فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه المراد بالحسنة هنا بإجماع المفسرين : هو ذاك الخصب، وكثرة المطر، وكثرة الأرزاق والعافية. أي : فإذا جاءهم الله بالحسنة فأدر عليهم السماء، وأنبت لهم الزروع والثمار، وأكثر غلات مواشيهم من ألبان، وأسمان، وأزباد، ولحوم، وشعور، وأوبار، وأصواف، إلى غير ذلك مما ينتفعون به من متاع الدنيا، إذا جاءتهم هذه الحسنة قالوا لنا هذه المعنى : هذه لنا ونحن نستحقها، وما أعطيت لنا إلا أننا قوم عظام يستحقون هذه الكرامة، فهذا مما نستحقه. افتراء وكذبا على الله.
وإن تصيبهم سيئة [ الأعراف : آية ١٣١ ] المراد بالسيئة هنا في أقوال المفسرين : هو ضد الحسنة، والمراد : إذا جاءهم قحط، وكان في الأرض جدب، وقلت أرزاقهم، وجاءتهم الأمراض، والمعنى : أن الله إذا قلل عليهم الأرزاق، وأمسك عنهم المطر، وجاءتهم الأمراض، إن جاءتهم هذه البلايا يطيروا أصله : يتطيروا بموسى ومن معه [ الأعراف : آية ١٣١ ] والتطير في لغة العرب : التشاؤم. أي : يتشاءموا بموسى ومن معه، ويقولون : هذا الجدب، وهذه قلة الأرزاق، وهذه الأمراض ما جاءنا إلا بسبب شؤمكم، وسبب ما جئتم به من دين موسى، كل هذه البلايا بسبب شؤمكم. وهذه عادة الكفار إذا تمردوا على الله، وعصوا الله، وكذبوا رسله، وعذبهم الله على ذلك، زعموا أن ذلك جاءهم من قبل الأنبياء. ونظائره في القرآن كثيرة، كما قال الكفار لنبينا صلى الله عليه وسلم مثل ذلك لما ذكره الله عنهم في سورة النساء في قوله : وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله [ النساء : آية ٧٨ ] وكما قال عن الرسل المذكورين في يس إن قومهم قالوا : قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ١٨ قالوا طائركم معكم [ يس : الآيتان ١٨، ١٩ ] وكما ذكر عن قوم صالح أنهم قالوا له : قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون ٤٧ [ النمل : آية ٤٧ ] والتطير معناه : التشاؤم، والتشاؤم هو أن يقول : جاءني هذا بشؤمك. وأصل التطير مشتق من الطير، لأن عادة العرب أن أكثر ما كانوا يتشاءمون به الطير، وهو الطير المعروفة، وكانوا يأتون الطير ويطيرونها من مواقعها، فإذا طارت على اليمين قالوا : هذا سانح. وتيمنوا به، وإذا طارت إلى الشمال قالوا : هذا بارح، وتشاءموا له، كما قال علقمة بن عبدة التميمي :
| ومن تعرض للأطيار يزجرها | على سلامته لا بد مشؤوم |
| خبير بنو لهب فلا تك ملغيا | مقالة لهبي إذا الطير مرت |
وعلى كل حال فالتطير والتشاؤم من صفات الكفار، وعلى المسلمين اجتنابه، وأن يتوكلوا على الله، ولا ينبغي لهم أن يمنعهم التطير من سفر، ولا أن يجزعوا من التطير. واعلموا أن الأمور بيد الله، وأن الشؤم الحقيقي الذي يستجلب كل الضرر هو مخالفة رب العالمين ( جل وعلا )، أما كل فعل لم يخالف به الله فهذا لا ضرر فيه ولا طيرة ؛ لأن الله ما أباحه إلا لأنه لا ضرر فيه. وعلى المسلم أن يتحرز من هذا كله، ولا يتشاءم بشيء، وأن يبني الأمور على التوكل على الله، ومراعاة أوامره ونواهيه، كما هو معلوم لا يخفى. وهذا معنى قوله : يطيروا بموسى ومن معه .
ألا إنما طائرهم عند الله أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة : أن الله لما ذكر أنهم يكفرون به، ويتمردون ويعارضون رسله، وأنهم مع ذلك يزعمون أن الذي يصيبهم [ إنما هو بسبب شؤم نبيهم موسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين، فأكذبهم ] ( في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام ) الله ألا إنما طائرهم عند الله أي : الطائر المشؤوم التي جاءتهم البلايا منه عند ربهم وذلك إنما جاءهم بسبب كفرهم بالله ومعصيتهم لله ؛ لأن الكفر بالله ومعصية الله هو الطائر المشؤوم الذي يأتي صباحه بسببه كل سوء ومكروه في الدنيا والآخرة. وقال بعض العلماء : طائرهم وحظهم عند الله هو الذي ياتيهم بالخير ويأتيهم بالشر، وليس ما جاءهم من قبلنا ولاكن أكثرهم لا يعلمون لا يعلمون أن ذلك هو الحق فيكذبون على الله ويتقولون على موسى ومن معه أن ما أصابهم بسبب شؤمهم. وهذا معنى قوله : ولاكن أكثرهم لا يعلمون [ الأعراف : آية ١٣١ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير