ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

ويقول الحق بعد ذلك : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( ٥٤ ) .
هنا ربوبية، وهنا ألوهية : " ربكم الله " ولا أحد يختلف في مسألة الربوبية لأن الحق يقول على ألسنة الكافرين والمشركين : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله.. ٣٨ [ سورة الزمر ] : وكذلك إن سألتهم من خلقهم ؟ سيقولون : الله، ولم يدّع أحد نفسه مسألة الربوبية، لأن الربوبية جاءت بنفع لهم، لكن الألوهية دخلت بمنهج هو : " افعل ولا تفعل " ؛ لأن التكليف من الإله الرب، والتكليف نعمة منه وهو لمصلحتكم أنتم، فلا شيء في التكليف يعود على الله. وفعلكم الحسن أو السيئ لن يعطي لله صفة لم تكن له ؛ لأن صفات الكمال أوجدكم. وإن كنتم أتم في شك في هذه الربوبية فربكم هو الله ولله المثل الأعلى منزه عن التشبيه، كأن تقول الأم للولد : قال لك أبوك لا تسهر خارج المنزل ليلا، فيتأبى الولد. وتنبه الأم ولدها : إن أباك هو الذي يأتي لك بالأكل والشرب، والملابس ويعطيك مصروف اليد.. الخ.
وقد ضربت هذا المثل لأشرح كيف أن المكلف هو الرازق ولا أحد سواه يرزق، ولذلك كان يجب أن تقبل تكاليفه لأنه سبق لك بالفضل بأن أعطى لك وسخر لك الدنيا. ومن قبل فصل الحق سبحانه لنا خلق الإنسان، ويفصل لنا هنا خلق السماء والأرض لأن ظرف وجود الإنسان هو السماء والأرض، وكل خيرات تأتي له من السماء ومن الأرض، وإذا كان الله قد علمنا كيف خلقنا، فهو يعلمنا كيف خلق السماوات والأرض، وخلق السماوات والأرض مسألتان ينشغل بهما العلم الحديث، فمن العلماء من قال : إن الأرض انفصلت عن الشمس، ومنهم من افترض نظريا أن الإنسان أصله قرد، ولهؤلاء نقول : هذا حكم منكم لا يقبل ؛ لأنكم لم تشهدوا الخلق، ولذلك فعليكم أن تسمعوا ممن خلق الخلق ليقول لكم كيف خلق الخلق.
هو سبحانه يقول : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( ٥٤ ) [ سورة الأعراف ] : والآية تتعرض للخلق الأول وهو السماوات والأرض كما أوضحت وهو الظرف الوجودي للإنسان الخليفة وطرأ الإنسان على هذا الكون بكل ما فيه من قوى ونواميس، فكأن الله أعد للخليفة قبل أن يُخلق الخليفة ليجيء الخليفة فيجد كونا مسخرا له ؛ ولا يستطيع أي كائن منه أن يخرج عن مراد الله في شيء إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ : ومعنى " خلق " أي أوجد شيئا كان معدوما وبرأه على غير مثال سبقه. فربنا سبحانه قد كل شيء بنظام دقيق غير مسبوق، هذا معنى الخلق، وكلمة " الخلق " مادتها الفاعلة هي : خالق، وسبحانه وتعالى يجمعهما مع أنه الخالق الوحيد فيقول : .. فتبارك الله أحسن الخالقين ١٤ [ سورة المؤمنون ] : إذن فهناك الخالق الأعلى وهو الله، ولكنه سبحانه أيضا أشرك خالقا غيره معه فقال جل وعلا : فتبارك الله أحسن الخالقين . كيف ؟ ؛ لأن الخلق إيجاد شيء معدوم، والذي صنع الميكرفون يقال خلقه، والذي صنع الكوب يقال خلقه، والذي صنع المصباح يقال خلقه، لأنه كان شيئا معدوما بذاته، فأوجده. لكن الفارق أن الخالق من البشر يوجد معدوما من موجود ولا يأتي بمادة جديدة ؛ فمن أخذ المواد الموجودة في الكون وصمم منها المصباح وصهر الرمل وفرغ الهواء داخل الزجاجة يقال له : خلق المصباح وأوجد معدوما من موجود.
لكن الخالق هو خير الخالقين لأنه يخلق من عدم ولم يحرم خلقه حين يوجدون شيئا معدوما من أن يوصف الواحد منهم بأنه خالق، وسبحانه حين خلق خلق من لا شيء، وأيضا فإنكم حين تخلفون أي صنعة تظل جامدة على هيئة صناعتها، فمن صنع الكوب من الرمل المصهور يظل الكوب هكذا، ولا نستطيع كما سبق أن قلت قديما أن نأتي بكوب ذكر، وكوب أنثى، ونضعهما معا في مكان ونقول لهما : أنجبا لنا أكوابا صغيرة.
لكن ما يخلقه ربنا يعطي له سر الحياة ويجعله بالقانون ينتج غيره وينمو ويكبر. إذن فهو أحسن الخالقين. والله سبحانه وتعالى يعطينا خير خبر خلقه السماوات والأرض. وأوضح سبحانه أن السماوات سبع وقد جاءت مجموعة. أما الأرض فجاء بها مفردة. لكنه جل وعلا قال في آية أخرى : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن . ( من الآية ١٢ سورة الطلاق ) : فكلما خلق سبع سماوات خلق سبع أراضين، ولماذا جاء بالسماء بالجمع وترك لفظ الأرض مفردا ؟.. لماذا لم يقل : سبع أراضين ؟ ؛ لأن كلمة " أراضين " ؟ ثقيلة على اللسان فتركها لثقلها وأتى بالسماوات مجموعة لخفتها ويسر نطقها.
والسماء هي كل ما علاك فأظلك، وهذا معنى السماء في اللغة. لكن هل السماء التي يريدها الله هي كل ما علاك ؟.. إن النجم هو ما علاك ؛ وقد يقال : إن الشمس علتك، والقمر علانا جميعا. ونلفت الانتباه هنا ونقول للناس الذين أحبوا أن يجعلوا السماوات هي الكواكب إنها ليست دائما ما علانا ؛ فالشمس تعلوا وقتا وتنخفض وقتا آخر. وكذلك القمر.
إذن فالوصف منحسر عن الشمس أو القمر بعض الوقت، ولا يصح أن يوصف أي منهما بأنه سماء دائما. وشيء آخر وهو أنهم حينما قالوا عن الكواكب التي كانت معروفة بأنها كواكب سبعة وقالوا : إن هذه هي السماء، إنهم بقولهم هذا قد وقعوا في خطأ. وأوضح الحق لنا بالعلم أن للشمس توابع أخرى. فمرة رأى العلماء ثمانية توابع، ومرة تسعة، وأخرى عشرة توابع، وهكذا انهدمت فكرة أن التوابع هي السماء، وبقيت السماء هي ما فوق هذا كله، والحق هو القائل : إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب٦ ( سورة الصافات ) : هذه إذن زينة للسماء الدنيا، والسماء التي يقصدها ربنا ليست هي التي يقولون عليها، بل السماء خلق آخر لا يمكن لأحد أن يصل إليه، وكان الجن قديما يقعدون منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا . وحدث هذا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم والحق هو من قال لنا ذلك. ولم يوضح الحق لنا حقيقة هذه السماء ونظامها، أي أن ربنا يريد لعقولنا أن تفهم هذا القدر فحسب، وسبحانه خالق السماء التي فوقنا وهو جل وعلا خالق أراضين. وأين هي هذه الأراضين ؟.. أهي أراضين مبعثرة ؟.
ولقد أثبت العلم أن كل مجرة من المجرات فيها مليون مجموعة شمسية، وكل مجموعة شمسية فيها أرض، إذن فهناك أراض عديدة، ونلحظ أن الحق سبحانه حين يتكلم عن الأرض فكل مخاطب بالأرض التي هو فيها، ولذلك قال بعض العلماء : إن في هذا العالم العالي توجد أراض، وكل أرض أرسل لهم الحق
رسولا.
والحق هو القائل : وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ( ٢٩ ) ( سورة الشورى ) : ويعطينا العلم كل يوم مزيدا من الاكتشافات. وهكذا تكون السماء هي كل ما علاك والأرض كل ما أقلك. وما دامت سبع سماوات والسماء الأولى فراغ كبير وفضاء، وتأتي بعدها السماء الثانية تُظل السماء الأولى، وكل سماء فيها أرض وفيها سماء أخرى. ونحن غير مكلفين بهذا، نحن مكلفون بأن نعلم أن الأرض التي نحن عليها مخلوقة لله.
والحق يقول : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. ٥٤ ( سورة الأعراف )،
وقوله : " في ستة أيام " وهو ظرف للخلق. واليوم نعرف أنه المدة من طلوع الشمس إلى الغروب ثم إلى الشروق ومدته أربع وعشرون ساعة. ولكن لابد لنا أن نعرف بعضا من اصطلاحات الحق القرآنية.
فهو يقول سبحانه وتعالى : .. سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ١٨ [ سورة سبأ ] : أي هناك ليل وهناك يوم، إذن فاليوم عند الحق غير اليوم عندنا ؛ لأننا نطلق على المدة الزمنية من طلوع الشمس إلى غروبها وشروقها من جديد. هكذا يكون اليوم في العرق الفلكي : من شروق إلى شروق، أو من غروب إلى غروب، وقول الحق : سيروا فيها ليالي وأياما آمنين : يعني أنه سبحانه قد جعل الليل قسما والنهار قسما، وهل كان هناك من عرف اليوم إلا بعد أن وجدت الشمس ؟.. وإذا كانت الشمس هي التي تحدد اليوم فكيف عرف اليوم قبلها وخصوصا أن السماء والأرض حينما خلقتا لم تكن هناك شمس أو كواكب ؟.. وعلينا هنا أن نعرف أن هذا هو تقديره سبحانه وقد خاطبنا به بعد أن عرفنا مدة اليوم. ألم تقرأ قول الله سبحانه : .. ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ٦٢ [ سورة مريم ] : وليس في الآخرة بكرة ولا عشي، إذن سبحانه قدر البكرة وقدر العشي، وكذلك " في ستة أيام " وتلك هي الآيات المحكمات في القرآن بالنسبة لزمن الخلق ؛ ستة أيام، ولكن آية التفصيل للخلق، جاءت في ظاهر الأمر أنها ثمانية أيام. اقرأ معي : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( ٩ ) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ( ١٠ ) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( ١١ ) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ في يومين.. ( ١٢ ) [ سورة فصلت ].
والظاهر من آية التفصيل أنها ثمانية أيام، أما آيات الإجمال فكلها تقول : إنها أيام، ومن النقطة داخل المستشرقون، وادعوا زورا أن القرآن فيه اختلاف، وحالوا أن يجعلوها ضجة عالية. ونقول : إنه سبحانه خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام كاملة بلا زيادة ولا نقصان، فالمراد أن ذلك حصل وتم في تتمة أربعة أيام ويضم إليها خلق السماوات في يومين فيكون عدد الأيام التي فيها خلق السماوات والأرض ستة أيام أو نحمل المفصل على المجمل، فحين يقول الحق : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. ٥٤ [ سورة الأعراف ]، فهل خلق الله يحتاج إلى علاج حتى يتطلب الزمن الممتد ؟.. إن ربنا يخلق ب " كن "، ونحن البشر نعالج على حسب قدرتنا لنخلق شيئا، وكل عملية نقوم بها تأخذ زمنا، لكن من يخلق بكلمة " كن " فالأمر بالنسبة له هين جدا سبحانه وتعالى لكن لماذا جاء بخبر الخلق قي ستة أيام ؟.
نعلم أن هناك فرقا بين ميلاد الشيء وبين تهيئته للميلاد. وكنا قد ضربنا المثل سابقا ولله المثل الأعلى بصانع الزبادي، الذي يأتي بأكواب اللبن الدافئ، ثم يضع في كل جزء منها جزءا من خميرة الزبادي، ويضع تلك الأكواب في الجو المناسب. فهل يؤدي هذا الرجل عملا لمدة اثنتي عشرة ساعة في كل كوب، وهي المدة اللازمة لتخمر الكوب ؟.. طبعا لا، فقد اكتفى بأن في كل كوب عناصر التخمر لتتفاعل بذاتها إلى

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير