ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس [ الأعراف : آية ١٧٩ ] اللام موطئة لقسم محذوف، و( قد ) حرف تحقيق تضمنت معنى التوكيد. و ذرأنا معناه : خلقنا. العرب تقول : ذرأ الله الخلق. أي : خلقه. فصيغة الجمع في قوله : ذرأنا صيغة تعظيم، لأن الله خلق خلقا للنار فقال : هؤلاء في النار ولا أبالي.
وقوله : لجهنم بعض العلماء يقول : هي طبقة من طبقات جهنم، ولكنها تطلق على جميع طبقات النار، كما قال تعالى في جهنم : لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ٤٤ [ الحجر : آية ٤٤ ] فجهنم تطلق على جميع طبقات النار، وإن كان بعض العلماء يزعم أنها طبقة من طبقاتها السبع.
واختلف العلماء في لفظة ( جهنم ) هل أصلها عربية أو معربة ؟ بناء على قول من يقول : إن في القرآن كلمات معربة. والتحقيق الذي هو الأشبه أن القرآن كله عربي إلا الأعلام. وما دمنا نقول : أخذ العرب هذه الكلمة من الجيل العجمي الفلاني فلم لا نقول : إن ذاك الجيل الأعجمي أخذها عن العرب ؟ الكل محتمل ولا دليل على أنه أخذها خصوص هؤلاء عن هؤلاء، فعلينا أن نتمسك بالعموم في قوله : بلسان عربي مبين ١٩٥ [ الشعراء : آية ١٩٥ ] إنا أنزلناه قرآنا عربيا [ يوسف : آية ٢[ ولا خلاف في الأعلام أن فيه أعلاما عجمية. هذا لا نزاع فيه ؛ لأن العلم يحكي بلفظه في أي لغة كان كما هو معروف.
وقال بعض العلماء الذين يقولون إن في القرآن معربا : إن ( جهنم ) أصلها فارسية. والذين قالوا هذا القول يزعمون أن في الفارسية القديمة إطلاق ( كهنام ) على النار، وأنها عربتها العرب وأبدلت الكاف جيما، والله أعلم بصحة هذا.
وقال جماعة العلماء من علماء العربية : أصل الكلمة عربية، ووزنها بالميزان الصرفي ( فعنل ) فالنون المشددة زائدة، وأصل الحروف الأصلية : الجيم في مكان الفاء، والهاء في مكان العين، والميم في مكان اللام، من : جهمه يجهمه وتجهمه إذا عبس في وجهه وقطب وجهه وعقدة فيه. قالوا : سميت ( جهنم ) لأنها تلقى من يدخلها بوجه عابس مقطب متجهم، وأنهم تعبس وجوههم، وتجهم فيها من شدة ما يلاقون من عذابها والعياذ بالله. وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن الفضفاض الجهني :
| لا تجهمينا أم عمرو فإنما | بنا داء ظبي لم تخنه عوامله |
| شكوت إليها حبها فتبسمت | ولم أر شمسا قبلها تتبسم |
| فقلت لها جودي فأبدت تجهما | لتقتلني يا حسنها إذ تهجم |
ثم إنه تعالى ذكر صفات الكفار الأشقياء الذين سبق في علم الله أنه خلقهم للنار، وأنهم يعملون بعمل أهل النار، ذكر صفاتهم الكاشفة قال : لهم قلوب بين أنه خلق لهم قلوبا، وخلق لهم أعينا، وخلق لهم آذنا، إلا أنهم لا يفقهون بقلوبهم الحق، ولا يبصرون بأعينهم الحق، ولا يسمعون بآذانهم الحق والعياذ بالله كما قال تعالى عنهم : وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله الآية [ الأحقاف : آية ٢٦ ]، ولذا قال : لهم قلوب لا يفقهون بها [ الأعراف : آية ١٧٩ ] القلوب : جمع قلب، وهو عضو من الإنسان معروف يزعمون أنه على هيئة حب الصنوبر.
وقوله : لا يفقهون بها الفقه في لغة العرب معناه : الفهم والإدراك، أي : لا يفهمون بهذه القلوب عن الله ؛ لأن الله لم ينفعهم بها ( والعياذ بالله )، كما قال : فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء [ الأحقاف : آية ٢٦ ] ونفيه الفقه عن القلوب يدل كما ذكرنا مرارا على أن مركز العقل هو القلب لا الدماغ كما يقوله الإفرنج، ومما يؤسفنا أن عامة المسلمين لا يكاد في الوقت الحاضر – لجهلهم- لا يكاد يختلف من عامتهم اثنان في أن العقل في الدماغ. ويقولون : هذا ليس له مخ. يعنون : ليس له دماغ، قاطعين بان العقل في الدماغ، والله يصرح بان العقل في القلب. ولا شك أن الذي خلق نور العقل وجعله في العبد ونوره به هو أعلم بالموضع الذي وضعه فيه من كفرة الإفرنج – قبحهم الله- ومن فلسفتهم الكاذبة. فالذي يقول : ليس الفقه في القلوب كالذي يقول : ليس الإبصار بالعيون، وليس السماع بالآذان ؛ لأن الله قال : قلوب لا يفقهون بها أعين لا يبصرون بها آذان لا يسمعون بها فدل على أن الإبصار بالعين، والسماع بالأذن، والفقه بالقلب.
وهذا أمر معروف لا تكاد تحصى الآيات الدالة عليه في القرآن ؛ ولذا قال تعالى : لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها الله ( جل وعلا ) نفى عنهم الفقه بتاتا. أي : الفهم، ونفى عنهم الإبصار، ونفى عنهم السماع، والمراد بهذا كما دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله : أن الفقه المنفي هو الفقه عن الله النافع الذي يوصل لطاعة الله والإيمان به، والإبصار المنفي : هو إبصار الآيات النافع الذي يرشد صاحبه إلى الإيمان به، والسماع المنفي : هو السماع النافع الذي يسمع صاحبه به ما ينفعه. وهذا أسلوب من أساليب اللغة العربية ؛ لأن القرآن العظيم نزل بلسان عربي مبين، ومن أساليب اللغة العربية : أنهم يطلقون الصمم على السماع الذي لا جدوى فيه، فإذا كان الإنسان لا ينتفع بسمعه انتفاعا صحيحا يقولون :( هذا أصم ) وهو يسمع. وهذا أسلوب معروف في كلامهم، ومنه قول قعنب بن أم صاحب :
| صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به | وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا |
| أصم عن الأمر الذي لا أريده | وأسمع خلق الله حين أريد |
| قل ما بدى لك من زور ومن كذب | حلمي أصم وأذني غير صماء |
| فأصممت عمرا وأعميته | عن الجود والفخر يوم الفخار |
وقوله : آذان أصله ( أأذن ) جمع ( أذن ) مجوعة على ( أفعال ) أبدلت الهمزة الثانية مدا للأولى على القاعدة التصريفية المجمع عليها. وهذا معنى قوله : ولهم آذان لا يسمعون بها .
أولئك المذكورون الذين ذرأهم الله للنار، ولم ينفعهم بقولهم، ولا بأسماعهم، ولا بأعينهم كالأنعام الأنعام : تقدم في سورة الأنعام أنها أصناف الإبل والبقر والغنم ؛ لأن الأنعام إذا صاح بها راعيها تسمع ما يقول ولكنها لا تنتفع به ؛ فلو صاح بإبله أو غنمه وقال : اذهبي إلى عدوة الوادي الفلانية فإن فيها خصبا، واحذري من عدوته الفلانية فإن فيها جدبا وسباعا. فإنها تسمع صوته ولكن لا تفهم هذا ولا تنتفع به، كما تقدم إيضاحه في قوله : كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء [ البقرة : آية ١٧١ ] ولذا قال هنا : أولئك كالأنعام تسمع الأصوات ولا يفهمون عن الله فهما يجرهم إلى الإيمان. ثم أضرب، قال : بل هم أضل من الأنعام ؛ لأن الأنعام ربما تهتدي لبعض مصالحها، تذهب إلى المحل الذي فيه المرعي فترعى فيه، وتروح عن محل الجدب، وإذا رأت صاحبها الذي يسقيها ويطعمها فرحت به وتبعته، وهؤلاء يعادون ربهم ولا يفعلون شيئا ينفعهم – والعياذ بالله - فهم أضل من الأنعام.
أوليك هم الغافلون الذي استولت على قلوبهم الغفلة لا يفهمون عن الله شيئا –والعياذ بالله -. وهذا معنى قوله : بل هم أضل أولئك هم الغافلون [ الأعراف : آية ١٧٩ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير