وقرأ ابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأنس وعلي بن أبي طالب «وآلاهتك» بفتح اللام ومدة أي وعبادتك. وقرأ العامة بنصب «يذرك» عطف على «يفسدوا» أو جواب الاستفهام بالواو.
وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة بالرفع عطفا على «أنذر» أو استئنافا أو حالا. وقرئ بالسكون قالَ فرعون لما لم يقدر على موسى أن يفعل معه مكروها لخوفه منه سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ أي أبناء بني إسرائيل ومن آمن موسى صغارا كما قتلناهم أول مرة، وقرأ نافع وابن كثير «سنقتل» بفتح النون وسكون القاف. والباقون بضم النون وفتح القاف وتشديد التاء وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي ونتركهن أحياء للخدمة وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) كما كنا وهم مقهورون تحت أيدينا وإنما نترك موسى وقومه من غير حبس لعدم التفاتنا إليهم لا لعجز ولا لخوف، واختلف المفسرون، فمنهم من قال: كان فرعون يفعل ذلك، ومنهم من قال: لم يفعل ذلك لعدم قدرته لقوله تعالى:
أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ [القصص: ٣٥] قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ بني إسرائيل حين تضجروا من قول فرعون على سبيل التسلية لهم اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ على فرعون وقومه وَاصْبِرُوا على ما سمعتم من أقاويله الباطلة إِنَّ الْأَرْضَ أي أرض مصر لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ.
وقرأ الحسن «يورثها» بفتح الواو وتشديد الراء المكسورة للتكثير. وقرئ «يورثها» بفتح الراء مبنيا للمفعول وَالْعاقِبَةُ أي الجنة أو فتح البلاد والنصر على الأعداء لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) أي الذين أنتم منهم فمن اتقى الله تعالى فالله يعينه في الدنيا والآخرة. وقرأ ابن مسعود بنصب العاقبة عطفا على الأرض، فالاسم معطوف على الاسم والخبر على الخبر فهو من عطف المفردات.
قالُوا أي بنو إسرائيل لموسى لما سمعوا تهديد فرعون بالقتل للأبناء مرة ثانية: أُوذِينا من جهة فرعون مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بالرسالة وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا رسولا. قالوا ذلك استكشافا لكيفية وعد موسى إياهم بزوال تلك المضار هل هو في الحال أو لا؟ لا كراهة لمجيء موسى بالرسالة. قالَ أي موسى مسليا لهم حين رأى شدة جزعهم مما شاهدوه من فعل فرعون:
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ الذي توعدكم بإعادة فعله وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي يجعلكم خلفاء في الأرض مصر بعد هلاك أهلها فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) أي فيرى سبحانه وتعالى كيف تعملون في طاعته وهذا حث لهم على التمسك بطاعة الله تعالى، فالله تعالى يرى وقوع ذلك منكم لأن الله تعالى لا يجازي عباده على ما يعلمه منهم في الأزل وإنما يجازيهم على ما يقع منهم وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ أي باحتباس المطر وبالجوع وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ أي ذهاب الثمرات بإصابة العاهات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) أي كي يقفوا على أن ذلك لأجل معاصيهم وينزجوا عمّا هم عليه من العتو والعناد
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ أي الخصب والسعة في الرزق والسلامة قالُوا لَنا هذِهِ أي نحن مستحقون من كثرة نعمنا على العادة التي جرت وَإِنْ
تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
أي جدوبة وشدة وبلاء يَطَّيَّرُوا أي يتشاءموا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنين، أي يقولوا: إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ أي حظهم عِنْدَ اللَّهِ أي كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله تعالى وبتقديره.
وقيل: المعنى إنما جاءهم الشر بقضاء الله تعالى وحكمه. وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتفاءل ولا يتطير. وأصل الفأل: الكلمة الحسنة. كانت العرب مذهبها في الفأل
والطيرة واحد فأثبت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الفأل وأبطل الطيرة وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) أن ما يصيبهم من الله تعالى وَقالُوا أي آل فرعون وهم القبط لموسى عليه السلام مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) أي أيّ شيء تظهره لدينا من علامة من عند ربك لتصرفنا عمّا نحن عليه من الدين بذلك الشيء فما نحن لك بمصدقين بالرسالة وكان موسى رجلا حديدا فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب الله له فقال تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ أي الماء من السماء فدخل بيوت القبط وقاموا في الماء إلى تراقيهم ودام ذلك عليهم سبعة أيام من سبت إلى سبت، ولم يدخل ذلك الماء بيوت بني إسرائيل مع أنها كانت في خلال بيوت القبط فاستغاثوا بفرعون، فأرسل إلى موسى فقال: اكشف عنا العذاب فقد صارت مصر بحرا واحدا، فإن كشفت هذا العذاب آمنا بك. فأزال الله عنهم المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط. فقالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل فنكثوا العهد وَأقاموا شهر في عافية فأرسل الله تعالى عليهم الْجَرادَ فأكل زروعهم وثمارهم وأبوابهم وسقوفهم وثيابهم ففزعوا إلى موسى، فدعا موسى عليه السلام فأرسل الله تعالى ريحا، فألقته في البحر بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من سبت إلى سبت، فنظر أهل مصر إلى ما بقي من زرعهم فقالوا: هذا الذي بقي يكفينا ولا نؤمن بك وَأقاموا شهرا في عافية فأرسل الله عليهم الْقُمَّلَ أي الجراد الصغير بلا أجنحة من سبت، فلم يبق في أرضهم عود أخضر إلا أكله، فصاحوا ودعا موسى فأرسل الله عليه ريحا حارة فأحرقته وألقته في البحر.
وقرأ الحسن «والقمل» بفتح القاف وسكون الميم- وهو المعروف- وعن سعد بن جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه موسى بعصاه فصار قملا، فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، فصرخوا وفزعوا إلى موسى، فدعا، فرفع الله عنهم القمل وقالوا:
قد تيقّنا اليوم أنك ساحر حيث جعلت الرمل دواب، وعزة فرعون لا نؤمن بك أبدا وَأقاموا شهرا في عافية، فأرسل الله تعالى عليهم الضَّفادِعَ فخرج من البحر مثل الليل الدامس، ووقع في الثياب والأطعمة فكان الرجل منهم يستيقظ وعلى رأسه ذراع من الضفادع، فصرخوا إلى موسى وحلفوا لئن رفعت عنا هذا العذاب لنؤمن بك، فدعا الله تعالى، فأمات الضفادع، وأرسل
عليها المطر فاحتملها إلى البحر بعد ما أقامت عليهم سبعة أيام من سبت إلى سبت، ثم أظهروا الكفر وَأقاموا شهرا في عافية، فأرسل الله عليهم الدَّمَ فصارت مياه قلبهم وأنهارهم دما، فلم يقدروا على الماء العذب حتى بلغ منهم الجهد، وبنو إسرائيل يجدون الماء العذب الطيب، وكان فرعون وأشراف قومه يركبون إلى أنهار بني إسرائيل، فجعل يدخل الرجل منهم النهر فإذا اغترف الماء صار في يده دما، ومكثوا سبعة أيام في ذلك لا يشربون إلا الدم. فقال فرعون لموسى عليه السلام: لئن رفعت عنا العذاب لنصدقن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل مع أموالهم آياتٍ مُفَصَّلاتٍ أي مبينات لا يخفى على كل عاقل أن هذه الخمسة من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، ومفرقات بعضها من بعض بزمان لامتحان أحوالهم: أيقبلون الحجة أو يستمرون على التقليد. وكان كل عذاب يبقى عليهم أسبوعا من سبت إلى سبت وبين كل عذابين شهر فَاسْتَكْبَرُوا عن الإيمان بها وعن عبادة الله وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣) مصرين على الذنب وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ أي كلما نزل عليهم العذاب من الأنواع الخمسة قالُوا في كل مرة:
يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي بما أعلمك به وهو كشف العذاب عنا إن آمنا. أو المعنى أقسمنا بعهد الله عندك وهو النبوة لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ أي لئن رفعت عنا العذاب الذي نزل علينا لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) أي مع أموالهم فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ أي حدّ معين هُمْ بالِغُوهُ لا بدّ وهو وقت إهلاكهم بالغرق في اليم إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) أي فلما رفعنا عنهم العذاب فاجأوا نكث العهد من غير تأمل وتوقف، ثم عند حلول ذلك الأجل لا نزيل عنهم العذاب بل نهلكهم به فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي فلما بلغوا الأجل الموقت أهلكناهم فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ أي البحر الملح. والفاء تفسيرية بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا التسع الدالة على صدق رسولنا وَكانُوا عَنْها أي تلك الآيات غافِلِينَ (١٣٦) أي معرضين غير ملتفتين إليها وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ بقتل أبنائهم وأخذ الجزية منهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة وهم بنو إسرائيل مَشارِقَ الْأَرْضِ أي أرض الشام ومصر وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها بالخصب وسعة الأرزاق، وبالنيل وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي ومضى وعده تعالى عليهم بِما صَبَرُوا أي بسبب صبرهم على الشدائد. فمن قابل البلاء بالصبر وانتظار النصر ضمن الله له الفرج، ومن قابله بالجزع وكله الله إليه. وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ف «فرعون» اسم «كان» و «يصنع» خبر ل «كان» مقدم. أي وخربنا الذي كان فرعون يصنعه من المدائن والقصور وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) أي يرفعون من الشجر والكروم أو ما كانوا يرفعونه من البنيان كصرح هامان.
وقرأ ابن عامر وشعبة بضم الراء. والباقون بكسرها وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ مع السلامة بأن فلق الله البحر عند ضرب موسى البحر بالعصا. روي أن موسى عبر بهم يوم عاشوراء
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي