن كلما ابتعدت الطائرة فنحن لا نرى الحركة حتى تصير نقطة بعيدة وكأنها ثابتة. وهي ليست ثابتة، وإنما هي متحركة بصورة دقيقة جدا لدرجة أنها لا تدرك. فكل شيء إذن فيه حياة خاصة تناسبه، وكل شيء له الحس والحركة الخاصة به. وعندما نأتي للقرآن، نرى كيف عالج هذه القضية فيقول : كل شيء هالك إلا وجهه ( من الآية ٨٨ سورة القصص ).
استثنى القول وجه الله. أي ذاته، فكل شيء ما عداه هالك.
ومعنى " هالك " أي ليس فيه حياة، وما دام كل شيء يهلك فهذا دليل أن في كل شيء حياة، حتى يأتي الإذن من الحق أن تذهب الحياة من كل شيء إلا وجهه سبحانه، وقد يتساءل إنسان ومن الذي قال : إن كلمة " هالك " تعني ليس فيه حياة ؟. نقول : إن القرآن حين يتعرض لقضية لا يقسم العلوم إلى أبواب ولكنه يضع في كل آية جزئية تشرح لنا ما خفي علينا في جزئية أخرى كي نفهم أن القرآن متكامل، فيقول الحق : ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ( من الآية٤٢ سورة الأنفال ). فيكون الهلاك ضد الحياة.
ونحن إذا ما نظرنا إلى الصناعات التي نصنعها، وليكن البلاستيك مثلا، اننا نصنع منه أواني للغسيل أو لخلافه، وأول ما نشتريه للاستعمال نجده زاهي اللون، وبعد استعماله لفترة يزول عنه البريق ويصبح شاحب اللون، فما الذي حدث له ؟. لقد تغير. ما الذي أحدث التغيير ؟. يقال : الاستعمال وأشعة الشمس وغير ذلك. إذن ففيه حس لأنه تأثر وحركة لأنه تغير، وكذلك الأحجار الكريمة والمرمر والرخام وغيرها يقدرون عمرها بمئات السنين وأحيانا بآلاف السنين، وكلما طال عمرها تغير لونها من الحياة والتفاعلات.
وعندما نمسك ورقة ونضعها تحت المجهر فإننا نرى عددا هائلا من الغرف الصغيرة، ولا حصر لهذه الغرف، ويقول المؤمن : فتبارك الله أحسن الخالقين ( من الآية١٤ سورة المؤمنون ).
فكل شيء في الوجود له حياة تناسبه، إذ استقريتها وتتبعتها بدقة واستطعت ان توجد الآلات التي تستنبط والتي تساعد على الإدراك فإنك ترى الحركة وتشاهدها بالحس.
إلا أن الحياة بالنسبة لأرقى الأجناس وهو الإنسان المنتفع بكل كائن حي في الكون، هذه حياة تنتهي في ميعاد مجهول بالنسبة للإنسان معلوم بالنسبة لله. وأراد الله أن يكلفه تكليفا إن استمع إليه ونفذه فهو سبحانه يعطيه حياة لا تنتهي. وعندما نقيس الحياة التي لا تنتهي بالحياة التي تنتهي، فأي منهما جديرة بان تسمى حياة ؟. إنها الحياة الأخرى التي لا تنتهي، ولذلك يقول الحق : وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ( منة الآية ٦٤سورة العنكبوت ).
هذه هي الحياة الحقة، وإلا فما قيمة هذه الحياة الدنيا التي تهددك فيها الآفات والآلام والاضطرابات والأسقام والأمراض، وبعد ذلك تنتهي، فيوضح الحق : خذ حياة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فهذه هي الحياة حقا، ولذلك فالحق عندما تعرض لهذه المسألة أوضح : إياكم أن تعتقدوا أن هذه الحياة الدنيا هي التي أريدها لكم، أنا أريد لكم حياة أخلد من هذه، ولذلك قال : استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ( من الآية٢٤ سورة الأنفال ).
هو يخاطبهم إذن فهم أحياء بالقانون المتعارف عليه، وأنهم إن لم يستجيبوا إلى ما دعاهم إليه الحق والرسول لن يأخذوا لونا أرقى من الحياة، وهي حياة لا تهددها الآفات ولا الأثقال ولا الأمراض ولا الفناء، إنها الحياة الحقة، ولذلك يسميها الحق " الروح " لأنها تحرك الجسم وتعطيه حياة وإن كانت تنتهي فيقول : فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ( من الآية ٧٢ سورة ص ). هذه أولى مراحل الحياة الممنوحة للمؤمن والكافر. ويسمى سبحانه الحياة الأكبر منها والتي لا تنتهي يسميها الحق( روحا ) أيضا : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ( من الآية ٥٢ سورة الشورى ). وهذه هي التي سوف تعطي الحياة الأرقى. الأولى اسمها " روح " تعطي حياة فانية. والثانية هي " روح " أيضا، إنها ما أوحى الله به، لأن الناس إذا عملوا به يحيون حياة دائمة خالية من الشقاء والكدر. إذن فقوله : إذا دعاكم لما يحييكم هي دعوة إلى الحياة الخالدة، والحياة الأبدية السعيدة في الآخرة مرهونة بأن يلتزم الإنسان منهج الله في حياته، وإن كانت منتهية.
والحياة الدنيا يرى الإنسان فيها الأغيار والأسقام والمهيجات، فإذا جاء له من يطمئنه ومن ينفى عنه القلق والخوف فكأنه يحسن حياته. وكلمة " حياك الله " أو " السلام عليكم " تعني :" كن آمنا مطمئنا " وإلا فما قيمة الحياة بدون أمن واطمئنان ؟.
إذن فكلمة " حياك الله " أو " السلام عليكم " أي الأمان والاطمئنان لك. فأنت لا تعرف هل يجيء القادم إليك بخير أو بشر، لكن ساعة يقول : السلام عليكم، فقد يجعل بهذه التحية الأمان في قلب المتلقي به ويشعر بقيمة حياته.
إذن فقوله الحق : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها يعني : إذا رببتم حياتكم بالتحية التي هي السلام والتي تضمن الأمن والاطمئنان عليكم رد التحية. فكلمة " تحية " إعطاء لقيمة الحياة، وكذلك كلمة " حيوا " أي أعط من أمامك شيئا من الحياة المستقرة الآمنة المطمئنة. فالحياة بدون أمن وبدون اطمئنان، كلا حياة.
والشاعر العربي يقول :

ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
فقول الحق : وإذا حييتم أي أنه إذا رببتم حياتكم وبوركتم بالأمن وبالسلام فحيوا بأحسن منها أو ردوها أي عليكم أن تردوها إما بالتحية مثلها وإما بأفضل منها. والعلماء عندما جاءوا ليتكلموا عن هذا، قصروا المسألة على تحيات اللقاء. فمن قال لك : السلام عليكم، فقل له : وعليكم السلام ورحمة الله. أي أنك تزيد عليه.
عن سلمان الفارسي قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليكم يا رسول الله، فقال : وعليك السلام ورحمة الله، ثم جاء آخر فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له : وعليك : فقال له الرجل : يا رسول الله بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت علي، فقال : إنك لم تدع لنا شيئا قال الله تعالى : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها فرددناها عليك ١.
وعندما تكلم العلماء في مسألة السلام، صنفوا لها فقالوا : الماشي يسلم على القاعد. والراكب يسلم على الماشي، والصغير يسلم على الكبير. والمبصر يسلم على الكفيف. والقليل يسلم على الكثير. وكل خطاب موجه للمؤمنين ينتظم ويشمل ذكورهم وإناثهم إلا أن يكون الحكم مما يخص النساء.
وهنا يقول الحق : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها أللنساء تحية ؟. نعم، لهن تحية، المرأة تحيى المرأة، والمرأة تحيى زوجها، والمرأة تحيى محارمها، والمرأة العجوز التي لا إربة فيها تبدأ التحية وتردها، أما المرأة الشابة فهي لا تبدأ أحدا بالسلام ولا ترد السلام. لا تبدأ بالسلام إلا إذا كان معها مثلها ؛ لأنهم يقولون : المرأة على المرأة عين أكثر من ألف رجل، أي أن المرأة تحرس المرأة أكثر من ألف رجل، فعندما تكون معها مثيلتها تحفظها، ولذلك يقال : إن المرأة إن بدأت بالسلام أو ردت السلام فذلك حرام، وإذا بدأها واحد بالسلام أو رد عليها السلام فذلك مكروه. لماذا ؟ لأن بدئها له إثارة، ولكنه إذا بدأ هو بالسلام فليس ضروريا أن تستجيب. فإن كان معها أحد أو جماعة تؤمن عليها فلا حرج من أن ترد السلام.
وقالوا : وإذا كان الذي يلقي السلام ويبدأه به غير مؤمن ؟ النبي عليه الصلاة والسلام أوضح أنهم يلوون في الكلام، فإذا قالوا لكم :" السلام " فقولوا : وعليكم. وذلك يعني إن قالوها كلمة طيبة لها معنى طيب فأهلا بها وعليهم مثلها، وإن كانت كلمة خبيثة كقولهم :" السام عليكم " فقولوا :" وعليكم " ؛ لأن السام هو معناها الموت، فلكيلا يستهزئوا بكم، قولوا : وعليكم. وبعض العلماء قال : المقصود ب " فحيوا بأحسن منها " أي بالنسبة للمؤمن، و " ردوها " بالنسبة للكافر.
لكن أتلك هي التحية فقط ؟. إذا كان الذي حياك بقول وأمنك بقول، فكيف لا تحذر من يؤمن بالقول نفاقا، يظهر لك الأمن ثم يقول : السلام عليكم، ومعه الضر ؟. كما أن الحق علمنا أن نرد التحية بمثلها لأن نقل القضايا من قولية إلى فعلية هي المحك والأساس، فإذا حياك إنسان بخير عنده فعلى المسلم أن يقدم التحية بخير منها، وإن لم يستطع فليرد على الأقل بمثلها، وعندما يرد الإنسان بمثلها يصبح التكارم بين الناس إن لم يزد فهو لم ينقص، ويكون الخير متناميا، فإذا قدم إنسان خيرا لإنسان آخر، ورد عليه بعمل أفضل منه، ففي ذلك نماء للخير، وإن لم يستطع فليرد بمثل العمل وبذلك لا ينقص من خيره، فيكون خير كل إنسان محجوزا على نفسه ؛ لأنه مادام سيعطي التحية وي
١ رواه ابن جرير..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير