قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ ؛ وقال ابنُ عباس :(مَعْنَاهُ : وَلَقَدْ خَلَقْنَا لِجَهَنَّمَ أهْلاً)، لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ؛ الْخَيْرَ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ؛ الْهْدَى، وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ ؛ الْحَقَّ، أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ ؛ في المأْكَلِ والْمَشْرَب، والذِّهنِ لا في الصُّوَرِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ ؛ لأنَّ الأنعامَ مطيعةٌ لله تعالى، والكافرَ غيرُ مطيعٍ. وقولهُ تعالى : أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ؛ أي عن ما ينفعَهُم وعن ما يحِلُّ لهم في الآخرةِ.
وَقِيْلَ : إنَّ اللامَ في قوله : لِجَهَنَّمَ لامُ العاقبةِ، يعني أنَّ عاقبَتهم إلى المصيرِ إلى جهَّنم، وهذا كما قال تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً [القصص : ٨] أي كان عاقبَتُهم أن صارَ لهم عدوّاً وإلاّ فهُم التقطوهُ ليكون لهم قُرَّةَ عَيْنٍ، كما قال تعالى : وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ [القصص : ٩]، ويقال : لِدُّوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لْلِخْرَابِ قال الشاعرُ : أمْوَالُنَا لِذوي الْمِيْرَاثِ نَجْمَعُهَا وَدُورُنَا لِخَرَاب الدَّهْر نَبْنِيهَاوقال آخرُ : ألاَ كُلُّ مَوْلُودٍ فَلِلْمَوْتِ يُولَدُ وَلَسْتُ أرَى حَيّاً لِحَيٍّ يُخَلَّدُوقال آخرُ : ولِلْمَوْتِ تَغْذُوا الْوَالِدَاتُ سِخَالَهَا كَمَا لِخَرَابِ الدَّهْر تُبْنَى الْمَسَاكِنُوعن رسولِ الله ﷺ في هذه الآيةِ قال :" إنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا ذرَأ لِجَهَنَّمَ مَا ذرَأ، كَانَ وَلَدُ الزِّنَا مِمَّنْ ذرَأ لِجَهَنَّمَ "
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني