فإذا جاءتهم الحسنةُ ، من الخصب والسعة والرخاء، قالوا لنا هذه أي : قالوا : هذه لنا ولسعودنا، ونحن مستحقون له. وإن تُصبهم سيئة : جدب وبلاء يطيَّروا بموسى ومن معه أي : يتشاءموا بهم، ويقولون : ما أصابتنا إلا بشؤمهم، وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة ؛ فإن الشدائد تُرقق القلوب، وتُذلل العرائك أي : الطبائع، وتُزيل التماسك، سيما بعد مشاهدة الآيات، وهي لم تؤثر فيهم، بل زادوا عندها عتوًا وانهماكًا في الغي.
قال تعالى : ألا إنما طائرُهم عند الله أي : سبب طائرهم وشرهم عنده، وهو حكمه ومشيئه، أو سبب شؤمهم عند الله، وهو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنها التي ساقت إليهم ما يسؤوهم. قال ابن جزي : أي : حظهم ونصيبهم الذي قدر لهم من الخير والشر عند الله، وهو مأخوذ من زجر الطير، ثم سمى به مَا يُصيب الإنسان، ومقصود الآية : الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم. ه، ولكنّ أكثرهم لا يعلمون أن ما يصيبهم من الله تعالى بلا واسطة، أو من شؤم أعمالهم.
الإشارة : هذه الخصلة جارية أيضًا في هذه الأمة، أعني التطاير، ترى العوام إذا نزل بهم بلاء أو شدة قالوا : بظهور هؤلاء وقع بنا ما وقع، ولقد سمعتُ ممن حكى لي هذه المقالة عن العامة وقت ابتداء ظهور الفقراء، وذلك أنهم آذوهم أذى شديدًا، فأرسل الله عليهم كثرة الأمطار كادت أن تكون طوفانًا، فقالوا : ما أصابنا هذا إلا من شؤم هذه المرقعات التي ظهرت، ولم يدروا أن ذلك منهم لإذايتهم أهل الله. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي