قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات [والأرض]، الآية.
احتج من خفف يُغْشِي، بقوله: فَأغْشَيْنَاهُمْ [يس: ٩].
واحتج من شدد بقوله: فَغَشَّاهَا مَا غشى [النجم: ٥٤]، وبأن التشديد يوجب التكرير، وكذلك هو فعل يتكرر ويتردد، وذلك أن كل يوم دخل ليله غير ليل اليوم الآخر، فالتغشية مكررة لمجيئها يوماً بعد يوم، وليلة بعد ليلة.
وقوله: حَثِيثاً. أي: طلباً حثيثاً.
والمعنى: إن سيدكم ومصلح أموركم، وهو الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وذلك يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة.
قال مجاهد: بدأ بخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان جمع الخلق يوم الجمعة، فلذلك سميت الجمعمة.
وقوله: يُغْشِي اليل النهار.
أي: يورد الليل على النهار فيلبسه إياه، حتى يذهب بضوئه، يطلبه طلباً حَثِيثاً، أي: سريعاً حتى يدركه.
أَلاَ لَهُ الخلق والأمر.
الخلق: المخلوق.
والأمر هو: كلامه الذي به تكون المخلوقات، فهو غير مخلوق، وصفة من صفاته، كعلمه وقدرته، لايشبه كلام المخلوقين، ولا يقدر فيه صوت ولا حروف؛ إنما هو كلام له صفة ذاته، فكما أنه تعالى لا شيء يشبهه، كذلك صفاته لا تشبهها صفة.
وقال ابن عباس: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة.
وقال كعب: الدنيا ستة آلاف سنة.
[وكذلك] قال وهب.
[و] قال النبي، ﷺ،: " أجلكم في أجل من ك ان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ".
وقال صلى الله عليه (وسلم) يوماً عند غروب الشمس: " (إن) مثل ما بقي من دنياكم في ما مضى، كهيئة يومكم هذا في مضى منه ".
وقال: " بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه: السبابة
والوسطى ".
قال ابن عباس: " سألت اليهود النبي (عليه السلام) عن خلق السموات والأرض فقال: " خلق الله الأرض يوم الأحد والأثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء ومنافعها، / وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة أيام، وهو قوله: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ، ثم قال: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر إلى ثلاثة ساعات منه. وخلق في أول ساعة من هذه الثلاث ساعات من حَيِي ومن يموت، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة منه خلق آدم (عليه السلام). وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها آخر ساعة "، ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: " ثم استوى على العرش " قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح، فغضب
النبي، ﷺ، غضباً شديداً، فنزل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ".
واللغوب: الإعياء.
واليهود، عليهم اللعنة، تتأول في السبت، أنه يوم الراحة، فلذلك جعلوه لأنفسهم راحة لا يتصرفون فيه، تعالى الله عن ذلك.
قال قتادة: أوحى الله في كل سماء أمرها: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها. فَخَلْقُ الشمس والقمر كان بعد [خَلْقِ) السموات والأرض.
قال النبي ( ﷺ) :" أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فجرى في تلك
الساعة بما هو كائن ".
قال ابن عباس: ثم رفع بخار الماء فَفَتَقَ منها السموات والأرض.
وقيل: أول شيء خلق الله النور والظلمة، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسود ومظلماً، وجعل النور نهاراً مبصراً.
فالسموات والأرض تحيط بهما البحار ويحيط بذلك كله الهيكل، ويحيط بالهيكل الكرسي.
قال وهب: الهيكل شيء من أطراف السموات يحدق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط.
وكان بين خلقه تعالى، القلم وخلقه سائر خلقه ألف عام. ولما أراد تالى أن يخلق السموات خلق أياماً ستة، فخلق واحداً فسماه الأحد، وثانياً فسماه: الاثنين،
وثالثاً فسماه: الثلاثاء، ورابعاً فسماه: الأربعاء، وخامسا فسماه: الخميس.
وكان ابتداء الخلق يوم السبت خلق فيه التربة.
وقيل: يوم الأحد.
وقد روي أن الله تعالى خلق البيت العتيق على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحته. قاله ابن عباس.
وكذلك روى مجاهد عن عبد الله بن عمرو.
أي: نزرا قليلاً لا فائدة فيه مع قلته، كذلك الكافر لا يقبل الهدى/ فإن قبل شيئاً فهو قليل لا فائدة فيه؛ لأنه على شك وقلة يقين. قال ذلك ابن
عباس وقتادة.
وقال السدي: هو مثل ضربه الله، تعالى للقلوب لما نزل عليها القرآن، كنزول المطر على الأرض، فقلب المؤمن كالأرض الطيبة القابلة للماء الذي تنتفع بما تقبل من الماء.
هذا معنى قوله: كذلك نُصَرِّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ [الأعراف: ٥٨]، أي: كما فعلنا فيما تقدم ذكره، مثله نصرف الآيات في هذا.
قوله: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ [الأعراف: ٥٩ - ٦١]، الآيات الثلاث.
لام لَقَدْ لام توكيد بمعنى القسم.
وقال ابن عباس: الليل خلق قبل النهار.
وقيل: [كان] النهار قبل الليل. دليل ذلك أن الله عالى ذكره، [كان] ولا ليل، ولا نهار، ولا شيء غيره؛ وأن نوره كان يضيء به كل شيء خلقه بعدما خلقه، حتى خلق الليل. فالضياء قبل الظلمة.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي