ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين [ الأعراف : ٥٤ ].
تفسير المفردات : الرب : هو السيد والمالك والمدبر والمربي، والإله : هو المعبود الذي يدعى لكشف الضر أو جلب النفع ويتقرب إليه بالأقوال والأعمال التي يرجى أن ترضيه، والله : اسم الخالق الخلق أجمعين، ولا يثبت الموحدون ربا سواه، وأكثر المشركين يقولون إنه أكبر الأرباب أو رئيسهم وأعظم الآلهة، وكان مشركو العرب لا يثبتون ربا سواه، وإنما يعبدون آلهة تقربهم إليه، والسماوات والأرض : يراد بهما العالم العلوي والعالم السفلي، واليوم : الزمن الذي يمتاز عن غيره بما يحدث فيه كامتياز اليوم المعروف بما يحده من النور والظلام، وامتياز أيام العرب بما كان يقع فيها من الحرب والخصام، وليست هذه الأيام الستة من أيام الأرض وهي التي مجموع ليلها ونهارها أربع وعشرون ساعة، فإن هذه إنما وجدت بعد خلق هذه الأرض، فكيف يعد خلقها بأيام منها، ولأن الله تعالى يقول : وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدّون [ الحج : ٤٧ ] ويقول في وصف يوم القيامة : في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة [ المعارج : ٤ ] والعرش لغة : كل شيء له سقف، ويطلق على هودج للمرأة يشبه عريش الكرم، وعلى سرير الملك وكرسيه في مجلس الحكم والتدبير، والاستواء لغة : استقامة الشيء واعتداله، واستوى الملك على عرشه : أي ملك، وثل عرشه : أي هلك، وغشى الشيء الشيء : ستره وغطاه، وأغشاه إياه : جعله يغشاه أي يغطيه ويستره، ومنه إغشاء الليل والنهار، وحثيثا : أي مسرعا، من قولهم فرس حثيث السير : أي سريعه، بأمره : أي بتدبيره وتصرفه. مسخرات : أي مذللات خاضعات لتصرفه، منقادات لمشيئته ؛ والخلق : التقدير والمراد هنا الإيجاد بقدر، تبارك الله : تعاظمت بركاته، والبركة : الخير الكثير الثابت.
المعنى الجملي : علمت مما سلف من قبل أن الأسس التي عني القرآن الكريم بشأنها هي التوحيد والنبوة والمعاد والقضاء والقدر، وإثبات المعاد موقوف على إثبات الوحدانية لله والعلم الشامل والقدرة التامة.
ولما بسط القول فيما سلف في أمر المعاد وبين فئات الناس في ذلك اليوم وما يدور من حوار بين أصحاب النار وأصحاب الجنة قفى على ذلك بذكر الخلق والتكوين وبيان مقدوراته تعالى وعظيم مصنوعاته، لتكون دليلا على الربوبية والألوهية وأنه لا معبود سواه.
الإيضاح : إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام يخاطب سبحانه الناس كافة بأن ربكم واحد، وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ودبر أمورهما فيجب عليكم أن تعبدوه وحده، إذ لا إله لكم غيره.
وقد جاء في معنى الآية قوله في سورة حم السجدة قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين٩ وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين١٠ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين١١ فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم [ فصلت : ٩ ١٢ ] وقوله في سورة الأنبياء : أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون [ الأنبياء : ٣٠ ].
وبالتأمل في هذه الآيات نستخلص منها الأمور الآتية :
( ١ ) إن المادة التي خلقت منها السماوات والأرض كانت دخانا أي مثل الدخان.
( ٢ ) إن هذه المادة الدخانية كانت واحدة ثم فتق الله رتقها أي التئامها بأن فصل بعضها من بعض، فخلق منها هذه الأرض والسماوات السبع.
( ٣ ) إن خلق الأرض كان في يومين، وأن تكون اليابسة والجبال الرواسي فيها وأنواع النبات والحيوان كان في يومين آخرين تتمة أيام أربع.
