ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

يقول الله جل وعلا :[ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ( ٥٤ ) ( الأعراف : آية ٥٤ ).
لما أمر الله-جل- ونهى في هذه السورة الكريمة، وبين فيها أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، وأوضح عواقب طاعته وعواقب معصيته، وبين أنه أرسل إلى الدنيا كتابا فصله على علم منه بين أن الذي قال هذه الأشياء وأخبر بها أنه هو رب كل شيء، وخالق كل شيء، والمعبود وحده، المستحق لأن يعبد وحده، ولأن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى فقال :[ إن ربكم الله ] إن ربكم الله، كل الناس يعلمون أن الله ربهم، ولم يكابر في هذا إلا مكابر، أو أحد كالبهائم، لا عقل له ؛ لأنه جبلت فطر العقلاء على معرفة أن الله هو الرب الخالق لكل شيء. والكفار الذين يعبدون الأصنام مقرون بهذا عالمون به، والآيات القرآنية الدالة على ذلك كثيرة [ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ] ( الزخرف : آية ٨٧ ) [ قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله ]( يونس : آية ٣١ ) وإنكار فرعون لمعرفته ربوبية الله حيث قال الله عنه إنه قال :[ وما رب العالمين ]( الشعراء : لآية ٥٣ ) وقال :[ لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ]( الشعراء : آية ٢٩ ) وقال :[ أنا ربكم الأعلى ]( النازعات : آية ٢٤ ) فإن فرعون مكابر عالم أنه عبد مربوب، وان الله ربه ورب كل شيء، كما أوضحه الله في إقسام موسى على ذلك، قال :[ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ]( الإسراء : آية ١٠٢ ) والله لقد علمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات إلا رب السماوات والأرض. أي : ومن فيهن. وكقوله :[ وجحدوا بها ]( النمل : آية ١٤ ) يعني : فرعون وقومه [ واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ]( النمل : آية ١٤ ) فهو جاحد مكابر ليستخف قلوب قومه[ فاستخف قومه فأطاعوه ]( الزخرف : آية ٥٤ ) والذين ينفون ربوبية الله هم بهائم كالبغال والحمير لا عقول لهم[ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ]( الفرقان : آية ٤٤ ) أما عامة العقلاء الذين ارتفع إدراكهم عن إدراك الحيوانات فهم يعلمون أن الله رب كل شيء وخالق كل شيء.
[ إن ربكم ] ( الأعراف : آية ٥٤ ) أي : إن سيدكم وخالقكم ومدبر شؤونكم [ الله ]- جل وعلا- [ الذي خلق السماوات والأرض ] ( الأعراف : آية ٥٤ ) أي : وما بينهما [ في ستة أيام ]( الأعراف : آية ٥٤ ) هذه الأيام الستة بين الله تفصيل خلقه الخلائق فيها في سورة فصلت- السجدة( - حيث قال :[ * قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين( ٩ ) ] قال :[ خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين( ٩ ) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ]( فصلت : الآيتان ١٠، ٩ ] أي : بإضافة يومين آخرين لليومين الأولين فصارت أربعا، ثم قال :[ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا آتينا طائعين( ١١ ) فقضاهن سبع سماوات في يومين ]( فصلت : الآيتان١٢، ١١ ) تضاف إلى الأربعة السابقة فتكون ستة.
والعلماء يقولون : إن هذه الأيام المراد بها أوقاتها ؛ لأنه في ذلك الوقت لم يكن هنالك يوم ؛ لأن اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها، وإن لم يكن هنالك شمس لا يعرف اليوم. إلا أن الله قبل أن يخلق الشمس والقمر يعلم زمن الأيام قبل وجود الشمس.
وهذه الأيام قد جاء في روايات كثيرة أن أولها الأحد وآخرها الجمعة. والقرآن بين أنه خلق الأرض في يومين ثم خلق فيها الجبال والأقوات والأرزاق في يومين، ثم خلق السماوات في يومين، فهي ستة أيام. ويوم السبت ليس منها. وما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن الله خلق التربة يوم السبت، وجعل في كل من أيام الأسبوع بعض الخلق، وإن كان في صحيح مسلم، فهو غلط، غلط بعض الرواة في رفعه، والظاهر أنه أخذه أبو هريرة عن كعب الأحبار أو نحوه من الإسرائيليات ؛ لأنه خلاف القرآن- الصحيح- أن السبت لم يكن من الأيام التي خلق فيها شيء، وان السماوات والأرض وما بينهما خلقت في ستة أيام من الأسبوع، وأولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، خلق الله فيه آدم بعد صلاة العصر.
وهذه الأيام قال بعض العلماء : إنها كأيام الدنيا. وقال بعضهم : اليوم منها هو المذكور في قوله :[ وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ]( الحج : آية ٤٧ ).
والله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، مع أنه قادر على أن يخلق الجميع في لحظة واحدة كلمح البصر لحكمته ( جل وعلا )، قال بعض العلماء : أراد أن يعلم خلقه التمهل في الأمور، والتدرج فيها ليقدروا عليها، وهو قادر على خلق ما شاء في لحظة واحدة[ وما أمرنا إلا واحة كلمح بالبصر( ٥٠ ) ]( القمر : آية ٥٠ ) فهو يقول للشيء كن فيكون. هذا معنى قوله :[ الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ]( الأعراف : آية ٥٤ ).
قال بعض العلماء : الستة أصلها ( سدسة ) أبدلت الدال تاء و أدغمت في التاء. قالوا : وتصغر الستة على ( سديسة ) ردا لها لأصلها. وعلى كل حال فالستة العدد المعروف، وهو الثلاثة مرتين كما هو معروف.
[ ثم استوى على العرش ]( الأعراف : آية ٥٤ ) العرش يطلق في اللغة إطلاقات متعددة من أشهرها في القرآن : سرير الملك ( في الأصل قال الشيخ ( رحمه الله ) بعد هذه الكلمة :" وإنما أطلق على السقف ". ثم قال بعدها :" فالعرش سرير... " إلخ، فصنيعه يشعر أنه تراجع عن العبارة السابقة ؛ ولذا لم أثبتها. والله أعلم ). فالعرش سرير الملك، سرير الملك الذي يعد له تسميه العرب عرشا، ومنه ملكة سبأ في قوله :[ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ]وقوله[ أهكذا عرشك قالت كأنه هو ]( النمل : آية ٤٢ ).
وقوله :[ ثم استوى على العرش ] [ ثم استوى ] جل وعلا [ على العرش ] وهذه صفة الاستواء ونحوها من آيات الصفات ارتبك فيه عقول كثير من الناس، وضل فيه من الخلق المنتسبين للعلم، بل والذين عندهم علم وعقول ما لا يحصيه كثرة إلا الله ( جل وعلا ). ونحن نوضح لكم المقام في عقيدة السلف الصحيحة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح، وهي العقيدة الكريمة الصافية من شوائب التشبيه والتعطيل، لا تشوبها شائبة تشبيه ولا تشوبها شائبة تعطيل، ونحن نوضح هذا في ضوء القرآن العظيم.
وإيضاح ذلك أن تعلموا –أيها الإخوان- أن الله ( تبارك وتعالى ) أوضح في كتابه هذا القرآن العظيم الذي هو أصل الهدى، ومنبع اليقين، ونور المعرفة والعلم، بين فيه أن المعتقد المنجي في آيات الصفات الذي يأتي صاحبه يوم القيامة سالما من بلايا التشبيه وبلايا التعطيل هو مركز على ثلاثة أسس، نوصيكم وأنفسنا بتقوى الله، وأن تعتقدوا هذه الأسس الثلاثة الكبار، فتنجيكم أمام الله ومن بلايا هذا المأزق الذي ضل فيه من الخلق ما لا يحصى. هي ثلاثة أسس عظام من جاء بها ولقي الله عليها لقيه سالما على بصيرة من ربه، عاملا بنور القرآن العظيم، ومن أخل بواحد منها فقد أدخل نفسه في مهواة.
وهذه الأسس الثلاثة نوضحها لكم في ضوء القرآن العظيم :
الأول منها، وهو أساس العقيدة، والحجر الأساسي لمعرفة الله معرفة صحيحة، وللعقيدة التي هي أساس سماوي صحيح. هذا الأساس المذكور هو تنزيه خالق السماوات والأرض-جل وعلا- عن أن يشبهه شيء من خلقه ؛ لا في ذواتهم ولا في صفاتهم، ولا أفعالهم. وكيف يخطر في ذهن العاقل أن الخالق – جل وعلا- يشبه شيء من خلقه في الذات أو الصفات أو الأفعال ؟ لأن جميع الخلائق صنعة من صنعه- جل وعلا- [ صنع الله الذي أتقن كل شيء ]( النمل : آية ٨٨ ) والصنعة لا يمكن أن تشبه صانعها بحال ؛ لأنه هو الذي أبرزها من ( العدم إلى الوجود ) ( في الأصل : " من الوجود إلى العدم " وهو سبق لسان )، واخترعها بعد أن لم تكن شيئا. فكيف يخطر في ذهن عاقل أن تكون تشبهه ؟ هذا مما لا يخطر في الأذهان السليمة، وأحرى الأذهان الممتلئة بنور الوحي. فأساس
التوحيد الأكبر، وأساسه الأعظم، هو تنزيه خالق السماوات والأرض-جل وعلا-عن مشابهة خلقه ؛ لأن الخلق صنعة من صنائعه، والصنعة لا تشبه صانعها. فعلينا أولا أن نطهر قلوبنا من أقذار التشبيه، وأنجاس التشبيه، وأدران التشبيه، ونجزم جزما باتا قاطعا أن الوصف إذا أسند إلى الله، ووصف به الله في كتاب أو سنة صحيحة فإن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال ما يقتضي على جميع الوساوس، ويقطع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، وتجزم قلوبنا بأن الخلق صنعة والخالق صانع، ولا مناسبة بين الصنعة وصانعها، لا في الذات، ولا في الصفات، ولا في الأفعال. وهذا الأساس للعقيدة التي هي عقيدة السلف في آيات الصفات وأحاديثها الذي هو التنزيه الكامل، وتقديس صفات خالق السماوات والأرض، وتعظيمها، وإكبارها، وإجلالها عن أن تشبه شيئا من صفات المخلوقين أو دواتهم أو أفعالهم، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كيرا. هذا الأساس الأعظم في ضوء قوله :[ ليس كمثله شيء ] ( الشورى : آية ١١ )[ ولم يكن له كفوا أحد( ٤ ) ]( الإخلاص : آية ٤ ) [ هل تعلم له سميا ]( مريم : آية٥٦ ) [ فلا تضربوا لله الأمثال ]( النحل : آية٧٤ ) إذا رزق الله العبد فهم هذا الأساس الأكبر، والحجر الأساسي للعقيدة الصحيحة، وكان قلبه قلبا طاهرا من أقذار التشبيه، منزها لخالق السماوات والأرض كما ينبغي، جازما بأن الخلق صنعته، وأن الصنعة لا تشبه صانعها بحال، فإذا كان قلب المؤمن طاهرا واعتقد اعتقادا جازما باتا بأن صفة الله منزهة عن مشابهة صفات خلقه كتنزيه ذاته عن مشابهة ذوات خلقه-إذا استحكم هذا الأساس العظيم في قلب المؤمن-فالأساس الثاني : هو أنا كلا علينا أن نصدق الله فيما أثنى به على نفسه، ونصدق سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما أثنى به على ربه ؛ لأن الله أصدق من يقول :[ ومن أصدق من الله قيلا ]( النساء : آية ٢٢ )[ ومن أصدق من الله حديثا ]( النساء : آية ٨٧ ) [ أنتم أعلم ام الله ]( البقرة : آية ١٤٠ ) فإذا مدح الله نفسه بوصف كريم في كتابه، أو مدحه رسوله الصادق الأمين الذي قال في حقه :[ وما ينطق عن الهوى( ٣ ) إن هو إلا وحي يوحى ( ٤ ) ]( النجم : الآيتان : ٤، ٣ ) فعلينا أن لا نكذب الله، ولا نكذب رسوله، ولا ننفي ما أثبته الله لنفسه، ولا ننفي ما أثبته الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم لربه، ولكن علينا أن نؤمن بذلك الوصف الذي مدح الله به نفسه، أو مدحه به الصادق الامين صلى الله عليه وسلم، ولكن ذلك الإيمان إيمان مبني على أساس التنزيه وعدم مشابهة الخلق ؛ لأن الخلق لا يمكن أن يشبهوا خالقهم.
وهذا التعليم العظيم الذي هو تنزيه الله- جل وعلا- عن مشابهة الخلق. ثم إذا طهرت القلوب من أقذار التشبيه يتبع ذلك الإيمان بالصفات الثابتة بالقرآن العظيم والسنة الصحيحة إيمانا مبنيا على أساس ذلك التنزيه.
هذا لم نقله لكم من تلقاء أنفسنا وإنما هو تعليم خالق السماوات والأرض في المحكم المنزل ؛ لأن الله أوضح هذين الأساسين غاية الإيضاح، وبينهما غاية البيان حيث قال :[ ليس كمثله شيء ] ( الشورى : آية ١١ ) وأتبع ذلك بقوله :[ وهو السميع البصير ] ( الشورى :

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير