قال الله تعالى (١): قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ، قال ابن عباس: (يريد: قد خسروا النعيم (٢) وصاروا إلى الخزي والعذاب) (٣) ومضى الكلام (٤) في: خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ.
وقوله تعالى: وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ، يريد: سقط عنهم ما كانوا (٥) يقولون من أن مع الله إلهًا آخر (٦).
٥٤ - قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ الآية. قال الليث: (السِّتُّ والسِّتة في التأسيس على غير لفظيهما، وهما في الأصل سِدْس وسِدْسَة، ولكنهم أرادوا إدغام الدال في السين فالتقتا عند مخرج التاء فغلبت (٧) عليهما، وبيان ذلك أنك [تصغر] (٨) ستة سُدَيْسة، وكذلك الأسداس، وجميع تصريفهما (٩) على ذلك) (١٠).
(٢) في (ب): (خسروا النعيم)، وهو تصحيف.
(٣) "تنوير المقباس" ٢/ ٩: وفيه (غبنوا أنفسهم بذهاب الجنة ولزوم النار) اهـ.
(٤) انظر: معنى الخسران في "البسيط" البقرة: ٢٧.
(٥) في (ب) تكرار: (يريد سقط عنهم ما كانوا يفترون يريد سقط عنهم ما كانوا يقولون...)
(٦) انظر: "تفسير الطبري" ٨/ ٢٠٥، والسمرقندي ١/ ٥٤٥، والبغوي ٣/ ٢٣٥.
(٧) في (ب): (فقلبت)، وهو تصحيف.
(٨) لفظ: (تصغر) ساقط من (أ).
(٩) في (ب): (تصريفها) وعند الأزهري في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٦٢٣: (تصغيرها).
(١٠) "تهذيب اللغة" ٢/ ١٦٢٣، وانظر: "العين" ٧/ ١٨٦ (ست).
ابن السكيت: (يقال: جاء فلان سادسًا، وساديًا، وساتًّا؛ فسادس على لفظ السُّدس، وساتّ على لفظ ستَّة أدغموا الدال في السين فصارت تاء مشددة، ومن قال ساديًا أبدل من السين ياء) (١).
قال أهل التفسير: (قوله فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، أراد: في مقدار ستة أيام؛ لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فكيف [يكون] (٢) يوم ولا شمس ولا سماء؟ وهذا كقوله: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ٦٢] على مقادير البكرة والعشي في الدنيا؛ إذ لا ليل ثم ولا نهار (٣)، فإن قيل: لأي علة خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ولو خلقهن في طرفة عين كان أدل على نفاذ قدرته، والله تعالى يقول: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: ٥٠]، والجواب: ما قال سعيد بن جبير: (قدر الله على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة، وإنما خلقهن في ستة أيام تعليمًا لخلقه الرفق والتثبت في الأمور) (٤).
وقال أهل المعاني: (إن تدبير الحوادث على إنشاء شيء بعد شيء
(٢) لفظ: (يكون) ساقط من (ب).
(٣) قال ابن الجوزي في "تفسيره" ٣/ ٢١١: (أي في مقدار ذلك ولم تكن الشمس حينئذ، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وكعب: مقدار كل يوم من تلك الأيام ألف سنة. ولا نعلم خلافًا في ذلك) اهـ. بتصرف.
وانظر: "تفسير السمرقندي" ١/ ٥٤٥، والبغوي ٣/ ٢٣٥، وابن عطية ٥/ ٥٢٥، والرازي ١٤/ ١١٨، والقرطبي ٧/ ٢١٩.
(٤) ذكره الثعلبي في "الكشف" ١٩١ أ، والبغوي ٣/ ٢٣٥، و"الخازن" ٢/ ٢٣٧.
على ترتيب، أدل على عالم مدبر يصرفه على اختياره ويجريه على مشيئته) وقيل: (أراد بذلك زيادة البصيرة للملائكة في يقينهم (١) لما يشاهدونه من ظهور شيء وإنشاء خلق بعد خلق) (٢).
وقال أبو بكر بن الأنباري: (إن الله (٣) خلق السموات والأرض والليل والنهار تكرمة لآدم وذريته، وقد بيّن هذا في قوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً الآية [البقرة: ٢٢]، وفي قوله: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [القصص: ٧٣]، فلما كان خلق هذه الأشياء تكرمة لآدم وولده، وكانت الأيام سبعة أوقع في كل يوم منها ضربًا من التكرمة نبه به الملائكة على عظم شأن آدم وولده عنده، وكان خلق السموات والأرض في ستة أيام عن غير عجز من الله عز وجل أن يكون في لمحة، ولكنه تعالى أراد أن يوقع في كل يوم منها أمرًا من خلقه تستعظمه الملائكة وجميع المشاهدين له) (٤)، وهذا معنى قول مجاهد: (إن ذلك رُتِّب على الأيام: الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، فاجتمع الخلق فيه) (٥).
(٢) ذكر هذه الأوجه الماوردي ٢/ ٢٣٠، وابن الجوزي ٣/ ٢١٢، والرازي ١٤/ ١١٨ و"الخازن" ٢/ ٢٣٧، وقال النحاس في "إعراب القرآن" ١/ ٦١٧: (لأنه علم أن ذلك أصلح ليظهر قدرته للملائكة شيئاً بعد شيء) اهـ.
(٣) في (ب): (الله تعالى).
(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٩١، وابن الجوزي ٣/ ٢١٢ مختصرًا.
(٥) أخرجه الطبري ٨/ ٢٠٥، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ٢/ ٢٤٣ بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ١٦٩.
وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ أي: أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السموات والأرض، وهذا قول الفراء (١) وأبي العباس (٢) والزجاج (٣).
وقال آخرون: اسْتَوَى معناه استولى (٤) واحتجوا بقول البعيث (٥):
| ثم اسْتَوَى بِشْرُ على العِرَاقِ | من غير سيفٍ ودمٍ مُهْرَاقِ (٦) |
(٢) "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٩٤، وفي "مجالس ثعلب" ١/ ١٧٤ و٢٦٩ قال: (يقال فيه ضروب، الفراء وأصحابنا يقولون أقبل. ويقال: استوى عليه من الاستواء، والمعتزلة يقولون: استولى) اهـ.
(٣) "معاني الزجاج" ١/ ١٠٧ قال: (فيه قولان: عمد وقصد إلى السماء، كما تقول: قد فرغ الأمير من بلد كذا وكذا ثم استوى إلى بلد كذا، معناه قصد الاستواء إليه، وقد قيل أيضاً: استوى أي صعد أمره إلى السماء).
(٤) هذا قول أهل التأويل من المعتزلة والجهمية والحرورية وغيرهم، وقد اتفق أهل العلم على إبطاله وأجمعوا على أن المراد بالاستواء على العرش، إنما هو الاستعلاء والارتفاع عليه، فهو سبحانه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته ولا يلزم لهذا أي لازم باطل مما يلزم لاستواء المخلوقين. انظر: "الإبانة" ص ٣٦، و"الأسماء والصفات" ٢/ ٣٠٦ - ٣٠٨، و"الفتاوى" ٥/ ١٤٣ - ١٤٩، و"مختصر العلو" للألباني ص ٢٦.
(٥) البعيث: هو خداش بن بشير بن خالد المجاشعي، أبو مالك البصري المعروف بالبَعِيث، شاعر أموي مجيد وخطيب بني تميم، كانت بينه وبين جرير مهاجاة دامت نحو ٤٠ سنة، توفي سنة ١٣٤. انظر: "طبقات فحول الشعراء" ٢/ ٣٨٦، و"الشعر والشعراء" ص ٣٢٩، و"معجم الأدباء" ٣/ ٢٨٩، و"الأعلام" ٢/ ٣٠٢.
(٦) الشاهد بدون نسبة فى "الصحاح" ٦/ ٢٣٨٥ (سوا)، و"تفسير الماوردي" ٢/ ٢٢٩، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ٢/ ٣٠٩، و"زاد المسير" ٣/ ٢١٣، والقرطبي ٧/ ٢٢٠، و "رصف المباني" ص ٤٣٤، و"اللسان" ٤/ ٢١٦٣ (سوا)، و"الخازن" =
يعني: بشر بن مروان (١)، وعلى هذا خصّ العرش بالإخبار عن الاستيلاء عليه؛ لأنه أعظم المخلوقات.
وقال الأخفش: (اسْتَوَى أي: علا، يقال: استويت على ظهر البيت أي: علوته) (٢) وهذا القول اختيار ابن جرير، قال: (معناه: ارتفع ارتفاع ملك وسلطان، لا ارتفاع انتقال وزوال) (٣)، وهذا يعود إلى معنى الاستيلاء (٤). وقد شرحنا الاستواء في صفة الله تعالى مستقصى في سورة البقرة (٥).
(١) بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي: أمير كان سمحًا جوادًا، ولى إمرة العراق لأخيه عبد الملك، وتوفي سنة ٧٥ هـ، وله نيف وأربعون سنة. انظر: "سر أعلام النبلاء" ٤/ ١٤٥، و"البداية والنهاية" ٩/ ٧، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" ٣/ ٢٥١، و"الأعلام" ٢/ ٥٥.
(٢) "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٩٤، وانظر: "معاني الأخفش" ١/ ٥٥ - ٥٦.
(٣) "تفسير الطبري" ١/ ١٩٢، واختار أن معنى قوله: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة: ٢٩]: (علا عليهن وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات) اهـ.
(٤) الطبري -رحمه الله تعالى- رجح في معنى الاستواء ما قال به السلف، ثم أخذ يناقش المؤولين، ومن باب إلزام الحجة لهم، قال: (قل علا عليها علو ملك وسلطان) اهـ، وهذه العبارة ليست من نهج السلف في الإثبات، والله اعلم.
(٥) انظر: "البسيط" البقرة: ٢٩.
و الْعَرْشِ في كلام العرب (١) سرير الملك، يدل على ذلك سرير ملكة سبأ، سماه الله عرشًا فقال: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) [النمل: ٢٣]، والعرش في اللغة: قد يكون عبارة عن الملك، يقال: (٢) ثُلَّ عَرْشُه، إذا ذهب عزه وملكه، ومنه قول زهير:
تَدَاركتُما الأَحلافَ قد ثُلَّ عَرْشُهَا (٣)
غير أنه لا يسوغ أن يكون المراد بالعرش في هذه الآية الملك؛ لأنه يوجب أن الله لم يكن مستويًا على ملكه قبل خلق السموات (٤) والأرض.
(٢) هذا مثل يضرب لمن ذهب عزه وزال قوام أمره وساءت حاله. انظر: "جمهرة الأمثال" ١/ ٢٩٠، و"المستقصى" للزمخشري ٢/ ٤٣، و"مجمع الأمثال" ١/ ٢٧١.
(٣) "ديوان زهير" ص ١٠٥، و"العين" ١/ ٢٤٩، و"المنجد" لكراع ص ١٠٥، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢٣٩٢، و"الصحاح" ٣/ ١٠١٠، و"مقاييس اللغة" ٤/ ٢٦٥، و"اللسان" ٥/ ٢٨٨١ (عرش)، وتمامه:
وَذُبْيَانَ قد زَلَّتْ بِأَقْدامِهَا النَّعْلُ
قال ثعلب في "شرحه": (الأحلاف عبس وفزارة وثل عرشها هذا مثل أي: أصابها ما كسرها وهدمها) اهـ.
(٤) هذا هو الصحيح والآيات والأحاديث والآثار تدفع أن يكون المراد بالعرش الملك، وأهل السنة والجماعة يثبتون العرش واستواء الله تعالى عليه كيف يشاء، قال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" ٦/ ٥٨٤ - ٥٨٥: (العرش موجود بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والآيات والأحاديث فيه صريحة متواترة وهو غير الكرسي والكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع جمهور السلف) اهـ. ملخصًا.
وانظر: "الأسماء والصفات" ص ٢٧٢، و "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز ص ٢٥٦، ٢٥٧.
وقوله تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ وقرئ يُغْشِي (١) مخففا، والإغشاء (٢).
والتغشية: إلباس الشيء (٣) الشيء، وقد جاء التنزيل بالتشديد والتخفيف، فمما جاء (٤) بتضعيف (٥) العين قوله: فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى [النجم: ٥٤]، ومما (٦) جاء بنقل الهمزة: فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٧) [يس: ٩]، والمفعول الثاني محذوف على معنى: فأغشيناهم العمى أو فقد الرؤية.
قال أبو إسحاق: (والمعنى: أن الليل يأتي على النهار ويغطيه ولم يقل: يغشي (٨) النهار الليل؛ لأن في الكلام دليلًا عليه، وقد قال في موضع آخر: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ (٩) [الزمر: ٥].
(٢) الغِشَاء: الغطاء والإغشاء، والتغشية: تغطية شيء بشيء. انظر: "العين" ٤/ ٤٢٩، و"المنجد" لكراع ص ٢٧٤، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢٦٦٨، و"الصحاح" ٦/ ٢٤٤٦، و"مقاييس اللغة" ٤/ ٤٢٥، و"المجمل" ٣/ ٦٩٦، و"المفردات" ص ٦٠٧، و"اللسان" ٦/ ٣٢٦١ (غشى).
(٣) في (ب): (إلباس الشيء بالشيء).
(٤) في (ب): (فما جاء).
(٥) في "الحجة" لأبي علي ٤/ ٢٧ - ٢٨: (غشى فعل متعدٍّ إلى مفعول واحد فإذا نقلت الفعل المتعدي إلى المفعول الواحد بالهمزة أو بتضعيف العين تعدى إلى مفعولين، وقد جاء التنزيل بالأمرين جميعًا) ثم ذكر نحو ما ذكره الواحدي.
(٦) في (ب): (وما جاء).
(٧) في (أ): (وهو لا ينصرون)، وهو تصحيف.
(٨) في (ب): (ويغشى).
(٩) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٤٢، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" ٣/ ٤٢.
قال أبو علي: (وهذا (١) كما قال: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١]، ولم يذكر تقيكم البرد للعلم بذلك من الفحوى، ومثل هذا لا يضيق، وكل واحد من الليل والنهار منتصب بأنه مفعول به، والفعل قبل النقل غشي الليلُ النهارَ (٢)، فإذا نقلت قلت: أغشى الله الليل النهار، أو غَشَّى الله الليل النهار، فصار ما كان فاعلًا قبل النقل مفعولًا أول) (٣).
وقوله تعالى: يَطْلُبُهُ حَثِيثًا، قال الليث: (الحث: الإعجال والاتصال (٤)، تقول: حثثت فلانًا فاحْتث وهو حثيث محثوث: جاد سريع) (٥).
قال الأعشي:
| تَدَلَّى حثيثًا كَأَنَّ الصِّوَارَ | أَتْبَعَهُ أَزْرِقيٌّ لَحِمْ (٦) |
(٢) في (ب): (بالنهار).
(٣) "الحجة" لأبي علي ٤/ ٢٨، وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٤٠٨، و"إعراب القراءات" ١/ ١٨٥، و"الحجة" لابن خالويه ص ١٥٦، ولابن زنجلة ص ٢٨٤، و"الكشف" لمكي ١/ ٤٦٤، ونقل قول الواحدي، والرازي في "تفسيره" ١٤/ ١١٧.
(٤) في (ب): (والإيصال)، وعند الأزهري في "تهذيب اللغة" ١/ ٧٣٩، عن الليث: (الإعجال في الاتصال).
(٥) "تهذيب اللغة" ١/ ٧٣٩، وانظر: "الجمهرة" ١/ ٨١، و"الصحاح" ١/ ٢٧٨، و"المجمل" ١/ ٢٢١، و"مقاييس اللغة" ٢/ ٢٩، و"المفردات" ص ٢١٨، و"اللسان" ٢/ ٧٧٣ (حثث).
(٦) "ديوانه" ص ١٩٩، وهو في "تهذيب اللغة" ١/ ٧٤٠، و"اللسان" ٢/ ٧٧٤ (حثث)، و"الدر المصون" ٥/ ٣٤٢، وجاء في حاشية "الديوان" (الصوار: القطيع من بقر الوحش، وحثيثًا: سريعًا والأزرقي اللحم: الصقر، والمعنى يشبه هذا الفرس بسرعة الصقر الشره إلى أكل اللحم) اهـ.
شبه الفرس في السرعة بالبازي (١).
قال ابن عباس: (يريد (٢) يطلب الليل النهار لا غفلة له) (٣).
و (٤) قال المبرد: (يعني: يطلب الليل النهار دائبًا) (٥).
وقال غيره: (معنى: يَطْلُبُهُ حَثِيثًا هو أن يستمر الليل في طلب النهار على منهاج من غير فتور يوجب الاضطراب، كما يكون في السوق الحثيث) (٦)، وهذا معنى قول ابن عباس: (لا غفلة [له)] (٧).
وقوله تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ، معنى التسخير: التذليل (٨). قال الزجاج: (وخلق هذه الأشياء جاريات مجاريها بأمره) (٩). وقال المفسرون: (معنى تسخيرهن: تذليلهن لما يراد منها من طلوع وأفول وسير ورجوع؛ إذ لَسْنَ قادرات ولا مميزات، وإنما يتصرفن في متصرفاتهن على حسب إرادة المدبر فيهن) (١٠).
(٢) لفظ: (يريد) ساقط من (ب).
(٣) ينظر: "تنوير المقباس" ٢/ ١٠٠، وذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٩٣، وأخرج الطبري ٨/ ٢٠٦ بسند جيد عن ابن عباس قال: (يطلبه سريعًا) اهـ.
(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٥) لم أقف عليه.
(٦) انظر: "تفسير الطبري" ٨/ ٢٠٦، والسمرقندي ١/ ٥٤٦، والماوردي ٢/ ٢٣٠، والرازي ١٤/ ١١٧.
(٧) لفظ: (له) ساقط من (ب).
(٨) انظر: "الصحاح" ٢/ ٦٧٩، و"المفردات" ص ٤٠٢، و"اللسان" ٤/ ١٩٦٣ (سخر).
(٩) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٤٢.
(١٠) انظر: الطبري ٨/ ٢٠٦، والسمرقندي ١/ ٥٤٦، والماوردي ٢/ ٢٣٠، والبغوي ٣/ ٢٣٦، وابن الجوزى ٣/ ٢١٤، و"الخازن" ٢/ ٢٤٠.
وقرأ (١) ابن عامر (٢): وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ رفعًا كلها، والنصب (٣) هو وجه الكلام لقوله تعالى: وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [فصلت: ٣٧] فكما أخبر في هذه الآية أنه خلق الشمس والقمر، كذلك يُحمل على خَلَقَ (٤) في قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ [الأعراف: ٥٤]، وحجة ابن عامر قوله: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا في اَلسَّمَاوَاتِ وَمَا في اَلأَرْضِ [الجاثية: ١٣]، ومما في السماء الشمس والقمر، فإذا أخبر بتسخيرها حسن الإخبار عنها به، كما أنك إذا قلت: ضربت زيدًا استقام أن تقول: زيد مضروب (٥).
وقوله تعالى: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، قال أصحاب المعاني: (لَهُ الْخَلْقُ لأنه خلقهم، وله أن يأمر فيهم بما أحب (٦)، وله الحكم في الخلق يأمرهم بما يشاء)، وعلى هذا [المعنى] (٧) الْأَمْرُ هاهنا الذي هو نقيض
(٢) قرأ ابن عامر: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بالرفع في الأربع، وقرأ الباقون بالنصب غير أن التاء مكسورة من مُسَخَّرَاتٍ لأنها تاء جمع المؤنث السالم. انظر: "السبعة" ص ٢٨٢ - ٢٨٣، و"المبسوط" ص ١٨١، و"التذكرة" ٢/ ٤١٩، و"التيسير" ص ١١٠، و"النشر" ٢/ ١٦٩.
(٣) وكذا قال مكي في "الكشف" ١/ ٤٦٥، ونقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" ١٤/ ١١٨.
(٤) انظر: "معاني الأخفش" ٢/ ٣٠٠، و"إعراب النحاس" ١/ ٦١٧.
(٥) هذا نص كلام أبي علي في "الحجة" ٤/ ٢٩ غير أنه لم يختر قراءة النصب. وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٤٠٨، و"إعراب القراءات" ١/ ١٨٥ - ١٨٦، و"الحجة" لابن خالويه ص ١٥٦ - ١٥٧، ولابن زنجلة ص ٢٨٤.
(٦) في (ب): (بما حب).
(٧) لفظ: (المعنى) ساقط من (ب).
النهي (١)، واستخرج سفيان بن عيينة من هذا أن كلام الله لا يجوز أن يكون مخلوقًا فقال: فرّق الله بين الخلق والأمر، فمن جمع بينهما فقد كفر) (٢) يعني: من جعل الأمر الذي هو قوله من جملة ما خلقه فقد كفر. وقال ابن عباس في تفسير قوله: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (يريد: لم يبق شيء، من وجد بعد ذلك شيئًا فليأخذه) (٣)، وهذا كلامه، ومعنى هذا: أن جميع (٤) ما في العالم لله تعالى، فالخلق له لأنه خلقهم، وجميع الأمور تجري بقضائه وقدره، وهو مجريها ومنشئها فلا يبقى بعد هذا لأحد شيء (٥).
(٢) "تفسير سفيان بن عيينة" ص ٢٤٩، وأخرجه الثعلبي في "الكشف" ص ١٩١/ أ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ١/ ٥٥٦، وزاد السيوطي في "الدر" ٣/ ١٧١ نسبته إلى ابن أبي حاتم، وذكره السمرقندي في "تفسيره" ١/ ٥٤٦، والبغوي ٣/ ٢٣٦، والقرطبي ٧/ ٢٢١، و"الخازن" ٢/ ٢٤٠، وفي "أصول السنة" لأبي بكر الحميدي في مجلة الحكمة ١/ ٢٨٦ قال سفيان بن عيينة: (القرآن كلام الله، ومن قال مخلوق فهو مبتدع لم نسمع أحدًا يقول هذا) اهـ. وقال النحاس في "معانيه" ٣/ ٤٢ - ٤٣ في تفسير الآية: (فرق بين الشيء المخلوق وبين الأمر وهو كلام، فدل أن كلامه غير مخلوق، وهو قول "كن") اهـ. وقال القرطبي في "تفسيره" ٧/ ٢٢٢: (وفي تفريقه بين الخلق والأمر دليل بيّن على فساد قول من قال يخلق القرآن؛ إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقًا لكان قد قال: ألا له الخلق والخلق وذلك عِيٌّ من الكلام ومستهجن ومستغث والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه) اهـ. وهذا هو الحق وأهل السنة والجماعة من السلف والخلف متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. انظر: "الإبانة" ص ٢١، و"الفتاوى" ١٢/ ٣٧، و"شرح الطحاوية" لابن أبي العز ص ١٣٧.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) في (أ): (أن جميع الخلق ما في العالم). ثم ضرب على لفظ (الخلق) وهو الأولى.
(٥) ذكره الخازن ٢/ ٢٤٠.
وقوله تعالى: تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قال الليث: (تفسير تَبَارَكَ اللَّهُ تمجيد وتعظيم) (١).
وقال أبو العباس: (تَبَارَكَ اللَّهُ ارتفع، والمتبارك المرتفع) (٢).
وقال ابن الأنباري: (تَبَارَكَ اللَّهُ باسمه يتبرك في كل شيء) (٣).
وقال الزجاج: (تَبَارَكَ تفاعل من البركة، كذلك يقول أهل اللغة) (٤).
وكذلك روي عن ابن عباس: (ومعنى: البركة الكثرة في كل خير، وقال في موضع آخر: (تَبَارَكَ تعالى وتعاظم) (٥).
وقال أصحاب المعاني: (تَبَارَكَ اللَّهُ أي: ثبت ما به استحق التعظيم فيما لم يزل ولا يزال) (٦)، وأصل الحرف من الثبوت والدوام، وقد ذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ [الأنعام: ٩٢].
(٢) "تهذيب اللغة" ١/ ٣١٩.
(٣) "تهذيب اللغة" ١/ ٣١٩، وفي "الزاهر" ١/ ٥٣، قال ابن الأنباري: (فيه قولان: قال قوم: معنى تبارك: تقدس أي: تطهير، والقدس عند العرب: الطهر، وقال قوم: معنى تبارك اسمك: تفاعل من البركة أي: البركة تُكسب وتنال بذكر اسمك) اهـ.
(٤) "تهذيب اللغة" ١/ ٣١٩، ولم أقف عليه في "معانيه".
(٥) "تهذيب اللغة" ١/ ٣١٩، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٥٤٦، والبغوي ٣/ ٢٣٦، وابن الجوزي ٣/ ٢١٤، و"الخازن" ٢/ ٢٤٠، و"تنوير المقباس" ٢/ ١٠٠.
(٦) ذكره البغوي ٣/ ٢٣٦، و"الخازن" ٢/ ٢٤٠ عن المحققين.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي