ويقول الحق بعد ذلك : فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( ١٣١ ) .
والحسنة إذا أطلقت فهي الأمر الذي يأتي من ورائه الخير. ولكن الحسنة مرة تكون لك، ومرة تُطْلب منك، فالحسنة التي لك في ذاتك أولا أن تكون في عافية وسلام، ثم الحسنة في مقومات الذات ومقومات الحياة، وهي في النبات، والحيوان، والخصب والثروة. والحسنة المطلوبة منك هي أيضا لك. فسبحانه يطلب منك عمل شيء يورِّثك في الآخرة حسنة، ولذلك يقول سبحانه : من جاء بالحسنة فله، عشر أمثالها ( من الآية ١٦٠ سورة الأنعام ) : وهذه هي الحسنة التي تعطي الإنسان خيرا فيما بعد. إذن فالحسنة التي في ذاتك من عافية وسلامة أو في مقومات الذات من ثمرات وحيوانات وخصب وأعشاب وثراء فكلها موقوتة بزمن موقوت هو الدنيا. والحسنة الثانية غير محدودة لأن زمنها غير محدد. فأي الحسنات أرجح وأفضل بالنسبة للإنسان ؟. إنها حسنة الآخرة.
وقوله الحق : فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ أي جاء لهم قدر من الخصب والثمار وغير ذلك من الرزق يقولون : " لنا هذه " أي أننا نستحقها ؛ فواحد يقول : أنا استحقها لأنني رتبت لها وأتقنت الزراعة والحصاد مثلما قال قارون : إنما أوتيته على علم عندي ( من الآية ٧٨ سورة القصص :)وأجري عليه الحق التجربة، فمادام يدعي أنه جاء بالمال على علم من عنده فليجعل العلم الذي عنده يحافظ له على المال أو يحافظ له على ذاته. وهم قالوا عن الحسنات التي يهبها الله لهم : " قالوا لنا هذه " أي نستحقها، لأننا قدمنا مقدمات تعطينا هذه النتائج. وجرت العادة قديما بأن يفيض النيل كل سنة يغمر الأرض، ثم يبذرون الحب وينتظرون الثمار. فإن جاءت لهم سيئة مثل أخذهم الله لهم بالسنين ينسبون ذلك إلى موسى.
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( من الآية( ١٣١ ) سورة الأعراف ) : فإذا ما جاءتهم سيئة يطّيّرون أي يتشاءمون لأن الطيرة هي التشاؤم، وضده التفاؤل، ويقال : " فلان طائره نحس "، و " فلان طائره يمن وسعد ". وقديما حينما كانوا يريدون طلب مسألة ما، يأتون بطير ويضعه صاحب المسألة على يده ويزجره ويثيره، فإن طار يمينا فهذا فأل حسن، وإن طار يسارا فهذا فأل سيئ، والحق هنا يوضح : لا تظلموا موسى، لأن شؤمكم أو حظكم السيئ ليس من موسى. لأن موسى لا يملك في كون الله شيئا، وإنما المالك للكون هو رب موسى. وكأن الحق يريدهم أيضا ألا يفتنوا في موسى إن صنع شيئا يأتي لهم بخير، وهنا يقول لهم لا تتطيروا بموسى، لأن طائركم من عند الله.
ولأن أحداث الحياة صنفان : حدث لك فيه مدخل، مثل التلميذ الذي لم يذاكر ويرسب، أو إنسان لا يحسن قيادة سيارته فقادها فعطبت به أو أصاب أحدا إصابة خطيرة. وهنا لا غريم لهذا الإنسان، بل هو غريم نفسه. وهناك شيء يقع عليك، واسمه حدث قهري، فالإنسان في الأحداث بين أمرين اثنين : إما مصيبة دخلت عليه من ذات نفسه لتقصيره في شيء. وإما أحداث قدرية تنزل بالإنسان ونقول إنها من عند الله لحكمة لا يعرفها الإنسان ؛ لأن الإنسان ينظر إلى سطحيات الأشياء، وإلى عاجل الأمر فيها، ولكنه لا ينظر إلى عاقبة الأمر. ولهذا تحدث له بعض من الأحداث ليس له فيها مدخل.
مثال ذلك : أن يكون للإنسان ابن نجيب وذكي وترتيبه دائما من العشرة الأوائل، ثم جاء في ليلة الامتحان أو في أول يوم الامتحان وأصابه صداع جعله لا يعرف كيف يجيب عن أسئلة الامتحان ورسب، وهذه مصيبة ليس له مدخل فيها. وعادة ما يحزن الناس من مثل هذه المصائب لكن المؤمن يقول : إن الولد لم يقصر، وهذا أمر جاء من الله، وسبحانه منزه عن العبث، بل حكيم ولابد أن له حكمة في مثل هذه الأمور. وبعد مدة تتبين الحكمة، فلو كان الولد قد نجح لأصابته عين الحسود. وحدث له ما يكره، فكأن الله يصنع له تميمة يحميه بها من الحسد. وقديما حين كانوا يصنعون للطفل الجميل " فاسوخة "، ولا يهتمون بنظافته ولا بملابسه، لماذا ؟ يقال حتى لا تتجه إليه عين الحاسد.
وأقول : وما الذي يدريك أن الله سبحانه وتعالى صنع الحادث الطارئ ليرد عنه العين، ويُسكت الناس عنه ؟ وما الذي يدريك أن الله أراد له أن يرسب هذا العام لأنه لم يكن يستطيع الحصول على المجموع الذي يدخله الكلية التي يريدها، ثم يستذكر في العام التالي وتكون المذاكرة سهلة بالنسبة له، ونقول له : احمد ربك على أنك لم تنجح في العام السابق وأن الله أراد بك خيرا.. لتبذل جهدا وتنجح وتنال المجموع الذي أردته لنفسك.
إذن فالمقادير التي تجري على الناس بدون دخل لهم فيها، فلله فيها حكمة، وهنا يقال : طائركم عند الله ، أما إن كان للإنسان دخل فيما يجري له فيقال : طائرك من عندك أنت وشؤمك من نفسك وعصيانك.
فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( ١٣١ ) : ألم يتطير اليهود في المدينة برسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قالوا : قلت الأمطار وارتفعت الأسعار من شؤم مجيء هذا الرجل، ولم يتفهموا حكم الله. لقد كانوا سادة في الجزيرة ؛ لأنهم أهل علم بالكتاب وسيطروا على حركة السوق التجارية، وتعاملوا في الربا وتجارة السلاح وكان عندهم الحصون، والأسلحة، وأراد الله أن يشغلهم بأخذ شيء من أسبابهم ويهد كيانهم ليلفتهم إلى أنهم خرجوا عن المنهج وإلى أن هناك رسولا قد جاء بعودة إلى المنهج.
وقوله الحق : ولكن أكثرهم لا يعلمون يفيد أن هناك قلة تعلم. فما موقف هذه القلة، ولماذا لم يرفضوا موقف الكثرة ؟. كان موقفهم هو الصمت خوفا من الطغيان ؛ لأن الطاغية أجبرهم وقهرهم وجعلهم يسكتون ولا يعترضون على باطل، ونرى في حياتنا كثيرا من الناس يعلمون الزور ويعلمون الطغيان ولكنهم لا يتكلمون.
تفسير الشعراوي
الشعراوي