ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ

القول في تأويل قوله: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا لجهنّم كثيرًا من الجن والإنس.
* * *
يقال منه: ذرأ الله خلقه يذرؤهم ذَرْءًا. (١)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:

(١) انظر تفسير ((ذرأ)) فيما سلف ١٢: ١٣٠، ١٣١، وهناك زيادة في مصادره.

صفحة رقم 276

١٥٤٤٣ - حدثني علي بن الحسين الأزدي قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس) قال: مما خلقنا. (١)
١٥٤٤٤ -.... حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن مبارك، عن الحسن، في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم) قال: خلقنا.
١٥٤٤٥ -.... قال: حدثنا زكريا، عن عتاب بن بشير، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير قال: أولاد الزنا ممّا ذرأ الله لجهنم.
١٥٤٤٦ - قال: حدثنا زكريا بن عدي، وعثمان الأحول، عن مروان بن معاوية، عن الحسن بن عمرو، عن معاوية بن إسحاق، عن جليس له بالطائف، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "إن الله لما ذرأ لجهنم ما ذرأ، كان ولدُ الزنا ممن ذرأ لجهنم". (٢)
١٥٤٤٧ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال:

(١) (١) الأثر: ١٥٤٤٣ - ((على بن الحسن الأزدي))، وفي المطبوعة والمخطوطة: ((على بن الحسين))، وتبعت ما مضى برقم ١٠٢٥٨، لموافقته لما في تاريخ الطبري. وقد ذكرت هناك أنى لم أجد له ترجمة، وبينت مواضع روايته عنه في التاريخ. ووقع هناك خطأ، فإن الذي في الإسناد ((على بن الحسن))، وكتبت أنا في الهامش والتعليق: ((على بن الحسين))، وكذلك فعلت في الفهارس، فليصحح ذلك. ووقع خطأ آخر في الفهارس، كتبت رقم: (١٠٢٨٥)، وصوابه (١٠٢٥٨).
(٢) الأثر: ١٥٤٤٦ - ((زكريا بن عدى بن زريق التيمى))، شيخ أبي كريب، وهو راوى الخبر، ثقة جليل، مضى برقم: ١٥٦٦.
((عثمان الأحول))، شيخ أبي كريب، هو ((عثمان بن سعيد القرشي))، الزيات الأحول الطيب الصائغ. مضى برقم: ١٣٧، ١١٥٤٧.
و ((مروان بن معاوية الفزارى))، الحافظ الثقة، مضى برقم: ١٢٢٢، ٣٣٢٢، ٣٨٤٢، ٧٦٨٥. و ((الحسن بن عمرو الفقيمى التميمى))، ثقة أخرج له البخاري في صحيحه، مضى برقم: ٣٧٦٥. و ((معاوية بن إسحق بن طلحة التيمى))، تابعى ثقة، مضى برقم: ٣٢٢٦. وهذا إسناد ضعيف، لجهالة من روى عنه ((معاوية بن إسحق))، وهو ((جليس له بالطائف)). وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٤٧، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ وابن مردويه.

صفحة رقم 277

حدثنا أسباط، عن السدي: (ولقد ذرأنا لجهنم)، يقول: خلقنا.
١٥٤٤٨ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم) قال: لقد خلقنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس.
١٥٤٤٩ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (ولقد ذرأنا لجهنم)، خلقنا.
* * *
قال أبو جعفر: وقال جل ثناؤه: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس)، لنفاذ علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربِّهم.
* * *
وأما قوله: (لهم قلوبٌ لا يفقهون بها)، فإن معناه: لهؤلاء الذين ذرأهم الله لجهنم من خلقه قلوب لا يتفكرون بها في آيات الله، ولا يتدبرون بها أدلته على وحدانيته، ولا يعتبرون بها حُجَجه لرسله، (١) فيعلموا توحيد ربِّهم، ويعرفوا حقيقة نبوّة أنبيائهم. فوصفهم ربُّنا جل ثناؤه بأنهم: "لا يفقهون بها"، لإعراضهم عن الحق وتركهم تدبُّر صحة [نبوّة] الرسل، (٢) وبُطُول الكفر. وكذلك قوله: (ولهم أعين لا يبصرون بها)، معناه: ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته، فيتأملوها ويتفكروا فيها، فيعلموا بها صحة ما تدعوهم إليه رسلهم، وفسادِ ما هم عليه مقيمون، من الشرك بالله، وتكذيب رسله; فوصفهم الله بتركهم إعمالها في الحقّ، بأنهم لا يبصرون بها. (٣)
وكذلك قوله: (ولهم آذان لا يسمعون بها)، آيات كتاب الله، فيعتبروها ويتفكروا فيها، ولكنهم يعرضون عنها، ويقولون: (لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا

(١) انظر تفسير ((الفقه)) فيما سلف ١١: ٥٧٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: ((صحة الرشد))، ولا معنى لها، واستظهرت الصواب من سياق تفسيره، وزدت] نبوة [بين القوسين، لتطلب الكلام لها.
(٣) في المطبوعة: ((بأنهم لا يبصرون))، وأثبت ما في المخطوطة.

صفحة رقم 278

فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)، [سورة فصلت: ٢٦]. وذلك نظير وصف الله إياهم في موضع آخر بقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ)، [سورة البقرة: ١٧١]. والعرب تقول ذلك للتارك استعمالَ بعض جوارحه فيما يصلح له، ومنه قول مسكين الدارمي:
أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي السِّتْرُ (١) وَأَصَمُّ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا... سَمْعِي وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْرِ
فوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم. ومنه قول الآخر: (٢) وَعَوْرَاءُ اللِّئَامِ صَمَمْتُ عَنْهَا... وَإِنِّي لَوْ أَشَاءُ بِهَا سَمِيعُ (٣) وَبَادِرَةٍ وَزَعْتُ النَّفْسَ عَنْهَا... وَقَدْ تَثِقَتْ مِنَ الْغَضَبِ الضُّلُوعُ (٤)

(١) أمالي المرتضى ١: ٤٣: ٤٤ ثم ٤٧٤، من قصيدة رواها وشرحها، وخزانة الأدب ١: ٤٦٨، وصواب رواية البيت الأول: ((جارتى الخدر))، لأن قبله:
ما ضر جارى إذ أجاوره أن لا يكون لبيته ستر
ورواية الشطر الثاني: ((سمعى، وما بى غيره وقر))، بغير إقواء.
(٢) هو عبد الله بن مرة العجلي.
(٣) حماسة البحترى: ١٧٢، وأنسيت أين قراتها في غير الحماسة. والذي في حماسة البحترى: ((وعوراء الكلام))، وكانت في المخطوطة: و ((عوراء اللام))، وكأن الصواب ما في الحماسة.
و ((العوراء))، الكلمة القبيحة، أو التي تهوى جهلا في غير عقل ولا رشد. ومن أجود ما قيل في ذلك، قول حاتم الطائي، أو الأعور الشني:وقلتُ له:
وعَوْرَاءُ جَاءَتْ مِنْ أخٍ فَرَدَدْتُها بسَالِمَةِ العَيْنين طَالِبة عُذْرَا
ولو أنَّنى إذ قَالها قلتُ مثلَها ولم أعْفُ عنها، أوْرَثتْ بيْنَنَا غَمْرَا
فأعْرَضْتُ عَنْهُ وانتظرتُ به غَدا لعلَّ غدًا يُبْدِي لمنتظرٍ أمْرَا
عد بالأخوة بينَنا! ولم أتَّخِذ ما كان من جَهْلِه قمرَا
لأنزع ضبًّا كامنًا في فؤادِه وأُقَلِّمُ أظفارًا أطَالَ بها الحفرَا
(٤) في المطبوعة: ((ولو بنيت من العصب))، وهو كلام فاسد، غير ما في المخطوطة، وكان فيها ((وقد نتقت من العصب))، غير منقوطة، فلم يفهمها، فأتى بما لا يعقل. وفي حماسة البحترى: ((إذا تيقت))، ووضع كسرة تحت التاء، وفتح القاف. ولا معنى له.
و ((البادرة))، الخطأ والسقطات التي تسبق من المرء إذا ما غضب واحتد، من فعل أو قول.
و (وزع النفس عن الشيء))، كفها وحبسها. و ((تئق الرجل))، امتلأ غضباً وغيظاً. و ((التأق))، شدة الامتلاء حتى لا موضع لمزيد.

صفحة رقم 279

وذلك كثير في كلام العرب وأشعارها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* * *
* ذكر من قال ذلك:
١٥٤٥٠ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (لهم قلوب لا يفقهون بها) قال: لا يفقهون بها شيئًا من أمر الآخرة = (ولهم أعين لا يبصرون بها)، الهدى= (ولهم آذان لا يسمعون بها) الحقَّ، ثم جعلهم كالأنعام سواءً، ثم جعلهم شرًّا من الأنعام، (١) فقال: (بل هم أضل)، ثم أخبر أنهم هم الغافلون.
* * *
القول في تأويل قوله: أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)
قال أ [وجعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (أولئك كالأنعام)، هؤلاء الذين ذرأهم لجهنم، هم كالأنعام، وهي البهائم التي لا تفقه ما يقال لها، (٢) ولا تفهم ما أبصرته لما يصلح وما لا يَصْلُح، (٣) ولا تعقل بقلوبها الخيرَ من الشر، فتميز

(١) في المخطوطة: ((ثم جعلهم كالأنعام، ثم جعلهم سواء شراً من الأنعام))، فحذف ناشر المطبوعة كلمة ((سواء))، ولكنى أثبتها في حاق مكانها.
(٢) انظر تفسير ((الأنعام)) فيما سلف ١٢: ١٣٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) في المطبوعة: ((مما يصلح، ومما لا يصلح))، أثبت ما في المخطوطة وهو جيد.

صفحة رقم 280

جامع البيان في تأويل آي القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري

تحقيق

أحمد شاكر

الناشر مؤسسة الرسالة
الطبعة الأولى، 1420 ه - 2000 م
عدد الأجزاء 24
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية