جائز أن يكون صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نُسِيَ وجائز أن يكونوا
نسوه وتركوا العمل له والإيمانَ به.
وقوله:. (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ).
(أَوْ) نسق على قوله (من شفعاءَ)، " كأنهم قالوا: هل يشفع لنا شافع أو
هل نرد.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ (فَنَعْمَلَ) منصوب على جواب الفاءِ للاستفهام.
ويجوز أن تنصب (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ)، أي إِن رددنا استغنينا عن الشفاعة.
* * *
وقوله: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)
(يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ).
و (يُغَشِّي اللَّيْلَ النَّهَارَ)، جميعاً يقرأ بهما.
والمعنى أن الليل يأتي على النهار فيغطيه، ولم يقل يغشى النهارَ الليْلَ.
لأن في الكلام دليلاً عليه، وقد جاءَ في موضع آخر: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ).
وقوله تعالى: (وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ).
أي خلق النجوم جارِيَاب مَجَارِيَهُنَّ بأمرِه.
* * *
وقوله: (وَعَلى الأعْرافِ رِجَالٌ).
وقوله: (وَنادَى أصْحَابُ الأعْرَافِ)
اختلف الناس في أصحاب الأعراف، فقال قوم: هم قومُ استوت
حسناتهم وسيئاتُهم، فلم يستحقوا الجنة بالحسنات، ولا النار بالسيئات.
فكانوا على الحجاب الذي بين الجنة والنار.
والأعراف أعَالي السُّورِ، ويُقَالُ لكل عَال عُرْف وجمعُه أعراف.
ويجوز أن يكون - واللَّه أعلم - على الأعراف على معرفة - أهل الجنة
وأهل النار هُؤلاءِ الرجال، فقال قوم ما ذكرنا، وإن اللَّه يدخلهم الجنة، وقال قوم أصحاب الأعراف أنبياء وقال قوم ملائكة.
ومعرفتهم كُلًّا بِسيماهُمْ يعرفون أصحاب الجنة بأن سيماهم إِسْفَارُ
الوُجوه والضحِكُ والاسْتِبْشَارُ كما قال عزَّ وجل: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩).
ويعرفون أصحاب النار بسيماهم وسيماهم اسوداد الوجوه
وَغُبْرَتُها - كما قال جلَّ وعزَّ: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ).
و (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)
والقَتَرة كالدُّخَان.
وقوله: (مَا أغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وما كنتم تَسْتَكْبِرُونَ).
هذا - واللَّه أعلم - خطاب أصحاب الأعراف لأهل النار، وقرئت
تستكثرون بالثاءِ.
وأما تجوله: (أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ).
يعني أهل الجنة كأنه قيل لهم: يا أهلَ النار أهُؤلاءِ الذين حلفتم لاَ ينالهم
الله برحمة).
(ادخُلُوا الجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ).
وإن شئت بالفتح لا خوفَ عليكم.
فجائز أن يكون (ادْخُلوا الجنَّةَ) خطاباً من أصحاب الأعراف لأهل
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج
عبد الجليل عبده شلبي