( ٤ ) إن جميع الأحياء النباتية والحيوانية خلقت من الماء.
( ٥ ) إن اليوم الأول من أيام خلق الأرض هو الزمن الذي كانت فيه كالدخان حين فتقت من رتق المادة العامة التي خلق منها كل شيء سواء أكان ذلك بواسطة أم بدونها.
( ٦ ) إن اليوم الثاني هو الزمن الذي كانت فيه مائية بعد أن كانت بخارية أو دخانية.
( ٧ ) إن اليوم الثالث هو الزمن الذي تكونت فيه اليابسة ونتأت منها الرواسي فتماسكت بها.
( ٨ ) إن اليوم الرابع هو الزمن الذي ظهرت فيه أجناس الأحياء من الماء وهي النبات والحيوان.
( ٩ ) إن السماء العالم العلوي بالنسبة إلى أهل الأرض قد سويت أجرامها من مادتها الدخانية في يومين آخرين أي زمنين شبيهين بالزمنين اللذين خلق فيهما جرم الأرض.
وما استنبط من هذه الآيات يوافق ما أقره علماء الفلك في العصر الحديث، فقد قالوا : إن المادة التي خلقت منها الأجرام السماوية وخلقت منها الأرض كانت سديما، وكانت واحدة رتقا ثم انفصل بعضها من بعض، وكانت مؤلفة من أجزاء دقيقة متحركة تجمع بعضها إلى بعض، بمقتضى قانون الجاذبية فتكون منها كرة عظيمة تدور على محورها واشتعلت من شدة الحركة فكانت ضياء ونورا تصحبه حرارة شديدة، وهذه الكرة العظيمة في عالمنا هي التي نسميها بالشمس والكواكب الدراري التابعة لها فيما نرى ونشاهد ومنها أرضنا، انفتقت من رتقها وانفصلت من جرمها وكانت مشتعلة مثلها وتدور على محاورها.
ثم إن الأرض تحولت من طور الغازية المشتعلة إلى طور المائية بنظام مقدر في أزمنة طويلة، إذ كان الأوكسجين والإيدروجين وهما العنصران اللذان يتكون منهما الماء يرتفعان في الجو لخفتهما فيبردان فيكونان بخارا فماء وما زال أمرها كذلك حتى غلب عليها طور المائية.
ثم تكونت اليابسة في هذا الماء بسبب حركة أجزاء المادة وتجمع بعضها مع بعض بنسب ومقادير مختلفة، ثم تولدت فيها المعادن على أنواع شتى، وما زالت تبرد قشرتها الظاهرة وتجف شيئا فشيئا حتى صلحت لتوالد النبات والحيوان فوجدت فيها الأحياء النباتية ثم الحيوانية.
ولا شك أن هذه الأقوال إن صحت كانت بيانا لما أجمل في الكتاب الكريم وإن لم تصح فالقرآن لا يناقض شيئا منها، ولكنها أقرب النظريات إلى سنن الكون وصفة عناصره البسيطة وحركتها، وتعتبر تفصيلا لخلق العالم أطوارا بسنن ثابتة وتقدير منظم.
وقد أرشد الكتاب الكريم إلى مثل هذه الحقائق في نحو قوله : إنا كل شيء خلقناه بقدر [ القمر : ٤٩ ] وقوله حكاية عن رسوله نوح عليه السلام مخاطبا قومه : ما لكم لا ترجون لله وقارا١٣ وقد خلقكم أطوارا١٤ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا١٥ وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا [ نوح : ١٣ ١٦ ].
فهذه الحقائق العلمية التي بينها القرآن ولم يكن أحد من المخاطبين في عصر التنزيل يعرفها من أكبر الأدلة على إعجازه وأنه من كلام العليم الخبير بكل شيء لا من كلام البشر.
وهذا النظام والتدريج في الخلق من الدلائل على الإرادة والاختيار والحكمة ووحدانية الخالق، فإن ما لا نظام فيه قد يظن أن وجوده أمر اتفاقي أو من فعل الكثير لا من فعل الواحد فإنك ترى الفرق واضحا بين كومة من الحصى تراها في الصحراء وبين حصن مشيد فيه جميع العدد والآلات المعدة للقتال.
وما ورد في الأخبار مما يدل على أن هذه الأيام الستة هي من أيام دنيانا كحديث أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال :( خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الرواسي يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ) فهو من الإسرائيليات التي لم يصح فيها حديث مرفوع إلى هذا الحديث مردود من جهة متنه لمخالفته لنص كتاب الله، ومن جهة سنده لأنه مروي عن حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج وقد اختلط عقله في آخر عمره، ومن ثم قال الحافظ ابن كثير بعد أن أورد الحديث في تفسيره : وفيه استيعاب الأيام السبعة والله تعالى قال : في ستة أيام ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ فيه وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار وليس مرفوعا اه.
ثم استوى على العرش أي إنه تعالى قد استوى على عرشه بعد تكوين هذا الملك يدبر أمره ويصرف نظامه بحسب تقديره الذي اقتضته حكمته.
وفي معنى الآية قوله في سورة يونس : إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر [ يونس : ٣ ].
واستواؤه تعالى على العرش : هو استقامة أمر السماوات والأرض وانفراده بتدبيرهما، والإيمان بذلك غير موقوف على معرفة حقيقة ذلك التدبير ولا معرفة صفته ولا كيف يكون، فالصحابة رضوان الله عليهم والأئمة من بعدهم لم يشتبه أحد منهم فيه، وقد أثر عن ربيعة شيخ الإمام مالك أنه سئل عن قوله : استوى على العرش كيف استوى ؟ فقال : الاستواء : غير مجهول، والكيف : غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق.
وقال الحافظ ابن كثير : مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث ابن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه. وقال نعيم بن حماد شيخ البخاري : من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت ما وردت به الآثار الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله النقائص فقد سلك سبيل الهدى اه.
يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا أي إنه تعالى جعل الليل : وهو الظلمة، يغشى النهار : وهو ضوء الشمس على الأرض أي يتبعه ويغيب على المكان الذي كان فيه ويستره حال كون الطلب حثيثا : أي بسرعة، المراد أنه يعقبه سريعا كالطالب له لا يفصل بينهما شيء.
ويظهر ذلك الطلب السريع أتم الظهور بما أثبته العلم حديثا من كروية الأرض وأنها تدور على محورها حول الشمس، فيكون نصفها مضيئا بنورها دائما ونصفها الآخر مظلما دائما، وقد قال بهذا القول كثير من علماء الإسلام كالغزالي والرازي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم.
وهذه الجملة كالدليل على ما قبلها، فإنه بعد أن أخبر عباده باستوائه على العرش وتدبيره لجميع المخلوقات أراهم ذلك عيانا فيما يشاهدونه منها ليضم العيان إلى الخبر وتزول الشبه إلى ما في تعاقب الليل والنهار من المنافع العظيمة والفوائد الجليلة، إذ بتعاقبهما تكمل الحياة وتكمل المنفعة والمصلحة.
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره أي وخلق هذه الأشياء حال كونها مذللات خاضعات لتصرفه منقادات لحكمه ألا له الخلق والأمر أي ألا إن لله الخلق، فهو الخالق المالك لذوات المخلوقات وله فيها الأمر أي التصرف والتدبير، إذ هو المالك لها لا شريك له في ملكه.
ومن هذا التدبير ما سخر له الملائكة من نظام العالم وتنفيذ سننه في خلقه، كما جاء في قوله : فالمدبرات أمرا [ النازعات : ٥ ] ومن ذلك الوحي الذي ينزل به الملائكة على الرسل كما جاء في قوله : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن [ الطلاق : ١٢ ].
وفي معنى الآية قوله :{ إن

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير