من يهد اللّه فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ١٧٨ ولقد ذرأنا لجهنّم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون ١٧٩
هاتان الآيتان مقررتان لمضمون المثل في الآيات قبلها، وهو أن أسباب الهدى والضلال إنما ينتهي كل نوع منها بالمرء المستعد إلى كل من الغايتين، والعرضة لسلوك كل من النجدتين، بتقدير الله والسير على سننه في استعمال مواهبه وهداياته الفطرية من العقل والحواس في أحد السبيلين، إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا [ الإنسان : ٣ ].
ثم فصل تعالى ما في هذه الآية ( ١٧٨ ) من الإجمال بقوله : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها .
الذرء : فسروه بالخلق، وذرأنا خلقنا كما قال ابن عباس وغيره وهو تفسير مراد ولكل مادة معنى خاص وقد تقدم معنى مادة خلق وسنعيده. وقال الراغب : الذرء إظهار الله تعالى ما أبداه يقال ذرأ الله الخلق أي أوجد أشخاصهم وذكر هذه الآية وغيرها وقال : وقرئ تذرؤه الرياح. وفي اللسان بعد تفسير الذرء بالخلق والاستشهاد بالآية : وقال عز وجل : خلق لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه [ الشورى : ١١ ] قال أبو إسحاق : المعنى يذرؤكم به أي يكثركم بجعله منكم ومن الأنعام أزواجا.. ثم قال :( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ ) ١ وكأن الذرء مختص بخلق الذرية. وفي حديث عمر رضي الله عنه كتب إلى خالد : وأني لأظنكم آل المغيرة ذرء النار- يعني خلقها الذين خلقوا لها، ويروى ذرو النار، يعني الذين يفرقون فيها، من ذرت الريح التراب إذا فرقته اه المراد منه. وفي الأساس : ذرأنا الأرض وذروناها، وذرأ الله الخالق وبرأ الخ.
فإذا تأملت مع هذه الأقوال استعمال القرآن لهذا الحرف في النبات والحيوان والإنسان خاصة علمت من الذرء في أصل اللغة بمعنى بث الأشياء وبذرها وتفريقها وتكثيرها وأن إسنادها إلى الله تعالى بمعنى خلق ذلك أي إيجاده، كما أن أصل معنى الخلق التقدير ويسند إلى الله تعالى بمعنى إيجاد الأشياء بتقدير ونظام لا جزافا، ولهذا عطف الذرء والبرء على الخلق في حديث الدعاء المتقدم.
والجن : الأحياء العاقلة المكلفة الخفية غير المدركة بحواس البشر، ولعل تقديمهم هنا في الذكر على الإنس أنهم أكثر أهل جهنم لأنهم أجدر وأعرق في الصفات الآتية التي هي سبب استحقاقها، وكون خلق أصل نوعهم وأوله من مارج من نار لا يقتضي عدم تألمهم من النار كما قد يتوهم، فإن بين حقيقة نوع البشر وحقيقة الطين الذي خلق أبوهم منه بونا عظيما يقاس عليه الجن.
والقلوب : جمع قلب وهو يطلق في اللغة العربية على المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من جسد الإنسان إذا كان موضوع الكلام جسد الإنسان ويطلق عند الكلام في نفس الإنسان وإدراكه وعلمه وشعوره وتأتي ذلك في أعماله على الصفة النفسية واللطيفة الروحية التي هي محل الحكم في أنواع المدركات، والشعور الوجداني للمؤلمات والملائمات، أعني أنه يطلق بمعنى العقل وبمعنى الوجدان الروحي، الذي يعبر عنه في عرف هذا العصر بالضمير وهو تعبير صحيح. واشتقاق العقل من عقل البعير لمنعه من السير، وفي معنى القلب اللب الذي هو جوهر الشيء ويكثر في التنزيل. ومنه النهية وجمعها نهى ومنه قوله تعالى في سورة طه : إن في ذلك لآيات لأولي النهى [ طه : ٥٤ ].
ومن استعماله في معنى العقل قوله تعالى في سورة الحج : أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [ الحج : ٤٦ ] وهي بمعنى الآية التي نفسرها وحذف منها- أو أعين يبصرون بها- استغناء عنه بدلالة ما بعده عليه، والآيات المبصرة بالأعين في السياحة في الأرض أكثر من المسموعة، ومن استعماله في معنى الوجدان النفسي قوله تعالى في سورة الزمر : وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة [ الزمر : ٤٥ ] وقوله في سورة آل عمران والأنفال : سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب [ الأنفال : ١٢ ] وقوله في النازعات : قلوب يومئذ واجفة [ النازعات : ٨ ] فالاشمئزاز والرعب والوجيف شعور وجداني، لا حكم عقلي، وقد يستعمل في المعنيين معا والأقرب أن منه فقه القلوب هنا فإن الفقه لا يحصل إلا بنوع من الإدراك يصحبه وجدان يبعث على العمل كما يعلم مما نذكره في تحقيق معناه وقد يتعارض مقتضى العقل والوجدان كوجدان اللذة والألم والحب والبغض التي تحمل على أعمال مخالفة لحكم العقل في المنافع والمضار.
وسبب استعمال القلب بمعنى الوجدان الحسي والمعنوي وهو الضمير ما يشعر به المرء من انقباض أو انشراح عند الخوف والاشمئزاز أو السرور والابتهاج، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لوابصة حين جاء يسأله عن البر والإثم وقد علم صلى الله عليه وسلم ذلك قبل السؤال ( استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك ) ٢ رواه الإمام أحمد والدارمي بإسناد حسن ومسلم مختصرا. ثم توسعوا في استعماله فاستعملوه بمعنى الإدراك العقلي المؤثر في النفس لا مطلق التصور والتصديق. فهو لا ينافي كون مركزهما الدماغ، على أن الاستعمالات اللغوية، لا يجب أن توافق الحقائق العلمية.
والفقه : قد فسروه بالعلم بالشيء والفهم له- وكذا بالفطنة كما في جل المعاجم أو كلها، وقالوا فقه ( كعلم وفهم وزنا ومعنى ) وقالوا فقه ( ككرم وضخم ) فقاهة أي صار الفقه وصفا وسجية له، وقال الراغب الفقه هو التوصل بعلم شاهد إلى علم غائب. قال السيوطي بعد نقله فهو أخص من العلم.
وقال ابن الأثير في النهاية إن اشتقاقه من الشق والفتح. أي هذا معناه الأصلي فهو كالفقء بالهمزة وهي تتعاقب مع الهاء لاتحاد مخرجهما، وذكر الحكيم الترمذي هذا واستدل به على أن الفقه بالشيء هو معرفة باطنه والوصول إلى أعماقه، فمن لا يعرف من الأمور إلا ظواهرها لا يسمى فقيها. وذكر أصحاب المعاجم أن اسم الفقه غلب على علم فروع الشريعة، أي من العبادات والمعاملات وهو اصطلاح حادث لا يفسر به ما ورد في الكتاب والسنة من هذه المادة والتحقيق أنهم لم يكونوا يسمون كل من يعرف هذه الفروع فقيها كما ترى من عبارة الغزالي الآتية ولغيره ما هو أوضح منها، فقد اشترطوا فيه معرفتها بدلائلها.
وذكر الغزالي في ( بيان ما بدل من ألفاظ العلوم ) أي لفظ الفقه تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى والوقوف على دقائق عللها... قال : ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب ويدلك عليه قوله تعالى : ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم [ التوبة : ١٢٢ ] وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة، فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف، بل التجرد له على الدوام يقسي القلب وينزع الخشية منه، كما نشاهد الآن من المتجردين له. وقال تعالى : لهم قلوب لا يفقهون بها [ الأعراف : ١٧٩ ] وأراد به معاني الإيمان دون الفتوى اه وروي عن أبي حنيفة تفسيره بمعرفة النفس ما لها وما عليها.
وأقول ذكرت هذه المادة في عشرين موضعا من القرآن تسعة عشر منها تدل على أن المراد به نوع خاص من دقة الفهم، والتعمق في العلم، الذي يترتب عليه الانتفاع به، وأظهره نفي الفقه عن الكفار والمنافقين، لأنهم لم يدركوا كنه المراد مما نفى فقهه عنهم، ففاتتهم المنفعة من الفهم الدقيق والعلم المتمكن من النفس ومنه قول قوم نوح لنبيهم ما نفقه كثيرا مما تقول [ هود : ٩١ ] وإن تراءى لغير الفقيه أنه ليس منه، فإنهم كانوا يفهمون كل ما يقول فهما سطحيا ساذجا لأنه يكلمهم بلغتهم، ولكن لم يكونوا يبلغون ما في أعماق بعض الحكم والمواعظ من الغايات البعيدة لعدم تصديقهم إياه، وعدم احترامهم له، ولأنه مخالف لتقاليدهم وأهوائهم الصادة لهم عن التفكير فيه والاعتبار به. وأما الموضع العشرون فهو قوله تعالى حكاية عن نبيه موسى واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي [ طه : ٢٧، ٢٨ ] وهو لا ينافي ما ذكر لأن فصاحة لسان الداعية إلى الدين والواعظ المنذر تعين على تدبر ما يقول وفقهه.
إذا تمهد هذا فقوله تعالى : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها معناه نقسم أننا قد خلقنا وبثثنا في العالم كثيرا من الجن والإنس لأجل سكنى جهنم والمقام فيها، أي كما ذرأنا للجنة مثل ذلك، وهو مقتضى استعداد الفريقين فمنهم شقي وسعيد [ هود : ١٠٥ ] فريق في الجنة وفريق في السعير [ الشورى : ٧ ] وبماذا كان هؤلاء معدين لجهنم دون الجنة وما صفاتهم المؤهلة لذلك ؟
الجواب : ذلك بأن لهم قلوبا لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها الخ أي لا يفقهون بقلوبهم ما تصلح وتتزكى به أنفسهم من توحيد الله المطهر لها من الخرافات والأوهام، ومن المهانة والصغار، فإن من يعبد الله تعالى وحده عن إيمان ومعرفة تعلو نفسه، وتسمو بمعرفة ربه رب العالمين، ومدبر الكون بتقديره وسننه، فلا تذل نفسه بدعاء غيره، والخوف منه، والرجاء فيه، والاتكال عليه، بل يطلب كل ما يحتاج إليه من ربه وحده، فإن كان مما أقدر الله تعالى عليه خلقه بإعلامهم بأسبابه وتمكينهم منها طلبه بسببه، مراعيا في طلبه ما علمه من مقادير الخلق وسننه، وذلك عين الطلب من الله تعالى ولاسيما في نظر العالم بما ذكر، وإن لم يكن كذلك توجه إلى الله وحده لهدايته إلى العلم بما لا يعلم من سببه، وإقداره على ما لا يقدر عليه من وسائله، أو تسخير من شاء من خلقه لمساعدته عليه، أو إيصاله إليه، ممن أعطاهم من أسبابه ما لم يعطه، كالأطباء لمداواة الأمراض، وأقوياء الأبدان لرفع الأثقال، والعلماء الراسخين لبيان الحقيقة وحل الإشكال، ولا يتوجه مثل هذا العارف الموحد في طلب شيء إلى غير ما يعرف البشر من الأسباب المطردة، والوسائل المعقولة المجربة، كالرقى٣ والنشرات٤، والتناجيس٥ والطلسمات٦، والعزائم٧ والتبخيرات ولا كرامات الصالحين من الأحياء والأموات، دع التقرب إليهم بما يعد من العبادات، كالدعاء الذي هو مخ العبادة والركن الأعظم فيها كما ورد في الحديث والله تعالى يقول : فلا تدعوا مع الله أحدا [ الجن : ١٨ ] -ويقول- بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إن شاء وتنسون ما تشركون [ الأنعام : ٤١ ] ويقول : إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين [ آل عمران : ١٧٥ ] - ويقول- أتخشونهم ؟ فالله أحق أن تخشوه [ التوبة : ١٣ ] –ويقول- فلا تخشوهم واخشوني [ البقرة : ١٥٠ ] الخ ويقول : وعلى الله فتوكلوا [ المائدة : ٢٣ ] –ويقول- وعلى الله فليتوكل المتوكلون [ إبراهيم : ١٢ ].
ذلك بأن لهم قلوبا لا يفقهون بها أن ترك الشرور والمنكرات، والحرص على أعمال الخيرات، وإن شئت فقل- واجتناب الرذائل، والتحلي بالفضائل- مناط سعادة الدنيا، وبها مع الإيمان بالله واليوم الآخر يتم الاستعداد لسعادة الآخرة، وأنها لا يمكن أخذ الناس بها فعلا وتركا، وسرا وجهرا، إلا بالتربية الدينية الصحيحة، ولذلك نرى أعلمهم بصفات النفس البشرية وأخلاقها، وقوانين التربية الصورية وآدابها، يجنون على أجسادهم وأنفسهم بالإسراف في الشهوات، والاحتيال على كثرة المقتنيات، والتعالي على الأقران واللذات، فيجترحون فواحش الزنا واللواط، ويقترفون جريمتي الرشوة والقمار، ويستحلون منكرات الحسد والاستكبار، ومنهم أكثر الخونة أعوان الأجانب على استعباد أمتهم، وامتلاك أوطانهم.
ذلك بأن لهم قلوبا لا يفقهون بها معنى الحياة الر
٢ أخرجه الدارمي في البيوع باب ٢، واحمد في المسند ٤/٢٢٧، ٢٢٨..
٣ الرقى، بالضم: دمع رقية (كغرف جمع غرفة) وهي ما يقرأ على الملدوغ أو المريض ليبرأ أو يخف ألمه، ومنه ما يفيد، ولا سيما أصحاب الأمزجة العصبية الذين يؤثر فيهم الوهم والاعتقاد، وهي جائزة لذلك إذا كان المقروء حقا كالقرآن وذكر، ومحرمة إذا كان فيه شيء منكر أو مجهول. ولما كان الانتفاع بالرقية غير مطرد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الاسترقاء مانعا من دخول الجنة بغير حساب ومنافيا للتوكل على الله تعالى، بخلاف التداوي..
٤ النشرة: ما يكتب للمريض ويحرق أو يشرب ماؤه بعد أن يذاب ليشفى، وقد حرمها الفقهاء بالمجهول..
٥ التناجيس: ما يعلق على الأطفال وغيرهم من عظم وخرز وغير ذلك لمنع تأثير العين وإلهام الشياطين..
٦ الطلسمات: جمع طلسم، بكسر الطاء وتشديد اللام، والأشهر بفتح فكسر وجمعه طلاسم، وهو خرافة يكتبون لها أرقام في أشكال هندسية للتأيد الخارق للعادة..
٧ العزائم: أقسام يقسم بها على الجن لتخرج من المصروع أو لتحمل على عمل آخر، ويحرقون في أثناء تلاوتها النجور..
تفسير المنار
رشيد رضا