سَأَلُوا الرَّدَّ إِلَى حَالٍ وَهُمْ فِي الْوَقْتِ عَلَى مِثْلِهَا بَلْ كَانُوا يَتُوبُونَ وَيُؤْمِنُونَ فِي الْحَالِ فَبَطَلَ مَا حُكِيَ عَنِ النَّجَّارِ وَطَبَقَتِهِ مِنْ أَنَّ التَّكْلِيفَ بَاقٍ عَلَى أَهْلِ الآخرة.
[سورة الأعراف (٧) : آية ٥٤]
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ] اعْلَمْ أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ مَدَارَ أَمْرِ الْقُرْآنِ عَلَى تَقْدِيرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ وَهِيَ التَّوْحِيدُ وَالنُّبُوَّةُ وَالْمَعَادُ وَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَدَارَ إِثْبَاتِ الْمَعَادِ عَلَى إِثْبَاتِ التَّوْحِيدِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ فَلَمَّا بَالَغَ اللَّه تَعَالَى فِي تَقْرِيرِ أَمْرِ الْمَعَادِ عَادَ إِلَى ذِكْرِ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَكَمَالِ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ لِتَصِيرَ تِلْكَ الدَّلَائِلُ مُقَرِّرَةً لِأُصُولِ التَّوْحِيدِ وَمُقَرِّرَةً أَيْضًا لِإِثْبَاتِ الْمَعَادِ وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: حَكَى الْوَاحِدِيُّ عَنِ اللَّيْثِ أَنَّهُ قَالَ: الْأَصْلُ فِي السِّتِّ وَالسِّتَّةِ سِدْسٍ وَسِدْسَةٍ أَبْدَلَ السِّينَ تَاءً وَلَمَّا كَانَ مَخْرَجُ الدَّالِ وَالتَّاءِ قَرِيبًا أَدْغَمَ أحدهما في الآخر واكتفى بالتاء عليه انك تَقُولُ فِي تَصْغِيرِ سِتَّةٍ سُدَيْسَةٌ وَكَذَلِكَ الْأَسْدَاسُ وَجَمِيعُ تَصَرُّفَاتِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ. واللَّه أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْخَلْقُ التَّقْدِيرُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فَخَلْقُ السموات وَالْأَرْضِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْدِيرِ حَالَةٍ/ مِنْ أَحْوَالِهِمَا وَذَلِكَ التَّقْدِيرُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً: أَوَّلُهَا: تَقْدِيرُ ذَوَاتِهِمَا بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ مَعَ أَنَّ الْعَقْلَ يَقْضِي بِأَنَّ الْأَزْيَدَ مِنْهُ وَالْأَنْقَصَ مِنْهُ جَائِزٌ فَاخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِقْدَارِهِ الْمُعَيَّنِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى افتقار خلق السموات وَالْأَرْضِ إِلَى الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ كَوْنَ هَذِهِ الْأَجْسَامِ مُتَحَرِّكَةً فِي الْأَزَلِ مُحَالٌ لِأَنَّ الْحَرَكَةَ انْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ فَالْحَرَكَةُ يَجِبُ كَوْنُهَا مَسْبُوقَةً بِحَالَةٍ أُخْرَى وَالْأَزَلُ يُنَافِي الْمَسْبُوقِيَّةَ فَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَرَكَةِ وَبَيْنَ الْأَزَلِ مُحَالًا.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: هَذِهِ الْأَفْلَاكُ وَالْكَوَاكِبُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: أَنَّ ذَوَاتَهَا كَانَتْ مَعْدُومَةً فِي الْأَزَلِ ثُمَّ وُجِدَتْ أَوْ يُقَالُ: إِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً لَكِنَّهَا كَانَتْ وَاقِفَةً سَاكِنَةً فِي الْأَزَلِ ثُمَّ ابْتَدَأَتْ بِالْحَرَكَةِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَتِلْكَ الْحَرَكَاتُ ابْتَدَأَتْ بِالْحُدُوثِ وَالْوُجُودِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ مَعَ جَوَازِ حُصُولِهَا قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اخْتِصَاصُ ابْتِدَاءِ تِلْكَ الْحَرَكَاتِ بِتِلْكَ الْأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ تَقْدِيرًا وَخَلْقًا وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ الِاخْتِصَاصُ إِلَّا بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قَادِرٍ وَمُخْتَارٍ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ أَجْرَامَ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ وَالْعَنَاصِرِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَجْزَاءٍ صَغِيرَةٍ وَلَا بُدَّ وَأَنْ يُقَالَ: إِنَّ بَعْضَ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ حصلت في داخل تلك الاجرام وَبَعْضُهَا حَصَلَتْ عَلَى سُطُوحِهَا فَاخْتِصَاصُ حُصُولِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ بِحَيِّزِهِ الْمُعَيَّنِ وَوَضْعِهِ الْمُعَيَّنِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِتَخْصِيصِ الْمُخَصِّصِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ بَعْضَ الْأَفْلَاكِ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ وَبَعْضُ الْكَوَاكِبِ حَصَلَ فِي الْمِنْطَقَةِ وَبَعْضُهَا فِي الْقُطْبَيْنِ فَاخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَوْضِعِهِ الْمُعَيَّنِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قَادِرٍ مُخْتَارٍ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَفْلَاكِ مُتَحَرِّكٌ إِلَى جِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَحَرَكَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الْبُطْءِ وَالسُّرْعَةِ وَذَلِكَ أَيْضًا خَلْقٌ وَتَقْدِيرٌ وَيَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمُخَصِّصِ الْقَادِرِ. وَسَادِسُهَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ مُخْتَصٌّ بِلَوْنٍ مَخْصُوصٍ مِثْلُ كُمُودَةِ زُحَلٍ وَدُرِّيَّةِ الْمُشْتَرِي وَحُمْرَةِ الْمِرِّيخِ وَضِيَاءِ الشَّمْسِ وَإِشْرَاقِ الزهرة وصفرة
عُطَارِدٍ وَزُهُورِ الْقَمَرِ وَالْأَجْسَامُ مُتَمَاثِلَةٌ فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ فَكَانَ اخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِلَوْنِهِ الْمُعَيَّنِ خَلْقًا وَتَقْدِيرًا وَدَلِيلًا عَلَى افْتِقَارِهَا إِلَى الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ. وَسَابِعُهَا: أَنَّ الْأَفْلَاكَ وَالْعَنَاصِرَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْأَجْزَاءِ الصَّغِيرَةِ وَوَاجِبُ الْوُجُودِ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَهِيَ مُمْكِنَةُ الْوُجُودِ فِي ذَوَاتِهَا فَكُلُّ مَا كَانَ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْمُؤَثِّرِ وَالْحَاجَةُ إِلَى الْمُؤَثِّرِ لَا تَكُونُ فِي حَالِ الْبَقَاءِ وَإِلَّا لَزِمَ تَكَوُّنُ الْكَائِنِ فَتِلْكَ الْحَاجَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا فِي زَمَانِ الْحُدُوثِ أَوْ فِي زَمَانِ الْعَدَمِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ كَوْنُ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ مُحْدَثَةً. وَمَتَى كَانَتْ مُحْدَثَةً كَانَ حُدُوثُهَا مُخْتَصًّا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ خَلْقٌ وَتَقْدِيرٌ/ وَيَدُلُّ عَلَى الْحَاجَةِ إِلَى الصَّانِعِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ. وَثَامِنُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْأَجْسَامَ لَا تَخْلُو عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَهُمَا مُحْدَثَانِ وَمَا لَا يخلو عن المحدث فهو محدث فَهَذِهِ الْأَجْسَامُ مُحْدَثَةٌ وَكُلُّ مُحْدَثٍ فَقَدْ حَصَلَ حُدُوثُهُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ خَلْقٌ وَتَقْدِيرٌ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ الصَّانِعِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ. وَتَاسِعُهَا: أَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ فَاخْتِصَاصُ بَعْضِهَا بِالصِّفَاتِ التي لأجلها كانت سموات وَكَوَاكِبَ وَالْبَعْضُ الْآخَرُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لِأَجْلِهَا كَانَتْ أَرْضًا أَوْ مَاءً أَوْ هَوَاءً أَوْ نَارًا لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ أَمْرًا جَائِزًا وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ وَتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَعَاشِرُهَا: أَنَّهُ كَمَا حَصَلَ الِامْتِيَازُ الْمَذْكُورُ بَيْنَ الْأَفْلَاكِ وَالْعَنَاصِرِ فَقَدْ حَصَلَ أَيْضًا مِثْلُ هَذَا الِامْتِيَازِ بَيْنَ الْكَوَاكِبِ وَبَيْنَ الْأَفْلَاكِ وَبَيْنَ الْعَنَاصِرِ بَلْ حَصَلَ مِثْلُ هَذَا الِامْتِيَازِ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الِافْتِقَارِ إِلَى الْفَاعِلِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلْقَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ فَإِذَا دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ وَجَبَ الْقَطْعُ بِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ حَصَلَتْ لِجِسْمٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّ حُصُولَ تِلْكَ الصِّفَةِ مُمْكِنٌ لِسَائِرِ الْأَجْسَامِ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ الْجِسْمِ الْمُعَيَّنِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الْمُعَيَّنَةِ خَلْقًا وَتَقْدِيرًا فَكَانَ دَاخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ واللَّه أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لِسَائِلٍ أَنْ يَسْأَلَ فَيَقُولَ: كَوْنُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَخْلُوقَةً فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ دَلِيلًا عَلَى إِثْبَاتِ الصَّانِعِ؟ وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ وَجْهَ دَلَالَةِ هَذِهِ الْمُحْدَثَاتِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ هُوَ حُدُوثُهَا أَوْ إِمْكَانُهَا أَوْ مَجْمُوعُهُمَا فَأَمَّا وُقُوعُ ذَلِكَ الْحُدُوثِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أَوْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلَا أَثَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْبَتَّةَ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَقْلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُدُوثَ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ جَائِزٌ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِأَنَّ هَذَا الْحُدُوثَ وَقَعَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ إِلَّا بِإِخْبَارِ مُخْبِرٍ صَادِقٍ وَذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْإِلَهِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ فَلَوْ جَعَلْنَا هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ مُقَدِّمَةً فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ لزم الدور. والثالث: ان حدوث السموات وَالْأَرْضِ دُفْعَةً وَاحِدَةً أَدَلُّ عَلَى كَمَالِ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ مِنْ حُدُوثِهَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.
إِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فَنَقُولُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَهَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فِي إِثْبَاتِ ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ؟ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ ما السبب في انه اقتصر هاهنا على ذكر السموات وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَذْكُرْ خَلْقَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ؟
السُّؤَالُ الْخَامِسُ: الْيَوْمُ إِنَّمَا يَمْتَازُ عَنِ اللَّيْلَةِ بِسَبَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا فَقَبْلَ خَلْقِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ كَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ الْأَيَّامِ؟
وَالسُّؤَالُ السَّادِسُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [الْقَمَرِ: ٥٠] وَهَذَا كَالْمُنَاقِضِ لِقَوْلِهِ: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.
والسؤال السابع: انه تعالى خلق السموات وَالْأَرْضَ فِي مُدَّةٍ مُتَرَاخِيَةٍ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي تَقْيِيدِهَا وَضَبْطِهَا بِالْأَيَّامِ السِّتَّةِ؟ فَنَقُولُ: أَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا فَالْأَمْرُ فِي الْكُلِّ سَهْلٌ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيُحْكِمُ مَا يُرِيدُ وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَكُلُّ شَيْءٍ صُنْعُهُ وَلَا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ. ثُمَّ نَقُولُ:
أَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: فَجَوَابُهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ذكر في أول التوراة انه خلق السموات وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَالْعَرَبُ كَانُوا يُخَالِطُونَ الْيَهُودَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ لَا تَشْتَغِلُوا بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ فَإِنَّ رَبَّكُمْ هُوَ الَّذِي سَمِعْتُمْ مِنْ عُقَلَاءِ الناس انه هو الذي خلق السموات وَالْأَرْضَ عَلَى غَايَةِ عَظَمَتِهَا وَنِهَايَةِ جَلَالَتِهَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.
وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ: فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى إِيجَادِ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَكِنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ حَدًّا مَحْدُودًا وَوَقْتًا مُقَدَّرًا فَلَا يُدْخِلُهُ فِي الْوُجُودِ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى إِيصَالِ الثَّوَابِ إِلَى الْمُطِيعِينَ فِي الْحَالِ وَعَلَى إِيصَالِ الْعِقَابِ إِلَى الْمُذْنِبِينَ فِي الْحَالِ إِلَّا انه يؤخر هما إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ فَهَذَا التَّأْخِيرُ لَيْسَ لِأَجْلِ أَنَّهُ تَعَالَى أَهْمَلَ الْعِبَادَ بَلْ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ خَصَّ كُلَّ شَيْءٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِسَابِقِ مَشِيئَتِهِ فَلَا يَفْتُرُ عَنْهُ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ ق: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ [ق: ٣٨ ٣٩] بَعْدَ أَنْ قَالَ قَبْلَ هَذَا: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٦ ٣٧] فَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُ قَدْ أَهْلَكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِهِ وَالْمُكَذِّبِينَ لِأَنْبِيَائِهِ مَنْ كَانَ أَقْوَى بَطْشًا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ إِلَّا أَنَّهُ أَمْهَلَ هَؤُلَاءِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ كَمَا خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ مُتَّصِلَةٍ لَا لِأَجْلِ لُغُوبٍ لَحِقَهُ فِي الْإِمْهَالِ وَلَمَّا بَيَّنَ بِهَذَا الطَّرِيقِ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ الْعَالَمَ لَا دُفْعَةً لَكِنْ قَلِيلًا قَلِيلًا قَالَ بعده: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ مِنَ الشِّرْكِ وَالتَّكْذِيبِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّه تَعَالَى وَفَوِّضِ الْأَمْرَ إِلَيْهِ وَهَذَا مَعْنَى مَا يَقُولُهُ الْمُفَسِّرُونَ مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ الْعَالَمَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ لِيُعَلِّمَ عِبَادَهُ الرِّفْقَ فِي الْأُمُورِ وَالصَّبْرَ فِيهَا وَلِأَجْلِ أَنْ لَا يَحْمِلَ الْمُكَلَّفُ تَأَخُّرَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عَلَى الْإِهْمَالِ وَالتَّعْطِيلِ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ ذَكَرَ فِيهِ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا أُحْدِثَ دُفْعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ انْقَطَعَ طَرِيقُ الْإِحْدَاثِ فَلَعَلَّهُ يَخْطُرُ/ بِبَالِ بَعْضِهِمْ أَنَّ ذَاكَ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّفَاقِ أَمَّا إِذَا حَدَثَتِ الْأَشْيَاءُ عَلَى التَّعَاقُبِ وَالتَّوَاصُلِ مَعَ كَوْنِهَا مُطَابِقَةً لِلْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ كَانَ ذَلِكَ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِهَا وَاقِعَةً بِإِحْدَاثِ مُحْدِثٍ قَدِيمٍ حَكِيمٍ وَقَادِرٍ عَلِيمٍ رَحِيمٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى يخلق العاقل أولا ثم يخلق السموات وَالْأَرْضَ بَعْدَهُ ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْعَاقِلَ إِذَا شَاهَدَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَحِينَ حُدُوثِ شَيْءٍ آخَرَ عَلَى التَّعَاقُبِ وَالتَّوَالِي كَانَ ذَلِكَ أَقْوَى لِعِلْمِهِ وَبَصِيرَتِهِ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ عَلَى عَقْلِهِ ظُهُورُ هَذَا الدَّلِيلِ لَحْظَةً بَعْدَ لَحْظَةٍ فَكَانَ ذَلِكَ أَقْوَى فِي إِفَادَةِ الْيَقِينِ.
وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ: فجوابه ان ذكر السموات وَالْأَرْضِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَشْتَمِلُ أَيْضًا عَلَى ذِكْرِ مَا بَيْنَهُمَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ سَائِرَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي سَائِرِ الْآيَاتِ فَقَالَ: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ وَقَالَ: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي
لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما
[الْفُرْقَانِ:
٥٨ ٥٩] وَقَالَ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ق: ٣٨].
وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ: فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ تَعَالَى خلق السموات وَالْأَرْضَ فِي مِقْدَارِ سِتَّةِ أَيَّامٍ وَهُوَ كَقَوْلِهِ:
لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مَرْيَمَ: ٦٢] وَالْمُرَادُ عَلَى مِقْدَارِ الْبُكْرَةِ وَالْعَشِيِّ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ لَا لَيْلَ ثَمَّ وَلَا نَهَارَ.
وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ: فَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [الْقَمَرِ: ٥٠] مَحْمُولٌ عَلَى إِيجَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الذَّوَاتِ وَعَلَى إِعْدَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لِأَنَّ إِيجَادَ الذَّاتِ الْوَاحِدَةِ وَإِعْدَامَ الْمَوْجُودِ الْوَاحِدِ لَا يَقْبَلُ التَّفَاوُتَ فَلَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ إِلَّا دُفْعَةً وَاحِدَةً وَأَمَّا الْإِمْهَالُ وَالْمُدَّةُ فَذَاكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا فِي الْمُدَّةِ.
وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّابِعُ: وَهُوَ تَقْدِيرُ هَذِهِ الْمُدَّةِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ فَهُوَ غَيْرُ وَارِدٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَحْدَثَهُ فِي مِقْدَارٍ آخَرَ مِنَ الزَّمَانِ لَعَادَ ذَلِكَ السُّؤَالُ وَأَيْضًا قَالَ بَعْضُهُمْ لِعَدَدِ السَّبْعَةِ شَرَفٌ عَظِيمٌ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي تَقْرِيرِ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قَالُوا: فَالْأَيَّامُ السِّتَّةُ فِي تَخْلِيقِ الْعَالَمِ وَالْيَوْمُ السَّابِعُ فِي حُصُولِ كَمَالِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ حَصَلَ الْكَمَالُ فِي الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ انْتَهَى.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْعُقَلَاءِ لِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يُرَبِّيكُمْ وَيُصْلِحُ شَأْنَكُمْ وَيُوَصِّلُ إِلَيْكُمُ الْخَيْرَاتِ وَيَدْفَعُ عَنْكُمُ الْمَكْرُوهَاتِ/ هُوَ الَّذِي بَلَغَ كَمَالَ قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ إِلَى حَيْثُ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْعَظِيمَةَ وَأَوْدَعَ فِيهَا أَصْنَافَ الْمَنَافِعِ وَأَنْوَاعَ الْخَيْرَاتِ وَمَنْ كَانَ لَهُ مُرَبٍّ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الْحِكْمَةِ وَالْقُدْرَةِ وَالرَّحْمَةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى غَيْرِهِ فِي طَلَبِ الْخَيْرَاتِ أَوْ يُعَوِّلَ عَلَى غَيْرِهِ فِي تَحْصِيلِ السَّعَادَاتِ؟ ثُمَّ فِي الْآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرَى فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنْتُمْ عَبِيدُهُ بَلْ قَالَ هُوَ رَبُّكُمْ وَدَقِيقَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا نَسَبَ نَفْسَهُ إِلَيْنَا سَمَّى نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِالرَّبِّ وَهُوَ مُشْعِرٌ بِالتَّرْبِيَةِ وَكَثْرَةِ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ مَنْ كَانَ لَهُ مُرَبٍّ مَعَ كَثْرَةِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِعِبَادَةِ غَيْرِهِ؟
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ كَوْنَهُ مُسْتَقِرًّا عَلَى الْعَرْشِ وَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ وُجُوهٌ عَقْلِيَّةٌ وَوُجُوهٌ نَقْلِيَّةٌ. أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فَأُمُورٌ: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَقِرًّا عَلَى الْعَرْشِ لَكَانَ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي الْعَرْشَ مُتَنَاهِيًا وَإِلَّا لَزِمَ كَوْنُ الْعَرْشِ دَاخِلًا فِي ذَاتِهِ وَهُوَ مُحَالٌ وَكُلُّ مَا كَانَ مُتَنَاهِيًا فَإِنَّ الْعَقْلَ يَقْضِي بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَصِيرَ أَزْيَدَ مِنْهُ أَوْ أَنْقَصَ مِنْهُ بِذَرَّةٍ وَالْعِلْمُ بِهَذَا الْجَوَازِ ضَرُورِيٌّ فَلَوْ كَانَ الْبَارِي تَعَالَى مُتَنَاهِيًا مِنْ بَعْضِ الْجَوَانِبِ لَكَانَتْ ذَاتُهُ قَابِلَةٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اخْتِصَاصُهُ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وَتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُحْدَثٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ عَلَى الْعَرْشِ لَكَانَ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي الْعَرْشَ مُتَنَاهِيًا وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مُحْدَثًا وَهَذَا مُحَالٌ فَكَوْنُهُ عَلَى الْعَرْشِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُحَالًا. وَثَانِيهَا: لَوْ كَانَ فِي مَكَانٍ وَجِهَةٍ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَنَاهٍ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَنَاهِيًا فِي كُلِّ الْجِهَاتِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَنَاهِيًا مِنْ بَعْضِ الْجِهَاتِ دُونَ الْبَعْضِ وَالْكُلُّ بَاطِلٌ فَالْقَوْلُ بِكَوْنِهِ فِي الْمَكَانِ وَالْحَيِّزِ بَاطِلٌ قَطْعًا.
بَيَانُ فَسَادِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ ذَاتُهُ مُخَالِطَةً لِجَمِيعِ الْأَجْسَامِ السُّفْلِيَّةِ وَالْعُلْوِيَّةِ وَأَنْ تَكُونَ
مُخَالِطَةً لِلْقَاذُورَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ وَتَعَالَى اللَّه عَنْهُ وَأَيْضًا فعلى هذا التقدير: تكون السموات حَالَّةً فِي ذَاتِهِ وَتَكُونُ الْأَرْضُ أَيْضًا حَالَّةً فِي ذَاتِهِ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الشَّيْءُ الذي هو محل السموات إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ عَيْنَ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْأَرَضِينَ أَوْ غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ الاول لزم كون السموات وَالْأَرَضِينَ حَالَّتَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ امْتِيَازٍ بَيْنَ مَحَلَّيْهِمَا أَصْلًا وَكُلُّ حَالَّيْنِ حَلَّا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا: مُمْتَازًا عن الآخر فلزم ان يقال: السموات لَا تَمْتَازُ عَنِ الْأَرَضِينَ فِي الذَّاتِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: لَزِمَ أَنْ تَكُونَ ذَاتُ اللَّه تَعَالَى مُرَكَّبَةً مِنَ الْأَجْزَاءِ وَالْأَبْعَاضِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ ذَاتَ اللَّه تَعَالَى إِذَا كَانَتْ حَاصِلَةً فِي جَمِيعِ الْأَحْيَازِ وَالْجِهَاتِ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: الشَّيْءُ الَّذِي حَصَلَ فَوْقُ هُوَ/ عَيْنُ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ تَحْتُ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الذَّاتُ الْوَاحِدَةُ قَدْ حَصَلَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً فِي أَحْيَازٍ كَثِيرَةٍ وَإِنْ عُقِلَ ذَلِكَ فَلِمَ لَا يُعْقَلُ أَيْضًا حُصُولُ الْجِسْمِ الْوَاحِدِ فِي أَحْيَازٍ كَثِيرَةٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً؟ وَهُوَ مُحَالٌ فِي بَدِيهَةِ الْعَقْلِ. وَأَمَّا إِنْ قِيلَ: الشَّيْءُ الَّذِي حَصَلَ فَوْقُ غَيْرُ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ تَحْتُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ حُصُولُ التَّرْكِيبِ وَالتَّبْعِيضِ فِي ذَاتِ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ مُحَالٌ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُ تَعَالَى مُتَنَاهٍ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ. فَنَقُولُ: كُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِي بَدِيهَةِ الْعَقْلِ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اخْتِصَاصُهُ بِالْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ تَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُحْدَثٌ وَأَيْضًا فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمَحْدُودُ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ قَدِيمًا أَزَلِيًّا فَاعِلًا لِلْعَالَمِ فَلِمَ لَا يُعْقَلُ أَنْ يُقَالَ: خَالِقُ الْعَالَمِ هُوَ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ أَوْ كَوْكَبٌ آخَرُ وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ.
وأما القسم الثالث: وهو أن يقال: أنه مُتَنَاهٍ مِنْ بَعْضِ الْجَوَانِبِ وَغَيْرُ مُتَنَاهٍ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ فَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ الْجَانِبَ الَّذِي صَدَقَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُتَنَاهِيًا غَيْرُ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ غَيْرَ مُتَنَاهٍ وَإِلَّا لَصَدَقَ النَّقِيضَانِ مَعًا وَهُوَ مُحَالٌ. وَإِذَا حَصَلَ التَّغَايُرُ لَزِمَ كَوْنُهُ تَعَالَى مُرَكَّبًا مِنَ الْأَجْزَاءِ وَالْأَبْعَاضِ وَثَانِيهَا: أَنَّ الْجَانِبَ الَّذِي صَدَقَ حُكْمُ الْعَقْلِ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ مُتَنَاهِيًا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلْجَانِبِ الَّذِي صَدَقَ حُكْمُ الْعَقْلِ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَنَاهٍ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُتَسَاوِيَةَ فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ كُلُّ مَا صَحَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا صَحَّ عَلَى الْبَاقِي وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَالْجَانِبُ لِلَّذِي هُوَ غَيْرُ مُتَنَاهٍ يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ مُتَنَاهِيًا وَالْجَانِبُ الَّذِي هُوَ مُتَنَاهٍ يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ غَيْرَ مُتَنَاهٍ وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ النُّمُوُّ وَالذُّبُولُ وَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ وَالتَّفَرُّقُ وَالتَّمَزُّقُ عَلَى ذَاتِهِ مُمْكِنًا وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُحْدَثٌ وَذَلِكَ عَلَى الْإِلَهِ الْقَدِيمِ مُحَالٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ حَاصِلًا فِي الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَنَاهٍ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَنَاهِيًا مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ أَوْ كَانَ مُتَنَاهِيًا مِنْ بَعْضِ الْجِهَاتِ، وَغَيْرَ مُتَنَاهٍ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ فَثَبَتَ أَنَّ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ بَاطِلَةٌ فَوَجَبَ أَنْ نَقُولَ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ تَعَالَى حَاصِلًا فِي الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ مُحَالٌ.
وَالْبُرْهَانُ الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ الْبَارِي تَعَالَى حَاصِلًا فِي الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ لَكَانَ الْأَمْرُ الْمُسَمَّى بِالْجِهَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مُشَارًا إِلَيْهِ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ فَكَانَ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ تَعَالَى حَاصِلًا فِي الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ بَاطِلًا.
أَمَّا بَيَانُ فَسَادِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُسَمَّى بِالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ مَوْجُودًا مُشَارًا إِلَيْهِ فحينئذ/ يكون
المسمى بالحيز والجهة بعدا وامتداد وَالْحَاصِلُ فِيهِ أَيْضًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي نَفْسِهِ بُعْدٌ وَامْتِدَادٌ وَإِلَّا لَامْتَنَعَ حُصُولُهُ فِيهِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ تَدَاخُلُ الْبُعْدَيْنِ وَذَلِكَ مُحَالٌ لِلدَّلَائِلِ الْكَثِيرَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَيْضًا فَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْبَارِي تَعَالَى قَدِيمًا أَزَلِيًّا كَوْنُ الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ أَزَلِيَّيْنِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ فِي الْأَزَلِ مَوْجُودٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ سِوَى اللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ بَاطِلٌ.
وَأَمَّا بَيَانُ فَسَادِ الْقِسْمِ الثَّانِي: فَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَدَمَ نَفْيٌ مَحْضٌ وَعَدَمٌ صِرْفٌ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِغَيْرِهِ وَجِهَةً لِغَيْرِهِ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ حَاصِلًا فِي جِهَةٍ فَجِهَتُهُ مُمْتَازَةٌ فِي الْحِسِّ عَنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْجِهَةُ عَدَمًا مَحْضًا لَزِمَ كَوْنُ الْعَدَمِ الْمَحْضِ مُشَارًا إِلَيْهِ بِالْحِسِّ وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ حَاصِلًا فِي حَيِّزٍ وَجِهَةٍ لَأَفْضَى إِلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ الْبَاطِلَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بِهِ بَاطِلًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا أَيْضًا وَارِدٌ عَلَيْكُمْ فِي قَوْلِكُمْ: الْجِسْمُ حَاصِلٌ فِي الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ.
فَنَقُولُ: نَحْنُ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ لَا نُثْبِتُ لِلْجِسْمِ حَيِّزًا وَلَا جِهَةً أَصْلًا الْبَتَّةَ بِحَيْثُ تَكُونُ ذات الجسم نافذة فِيهِ وَسَارِيَةً فِيهِ بَلِ الْمَكَانُ عِبَارَةٌ عَنِ السَّطْحِ الْبَاطِنِ مِنَ الْجِسْمِ الْحَاوِي الْمُمَاسِّ لِلسَّطْحِ الظَّاهِرِ مِنَ الْجِسْمِ الْمَحْوِيِّ وَهَذَا الْمَعْنَى مُحَالٌ بِالِاتِّفَاقِ فِي حَقِّ اللَّه تَعَالَى فَسَقَطَ هَذَا السُّؤَالُ.
الْبُرْهَانُ الرَّابِعُ: لَوِ امْتَنَعَ وُجُودُ الْبَارِي تَعَالَى إِلَّا بِحَيْثُ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ لَكَانَتْ ذَاتُ الْبَارِي مُفْتَقِرَةً فِي تَحَقُّقِهَا وَوُجُودِهَا إِلَى الْغَيْرِ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ يَنْتُجُ أَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ وُجُودُ الْبَارِي إِلَّا فِي الْجِهَةِ وَالْحَيِّزِ لَزِمَ كَوْنُهُ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا مُحَالًا كَانَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ حُصُولِهِ فِي الْحَيِّزِ مُحَالًا.
بَيَانُ الْمَقَامِ الْأَوَّلِ: هُوَ أَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ حُصُولُ ذَاتِ اللَّه تَعَالَى إِلَّا إِذَا كَانَ مُخْتَصًّا بِالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ. فَنَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّ الْحَيِّزَ وَالْجِهَةَ أَمْرٌ مُغَايِرٌ لِذَاتِ اللَّه تَعَالَى فَحِينَئِذٍ تَكُونُ ذَاتُ اللَّه تَعَالَى مُفْتَقِرَةً فِي تَحَقُّقِهَا إِلَى أَمْرٍ يُغَايِرُهَا وَكُلُّ مَا افْتَقَرَ تَحَقُّقُهُ إِلَى مَا يُغَايِرُهُ كَانَ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّ الْوَاجِبَ لِذَاتِهِ هُوَ الَّذِي لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ غَيْرِهِ عَدَمُهُ وَالْمُفْتَقِرَ إِلَى الْغَيْرِ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ غَيْرِهِ عَدَمُهُ فَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ لِذَاتِهِ مُفْتَقِرًا إِلَى الْغَيْرِ لَزِمَ أَنْ يَصْدُقَ عَلَيْهِ النَّقِيضَانِ وَهُوَ مُحَالٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ وَجَبَ حُصُولُهُ فِي الْحَيِّزِ لَكَانَ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ لَا وَاجِبًا لِذَاتِهِ وَذَلِكَ مُحَالٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْحُجَّةِ: هُوَ أَنَّ الْمُمْكِنَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ. أَمَّا عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُ الْخَلَاءَ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَيِّزَ وَالْجِهَةَ تَتَقَرَّرُ مَعَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ يَنْفِي الْخَلَاءَ فَلَا لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُتَمَكِّنٍ يَحْصُلُ فِي الْجِهَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِتِلْكَ الْجِهَةِ مِنْ مُتَمَكِّنٍ مُعَيَّنٍ/ بَلْ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ فَقَدْ كَفَى فِي كَوْنِهِ شَاغِلًا لِذَلِكَ الْحَيِّزِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَوْ كَانَ ذَاتُ اللَّه تَعَالَى مُخْتَصَّةً بِجِهَةٍ وَحَيِّزٍ لَكَانَتْ ذَاتُهُ مُفْتَقِرَةً إِلَى ذَلِكَ الْحَيِّزِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْحَيِّزُ غَنِيًّا تَحَقُّقُهُ عَنْ ذَاتِ اللَّه تَعَالَى وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ: الْحَيِّزُ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ غَنِيٌّ عَنْ غَيْرِهِ وَأَنْ يُقَالَ ذَاتُ اللَّه تَعَالَى مُفْتَقِرَةٌ فِي ذَاتِهَا وَاجِبَةٌ بِغَيْرِهَا وَذَلِكَ يَقْدَحُ فِي قَوْلِنَا: الْإِلَهُ تَعَالَى وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْحَيِّزُ وَالْجِهَةُ لَيْسَ بِأَمْرٍ مَوْجُودٍ حَتَّى يُقَالَ ذَاتُ اللَّه تَعَالَى مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ وَمُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ فَنَقُولُ: هَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يُقَالَ إِنَّ ذَاتَ اللَّه تَعَالَى مُخْتَصَّةٌ بِجِهَةِ فَوْقٍ فَإِنَّمَا نُمَيِّزُ بِحَسَبِ الْحِسِّ بَيْنَ تِلْكَ الْجِهَةِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْجِهَاتِ وَمَا حَصَلَ فِيهِ الِامْتِيَازُ بِحَسَبِ الْحِسِّ كَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ عَدَمٌ مَحْضٌ وَنَفْيٌ صِرْفٌ؟ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ مِثْلُهُ فِي كُلِّ الْمَحْسُوسَاتِ وَذَلِكَ يُوجِبُ حُصُولَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ كُلِّ الْمَحْسُوسَاتِ وَذَلِكَ لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ.
الْبُرْهَانُ الْخَامِسُ: فِي تَقْرِيرِ أَنَّهُ تَعَالَى يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ مُخْتَصًّا بِالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ نَقُولُ: الْحَيِّزُ وَالْجِهَةُ لَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا الْفَرَاغُ الْمَحْضُ وَالْخَلَاءُ الصِّرْفُ وَصَرِيحُ الْعَقْلِ يَشْهَدُ أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ مَفْهُومٌ وَاحِدٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ الْبَتَّةَ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَتِ الْأَحْيَازُ بِأَسْرِهَا مُتَسَاوِيَةً فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَوْ كَانَ الْإِلَهُ تَعَالَى مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ، لَكَانَ مُحْدَثًا وَهَذَا مُحَالٌ فَذَاكَ مُحَالٌ وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الْأَحْيَازَ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهَا بِأَسْرِهَا مُتَسَاوِيَةٌ فَلَوِ اخْتَصَّ ذَاتُ اللَّه تَعَالَى بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ لَكَانَ اخْتِصَاصُهُ بِهِ لِأَجْلِ أَنَّ مُخَصِّصًا خَصَّصَهُ بِذَلِكَ الْحَيِّزِ وَكُلُّ مَا كَانَ فِعْلًا لِفَاعِلٍ مُخْتَارٍ فَهُوَ مُحْدَثٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اخْتِصَاصُ ذَاتِ اللَّه بِالْحَيِّزِ الْمُعَيَّنِ مُحْدَثًا فَإِذَا كَانَتْ ذَاتُهُ مُمْتَنِعَةَ الْخُلُوِّ عَنِ الْحُصُولِ فِي الْحَيِّزِ وَثَبَتَ أَنَّ الْحُصُولَ فِي الْحَيِّزِ مُحْدَثٌ وَبَدِيهَةُ الْعَقْلِ شَاهِدَةٌ بِأَنَّ مَا لَا يَخْلُو عَنِ الْمُحْدَثِ فَهُوَ مُحْدَثٌ، لَزِمَ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاصِلًا فِي الْحَيِّزِ لَكَانَ مُحْدَثًا وَلَمَّا كَانَ هَذَا مُحَالًا كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا مُحَالًا.
فَإِنْ قَالُوا: الْأَحْيَازُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ أَنَّ بَعْضَهَا عُلْوٌ وَبَعْضَهَا سُفْلٌ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَاتُ اللَّه تَعَالَى مُخْتَصَّةٌ بِجِهَةِ عُلْوٍ؟ فَنَقُولُ: هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ كَوْنَ بَعْضِ تِلْكَ الْجِهَاتِ علو وَبَعْضِهَا سُفْلًا أَحْوَالٌ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُجُودِ هَذَا الْعَالَمِ فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْعَالَمُ مُحْدَثًا كَانَ قَبْلَ حُدُوثِهِ لَا عُلْوٌ وَلَا سُفْلٌ وَلَا يَمِينٌ وَلَا يَسَارٌ بَلْ لَيْسَ إِلَّا الْخَلَاءُ الْمَحْضُ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْإِلْزَامُ الْمَذْكُورُ بِتَمَامِهِ وَأَيْضًا لَوْ جَازَ الْقَوْلُ بِأَنَّ ذَاتَ اللَّه تَعَالَى مُخْتَصَّةٌ بِبَعْضِ الْأَحْيَازِ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ؟ فَلِمَ لَا يُعْقَلُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ بَعْضَ الْأَجْسَامِ اخْتَصَّ بِبَعْضِ الْأَحْيَازِ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ؟ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَذَلِكَ اسْمٌ لَا يَكُونُ قَابِلًا لِلْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فَلَا يَجْرِي فِيهِ/ دَلِيلُ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَالْقَائِلُ بِهَذَا الْقَوْلِ لَا يُمْكِنُهُ إِقَامَةُ الدَّلَالَةِ عَلَى حُدُوثِ كُلِّ الْأَجْسَامِ بِطَرِيقِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالْكَرَّامِيَّةُ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّ تَجْوِيزَ هَذَا يُوجِبُ الْكُفْرَ. واللَّه أَعْلَمُ.
الْبُرْهَانُ السَّادِسُ: لَوْ كَانَ الْبَارِي تَعَالَى حَاصِلًا فِي الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ لَكَانَ مُشَارًا إِلَيْهِ بِحَسَبِ الْحِسِّ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ لَا يَقْبَلَ الْقِسْمَةَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَإِمَّا أَنْ يَقْبَلَ الْقِسْمَةَ.
فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ تَعَالَى يُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِحَسَبِ الْحِسِّ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ الْمِقْدَارِيَّةَ الْبَتَّةَ كَانَ ذَلِكَ نُقْطَةً لَا تَنْقَسِمُ وَجَوْهَرًا فَرْدًا لَا يَنْقَسِمُ فَكَانَ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الصِّغَرِ وَالْحَقَارَةِ وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ تَعَالَى فِي الْجِهَةِ يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ تَعَالَى كَذَلِكَ وَالَّذِينَ يُثْبِتُونَ كَوْنَهُ تَعَالَى فِي الْجِهَةِ يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ تَعَالَى فِي الصِّغَرِ وَالْحَقَارَةِ مِثْلَ الجزء الذي لا يتجزى فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا بِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ بَاطِلٌ وَأَيْضًا فَلَوْ جَازَ ذَلِكَ فَلِمَ لَا يُعْقَلُ أَنْ يُقَالَ: إِلَهُ الْعَالَمِ جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ رَأْسِ إِبْرَةٍ أَوْ ذَرَّةٍ مُلْتَصِقَةٍ بِذَنَبِ قَمْلَةٍ أَوْ نَمْلَةٍ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ يُفْضِي إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّ صَرِيحَ الْعَقْلِ يُوجِبُ تَنْزِيهَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ فَنَقُولُ: كُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَذَاتُهُ مُرَكَّبَةٌ وَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهُوَ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ وَكُلُّ مُمْكِنٍ لِذَاتِهِ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْمُوجِدِ وَالْمُؤَثِّرِ وَذَلِكَ عَلَى الْإِلَهِ الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ مُحَالٌ.
الْبُرْهَانُ السَّابِعُ: ان نقول: كل ذات قائمة بنفسها مشارا إِلَيْهَا بِحَسَبِ الْحِسِّ فَهُوَ مُنْقَسِمٌ وَكُلُّ مُنْقَسِمٍ مُمْكِنٌ فَكُلُّ ذَاتٍ قَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا مُشَارٌ إِلَيْهَا بِحَسَبِ الْحِسِّ فَهُوَ مُمْكِنٌ. فَمَا لَا يَكُونُ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ بَلْ كَانَ وَاجِبًا لِذَاتِهِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ مُشَارًا إِلَيْهِ بِحَسَبِ الْحِسِّ.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: فَلِأَنَّ كُلَّ ذَاتٍ قَائِمَةٍ بِالنَّفْسِ مُشَارٌ إِلَيْهَا بِحَسَبِ الْحِسِّ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ جَانِبُ يَمِينِهِ مُغَايِرًا لِجَانِبِ يَسَارِهِ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُنْقَسِمٌ.
وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مُنْقَسِمٍ مُمْكِنٌ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ غَيْرُهُ وَكُلُّ مُنْقَسِمٍ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى غَيْرِهِ وَكُلُّ مُفْتَقِرٍ إِلَى غَيْرِهِ فَهُوَ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُقَدِّمَةَ الْأُولَى مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا الدَّلِيلِ إِنَّمَا تَتِمُّ بِنَفْيِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ.
الْبُرْهَانُ الثَّامِنُ: لَوْ ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعَالَى فِي حَيِّزٍ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْعَرْشِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ أَوْ أَصْغَرَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ كَانَ مُنْقَسِمًا لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي مِنْهُ يُسَاوِي الْعَرْشَ يَكُونُ مُغَايِرًا لِلْقَدْرِ الَّذِي يَفْضُلُ عَلَى الْعَرْشِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ كَانَ مُنْقَسِمًا لِأَنَّ الْعَرْشَ مُنْقَسِمٌ وَالْمُسَاوِي لِلْمُنْقَسِمِ مُنْقَسِمٌ وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ أَعْظَمَ مِنْهُ وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَمَّا عِنْدَنَا/ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عِنْدَ الْخُصُومِ فَلِأَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ كَوْنَ غَيْرِ اللَّه تَعَالَى أَعْظَمَ مِنَ اللَّه تَعَالَى فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ بَاطِلٌ.
الْبُرْهَانُ التَّاسِعُ: لَوْ كَانَ الْإِلَهُ تَعَالَى حَاصِلًا فِي الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَنَاهِيًا مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ فَالْقَوْلُ بِكَوْنِهِ حَاصِلًا فِي الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ بَاطِلٌ أَيْضًا. أَمَّا بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَنَاهِيًا مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ فَلِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَحْصُلُ فَوْقَهُ أَحْيَازٌ خَالِيَةٌ وَهُوَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الْجِسْمِ فِي ذَلِكَ الْحَيِّزِ الْخَالِي وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَوْ خَلَقَ هُنَاكَ عَالَمًا آخَرَ لَحَصَلَ هُوَ تَعَالَى تَحْتَ الْعَالَمِ وَذَلِكَ عِنْدَ الْخَصْمِ مُحَالٌ وَأَيْضًا فَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُقَ مِنَ الْجَوَانِبِ السِّتَّةِ لِتِلْكَ الذَّاتِ أَجْسَامًا أُخْرَى وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَتَحْصُلُ ذَاتُهُ فِي وَسَطِ تِلْكَ الْأَجْسَامِ مَحْصُورَةً فِيهَا وَيَحْصُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَجْسَامِ الِاجْتِمَاعُ تَارَةً وَالِافْتِرَاقُ أُخْرَى وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى اللَّه تَعَالَى مُحَالٌ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَنَاهٍ مِنْ بَعْضِ الْجِهَاتِ فَهَذَا أَيْضًا مُحَالٌ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْبُرْهَانِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ وُجُودُ بُعْدٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ وَأَيْضًا فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ مُتَنَاهٍ لِأَنَّ كُلَّ دَلِيلٍ يُذْكَرُ فِي تَنَاهِي الْأَبْعَادِ فَإِنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ يَنْتَقِضُ بِذَاتِ اللَّه تَعَالَى فَإِنَّهُ عَلَى مَذْهَبِ الْخَصْمِ بُعْدٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَا يَرْضَى بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا أَنَّهُ يُسَاعِدُ عَلَى الْمَعْنَى وَالْمَبَاحِثُ الْعَقْلِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَعَانِي لَا عَلَى الْمُشَاحَّةِ فِي الْأَلْفَاظِ.
الْبُرْهَانُ الْعَاشِرُ: لَوْ كَانَ الْإِلَهُ تَعَالَى حَاصِلًا فِي الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ لَكَانَ كَوْنُهُ تَعَالَى هُنَاكَ إِمَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ حُصُولِ جِسْمٍ آخَرَ هُنَاكَ أَوْ لَا يَمْنَعَ وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ حَاصِلًا فِي الْحَيِّزِ.
أَمَّا فَسَادُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: فَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ كَوْنُهُ هُنَاكَ مَانَعًا مِنْ حُصُولِ جِسْمٍ آخَرَ هُنَاكَ كَانَ هُوَ تَعَالَى مُسَاوِيًا
لِسَائِرِ الْأَجْسَامِ فِي كَوْنِهِ حَجْمًا مُتَحَيِّزًا مُمْتَدًّا فِي الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ مَانِعًا مِنْ حُصُولِ غَيْرِهِ فِي الْحَيِّزِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَإِذَا ثَبَتَ حُصُولُ الْمُسَاوَاةِ فِي ذَلِكَ الْمَفْهُومِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سائر الأجسام فاما ان يحصل بينه وبينهما مُخَالَفَةٌ مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ أَوْ لَا يَحْصُلَ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِذَا حَصَلَتِ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَ ذَاتِهِ تَعَالَى وَبَيْنَ ذَوَاتِ الْأَجْسَامِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَالْمُخَالَفَةُ مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ كَانَ مَا بِهِ الْمُشَارَكَةُ مُغَايِرًا لِمَا بِهِ الْمُخَالَفَةُ وَحِينَئِذٍ تَكُونُ ذَاتُ الْبَارِي تَعَالَى مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَذَيْنِ الِاعْتِبَارَيْنِ وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ فَوَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ مُمْكِنُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ هَذَا خُلْفٌ. وَالثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ مَا بِهِ الْمُشَارَكَةُ وَهُوَ طَبِيعَةُ الْبُعْدِ وَالِامْتِدَادِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِمَا بِهِ الْمُخَالَفَةُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَالًّا فِيهِ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَا مَحَلَّ لَهُ وَلَا حَالًّا فِيهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِمَا بِهِ/ الْمُخَالَفَةُ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ طَبِيعَةُ الْبُعْدِ وَالِامْتِدَادِ هِيَ الْجَوْهَرُ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ وَالْأُمُورُ الَّتِي حَصَلَتْ بِهَا الْمُخَالَفَةُ أَعْرَاضٌ وَصِفَاتٌ وَإِذَا كَانَتِ الذَّوَاتُ مُتَسَاوِيَةً فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ فَكُلُّ مَا صَحَّ عَلَى بَعْضِهَا وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ عَلَى الْبَوَاقِي فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ كُلُّ مَا صَحَّ عَلَى جَمِيعِ الْأَجْسَامِ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ عَلَى الْبَارِي تَعَالَى وَبِالْعَكْسِ وَيَلْزَمَ مِنْهُ صِحَّةُ التَّفَرُّقِ وَالتَّمَزُّقِ وَالنُّمُوِّ وَالذُّبُولِ وَالْعُفُونَةِ وَالْفَسَادِ عَلَى ذَاتِ اللَّه تَعَالَى وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: مَا بِهِ الْمُخَالَفَةُ مَحَلٌّ وَذَاتٌ وَمَا بِهِ الْمُشَارَكَةُ حَالٌّ وَصِفَةٌ فَهَذَا مُحَالٌ لِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَكُونُ طَبِيعَةُ الْبُعْدِ وَالِامْتِدَادِ صِفَةً قَائِمَةً بِمَحَلٍّ وَذَلِكَ الْمَحَلُّ إِنْ كَانَ لَهُ أَيْضًا اخْتِصَاصٌ بِحَيِّزِ وَجِهَةٍ وَجَبَ افْتِقَارُهُ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ لَا إِلَى نِهَايَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَوْجُودًا مُجَرَّدًا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ وَالْإِشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ الْبَتَّةَ وَطَبِيعَةُ الْبُعْدِ وَالِامْتِدَادِ وَاجِبَةُ الِاخْتِصَاصِ بِالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ وَالْإِشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ وَحُلُولُ مَا هَذَا شَأْنُهُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ يُوجِبُ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمَا حَالًّا فِي الْآخَرِ وَلَا مَحَلًّا لَهُ فَنَقُولُ: فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَبَايِنًا عَنِ الْآخَرِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَتَكُونُ ذَاتُ اللَّه تَعَالَى مُسَاوِيَةً لِسَائِرِ الذَّوَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ لِأَنَّ مَا بِهِ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ ذَاتِهِ وَبَيْنَ سَائِرِ الذَّوَاتِ لَيْسَتْ حَالَّةً فِي هَذِهِ الذَّوَاتِ وَلَا مَحَالًّا لَهَا بَلْ أُمُورٌ أَجْنَبِيَّةٌ عَنْهَا فَتَكُونُ ذَاتُ اللَّه تَعَالَى مُسَاوِيَةً لِذَوَاتِ الْأَجْسَامِ فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْإِلْزَامُ الْمَذْكُورُ فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ ذَاتَ اللَّه تَعَالَى مُخْتَصَّةٌ بِالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ جِسْمٍ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْحَيِّزِ يُفْضِي إِلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْبَاطِلَةِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ بَاطِلًا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَاتَ اللَّه تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَصَّةً بِالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ جِسْمٍ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ فَهَذَا أَيْضًا مُحَالٌ لِأَنَّهُ يُوجِبُ كَوْنَ ذَاتِهِ مُخَالِطَةً سَارِيَةً فِي ذَاتِ ذَلِكَ الْجِسْمِ الَّذِي يَحْصُلُ فِي ذَلِكَ الْجَنْبِ وَالْحَيِّزِ وَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ مُحَالٌ وَلِأَنَّهُ لَوْ عُقِلَ ذَلِكَ فَلِمَ لَا يُعْقَلُ حُصُولُ الْأَجْسَامِ الْكَثِيرَةِ فِي الْحَيِّزِ الْوَاحِدِ؟ فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ حَاصِلًا فِي حَيِّزٍ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَمْنَعَ حُصُولَ جِسْمٍ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْحَيِّزِ أَوْ لَا يَمْنَعَ وَثَبَتَ فَسَادُ الْقِسْمَيْنِ فَكَانَ الْقَوْلُ بِحُصُولِهِ تَعَالَى فِي الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ مُحَالًا بَاطِلًا.
الْبُرْهَانُ الْحَادِي عَشَرَ: عَلَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ حُصُولُ ذَاتِ اللَّه تَعَالَى فِي الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ هُوَ أَنْ نَقُولَ: لَوْ كَانَ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وَجِهَةٍ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَحَرَّكَ عَنْ تِلْكَ الْجِهَةِ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ/ ذلك والقسمان
بَاطِلَانِ فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ حَاصِلًا فِي الْحَيِّزِ.
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَحَرَّكَ فَنَقُولُ: هَذِهِ الذَّاتُ لَا تَخْلُو عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَهُمَا مُحْدَثَانِ لِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ السُّكُونَ جَائِزٌ عَلَيْهِ وَالْحَرَكَةَ جَائِزَةٌ عَلَيْهِ وَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْمُؤَثِّرُ فِي تِلْكَ الْحَرَكَةِ وَلَا فِي ذَلِكَ السُّكُونِ ذَاتُهُ وَإِلَّا لَامْتَنَعَ طَرَيَانُ ضِدِّهِ وَالتَّقْدِيرُ: هُوَ تَقْدِيرُ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَحَرَّكَ وَأَنْ يَسْكُنَ وَإِذَا كان كذلك ان الْمُؤَثِّرُ فِي حُصُولِ تِلْكَ الْحَرَكَةِ وَذَلِكَ السُّكُونِ هُوَ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ وَكُلُّ مَا كَانَ فِعْلًا لِفَاعِلٍ مُخْتَارٍ فَهُوَ مُحْدَثٌ فَالْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ مُحْدَثَانِ وما لا يخلو عن المحدث فهو محدث فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ ذَاتُهُ تَعَالَى مُحْدَثَةً وَهُوَ مُحَالٌ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِحَيِّزِ وَجِهَةٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَحَرَّكَ عَنْهُ فَهَذَا أَيْضًا مُحَالٌ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ كَالزَّمِنِ الْمُقْعَدِ الْعَاجِزِ وَذَلِكَ نَقْصٌ وَهُوَ عَلَى اللَّه مُحَالٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْتَنِعْ فَرْضُ مَوْجُودٍ حَاصِلٍ فِي حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ بِحَيْثُ يَكُونُ حُصُولُهُ فِيهِ وَاجِبَ التَّقَرُّرِ مُمْتَنِعَ الزَّوَالِ لَمْ يَبْعُدْ أَيْضًا فَرْضُ أَجْسَامٍ أُخْرَى مُخْتَصَّةٍ بَأَحْيَازٍ مُعَيَّنَةٍ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ خُرُوجُهَا عَنْ تِلْكَ الْأَحْيَازِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُ حُدُوثِهَا بِدَلِيلِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالْكَرَّامِيَّةُ يُسَاعِدُونَ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ حَاصِلًا فِي الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْأَجْسَامِ فِي كَوْنِهِ مُتَحَيِّزًا شَاغِلًا لِلْأَحْيَازِ ثُمَّ نُقِيمُ الدَّلَالَةَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى أَنَّ الْمُتَحَيِّزَاتِ لَمَّا كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً فِي صِفَةِ التَّحَيُّزِ وَجَبَ كَوْنُهَا مُتَسَاوِيَةً فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ خَالَفَ بَعْضُهَا بَعْضًا لَكَانَ مَا بِهِ الْمُخَالَفَةُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَالًّا فِي الْمُتَحِيِّزِ أَوْ مَحَلًّا لَهُ أَوْ لَا حَالًّا وَلَا مَحَلًّا وَالْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ بَاطِلَةٌ عَلَى مَا سَبَقَ وَإِذَا كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ فَكَمَا أَنَّ الْحَرَكَةَ صَحِيحَةٌ عَلَى هَذِهِ الْأَجْسَامِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهَا عَلَى ذَاتِ اللَّه تَعَالَى وَحِينَئِذٍ يَتِمُّ الدَّلِيلُ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: لَوْ كَانَ تَعَالَى مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ لَكُنَّا إِذَا فَرَضْنَا وُصُولَ إِنْسَانٍ إِلَى طَرَفِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَحَاوَلَ الدُّخُولَ فِيهِ فَإِمَّا أَنْ يُمْكِنَهُ النُّفُوذُ وَالدُّخُولُ فِيهِ أَوْ لَا يُمْكِنَهُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَانَ كَالْهَوَاءِ اللَّطِيفِ وَالْمَاءِ اللَّطِيفِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَابِلًا لِلتَّفَرُّقِ وَالتَّمَزُّقِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَانَ صُلْبًا كَالْحَجَرِ الصَّلْدِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ النُّفُوذُ فِيهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ مُخْتَصًّا بِمَكَانٍ وَحَيِّزٍ وَجِهَةٍ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا سَهْلَ التَّفَرُّقِ وَالتَّمَزُّقِ كَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صُلْبًا جَاسِئًا كَالْحَجَرِ الصَّلْدِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ إِثْبَاتَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ فِي حَقِّ الْإِلَهِ كُفْرٌ وَإِلْحَادٌ فِي صِفَتِهِ وَأَيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِمَكَانٍ وَجِهَةٍ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نُورَانِيًّا وَظُلْمَانِيًّا وَجُمْهُورُ الْمُشَبِّهَةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ نُورٌ مَحْضٌ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ النُّورَ شَرِيفٌ وَالظُّلْمَةَ خَسِيسَةٌ إِلَّا أَنَّ/ الِاسْتِقْرَاءَ الْعَامَّ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ النُّورَانِيَّةَ رَقِيقَةٌ لَا تَمْنَعُ النَّافِذَ مِنَ النُّفُوذِ فِيهَا وَالدُّخُولِ فِيمَا بَيْنَ أَجْزَائِهَا وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَإِنَّ ذَلِكَ الَّذِي يُنْفَذُ فِيهِ يُمْتَزَجُ بِهِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ أَجْزَائِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ جَارِيًا مَجْرَى الْهَوَاءِ الَّذِي يَتَّصِلُ تَارَةً وَيَنْفَصِلُ أُخْرَى وَيَجْتَمِعُ تَارَةً وَيَتَمَزَّقُ أُخْرَى وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِالْمُسْلِمِ أَنْ يَصِفَ إِلَهَ الْعَالَمِ بِهِ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ خَالِقَ الْعَالَمِ هُوَ بَعْضُ هَذِهِ الرِّيَاحِ الَّتِي تَهُبُّ؟ أَوْ يُقَالَ إِنَّهُ بَعْضُ هَذِهِ الْأَنْوَارِ وَالْأَضْوَاءِ الَّتِي تُشْرِقُ عَلَى الْجُدْرَانِ؟ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّفَرُّقَ وَالتَّمَزُّقَ وَلَا يَتَمَكَّنُ النَّافِذُ مِنَ النُّفُوذِ فَإِنَّهُ يُرْجِعُ حَاصِلُ كَلَامِهِمْ إِلَى أَنَّهُ حَصَلَ فَوْقَ الْعَالَمِ جَبَلٌ صُلْبٌ شَدِيدٌ وَإِلَهُ هَذَا الْعَالَمِ هُوَ ذَلِكَ الْجَبَلُ الصُّلْبُ الْوَاقِفُ فِي الْحَيِّزِ الْعَالِي وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَ لَهُ طَرَفٌ وَحَدٌّ وَنِهَايَةٌ فَهَلْ حَصَلَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ عُمْقٌ وَثُخْنٌ أَوْ
لَمْ يَحْصُلْ؟ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ظَاهِرُهُ غَيْرَ بَاطِنِهِ وَبَاطِنُهُ غَيْرَ ظَاهِرِهِ فَكَانَ مُؤَلَّفًا مُرَكَّبًا مِنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ مَعَ أَنَّ بَاطِنَهُ غَيْرُ ظَاهِرِهِ وَظَاهِرَهُ غَيْرُ بَاطِنِهِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَاتُهُ سَطْحًا رَقِيقًا فِي غَايَةِ الرِّقَّةِ مِثْلَ قِشْرَةِ الثُّومِ بَلْ أَرَقُّ مِنْهُ أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ وَالْعَاقِلُ لَا يَرْضَى أَنْ يَجْعَلَ مِثْلَ هَذَا الشَّيْءِ إِلَهَ الْعَالَمِ فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَهُ تَعَالَى فِي الْحَيِّزِ والجهة يقضي إِلَى فَتْحِ بَابِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْبَاطِلَةِ الْفَاسِدَةِ.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الْعَالَمُ كُرَةٌ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ إِلَهُ الْعَالَمِ حَاصِلًا فِي جِهَةِ فَوْقُ.
أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ مُسْتَقْصًى فِي عِلْمِ الْهَيْئَةِ إِلَّا أَنَّا نَقُولُ أَنَّا إِذَا اعْتَبَرْنَا كُسُوفًا قَمَرِيًّا حَصَلَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ بِالْبِلَادِ الْغَرْبِيَّةِ كَانَ عَيْنُ ذَلِكَ الْكُسُوفِ حَاصِلًا فِي الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَعَلِمْنَا أَنَّ أَوَّلَ اللَّيْلِ بِالْبِلَادِ الغريبة هُوَ بِعَيْنِهِ أَوَّلُ النَّهَارِ بِالْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ مُسْتَدِيرَةً مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَأَيْضًا إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى الْجَانِبِ الشَّمَالِيِّ فَكُلَّمَا كَانَ تَوَغُّلُنَا أَكْثَرَ كَانَ ارْتِفَاعُ الْقُطْبِ الشَّمَالِيِّ أَكْثَرَ وَبِمِقْدَارِ مَا يَرْتَفِعُ الْقُطْبُ الشَّمَالِيُّ يَنْخَفِضُ الْقُطْبُ الْجَنُوبِيُّ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ مُسْتَدِيرَةٌ مِنَ الشَّمَالِ إِلَى الْجَنُوبِ وَمَجْمُوعُ هَذَيْنِ الِاعْتِبَارَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ كُرَةٌ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِذَا فَرَضْنَا إِنْسَانَيْنِ وَقَفَ أَحَدُهُمَا عَلَى نُقْطَةِ الْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ عَلَى نُقْطَةِ الْمَغْرِبِ صَارَ أَخْمَصُ قَدَمَيْهِمَا مُتَقَابِلَيْنِ وَالَّذِي هُوَ فَوْقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِهِمَا يَكُونُ تَحْتُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّانِي: فَلَوْ فرضنا ان له الْعَالَمِ حَصَلَ فِي الْحَيِّزِ الَّذِي فَوْقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِهِمَا فَذَلِكَ الْحَيِّزُ بِعَيْنِهِ هُوَ تَحْتُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّانِي وَبِالْعَكْسِ فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ حَصَلَ فِي حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ لَكَانَ ذَلِكَ الْحَيِّزُ تَحْتًا/ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَقْوَامٍ مُعَيَّنِينَ وَكَوْنُهُ تَعَالَى تَحْتَ أَهْلِ الدُّنْيَا مُحَالٌ بِالِاتِّفَاقِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ حَاصِلًا فِي حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ وَأَيْضًا فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ فَوْقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَقْوَامٍ كَانَ تَحْتُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَقْوَامٍ آخَرِينَ وَكَانَ يَمِينًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ثَالِثٍ وَشِمَالًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَابِعٍ وَقُدَّامَ الْوَجْهِ بالنسبة الى خامس وخلق الرَّأْسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَادِسٍ فَإِنَّ كَوْنَ الْأَرْضِ كُرَةً يُوجِبُ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ حُصُولَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ بِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ مُحَالٌ فِي حَقِّ إِلَهِ الْعَالَمِ إِلَّا إِذَا قِيلَ إِنَّهُ مُحِيطٌ بِالْأَرْضِ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ فَيَكُونُ هَذَا فَلَكًا مُحِيطًا بِالْأَرْضِ وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ هُوَ بَعْضُ الْأَفْلَاكِ الْمُحِيطَةِ بِهَذَا الْعَالَمِ وَذَلِكَ لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ واللَّه أَعْلَمُ.
الْحُجَّةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَوْ كَانَ إِلَهُ الْعَالَمِ فَوْقَ الْعَرْشِ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمَاسًّا لِلْعَرْشِ أَوْ مُبَايِنًا لَهُ بِبُعْدٍ مُتَنَاهٍ أَوْ بِبُعْدٍ غَيْرِ متناه والأقسام الثلاثة باطلة فالقول بكونه فرق الْعَرْشِ بَاطِلٌ.
أَمَّا بَيَانُ فَسَادِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: فَهُوَ أَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَصِيرَ مُمَاسًّا لِلْعَرْشِ كَانَ الطَّرَفُ الْأَسْفَلُ مِنْهُ مُمَاسًّا لِلْعَرْشِ فَهَلْ يَبْقَى فَوْقَ ذَلِكَ الطَّرَفِ مِنْهُ شَيْءٌ غَيْرُ مُمَاسٍّ لِلْعَرْشِ أَوْ لَمْ يَبْقَ؟ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالشَّيْءُ الَّذِي مِنْهُ صَارَ مُمَاسًّا لِطَرَفِ الْعَرْشِ غَيْرُ مَا هُوَ مِنْهُ غَيْرُ مُمَاسٍّ لِطَرَفِ الْعَرْشِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَاتُ اللَّه تَعَالَى مُرَكَّبًا مِنَ الْأَجْزَاءِ وَالْأَبْعَاضِ فَتَكُونُ ذَاتُهُ فِي الْحَقِيقَةِ مُرَكَّبَةً مِنْ سُطُوحٍ مُتَلَاقِيَةٍ مَوْضُوعَةٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَذَلِكَ هُوَ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الْأَجْزَاءِ وَالْأَبْعَاضِ وَذَلِكَ مُحَالٌ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَاتُ اللَّه تَعَالَى سَطْحًا رَقِيقًا لَا ثُخْنَ لَهُ أَصْلًا ثُمَّ يَعُودُ التَّقْسِيمُ فِيهِ وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ حَصَلَ لَهُ تَمَدُّدٌ فِي الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَالْقُدَّامِ وَالْخَلْفِ كَانَ مُرَكَّبًا مِنَ الْأَجْزَاءِ وَالْأَبْعَاضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَمَدُّدٌ وَلَا ذَهَابٌ فِي الْأَحْيَازِ بِحَسَبِ الْجِهَاتِ السِّتَّةِ كَانَ ذَرَّةً مِنَ الذرات وجزءا لا يتجزى مخلوطا بالهباءات وَذَلِكَ لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَالَمِ بُعْدٌ مُتَنَاهٍ فَهَذَا أَيْضًا مُحَالٌ لِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَرْتَفِعَ الْعَالَمُ مِنْ حَيِّزِهِ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي فِيهَا حَصَلَتْ ذَاتُ اللَّه تَعَالَى إِلَى أَنْ يَصِيرَ الْعَالَمُ مُمَاسًّا لَهُ وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْمُحَالُ الْمَذْكُورُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى مُبَايِنٌ لِلْعَالَمِ بَيْنُونَةً غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ فَهَذَا أَظْهَرُ فَسَادًا مِنْ كُلِّ الْأَقْسَامِ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ مُبَايِنًا لِلْعَالَمِ كَانْتِ الْبَيْنُونَةُ بَيْنَهُ تَعَالَى وَبَيْنَ غَيْرِهِ مَحْدُودَةً بِطَرَفَيْنِ وَهُمَا ذَاتُ اللَّه تَعَالَى وَذَاتُ الْعَالَمِ وَمَحْصُورًا بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَاصِرَيْنِ وَالْبُعْدُ الْمَحْصُورُ بَيْنَ الْحَاصِرَيْنِ وَالْمَحْدُودُ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ وَالطَّرَفَيْنِ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ بُعْدًا غَيْرَ مُتَنَاهٍ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ تَعَالَى مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعَالَمِ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ فَتَقَدُّمُهُ عَلَى الْعَالَمِ مَحْصُورٌ بَيْنَ/ حَاصِرَيْنِ وَمَحْدُودٌ بَيْنَ حَدَّيْنِ وَطَرَفَيْنِ أَحَدُهُمَا: الْأَزَلُ، وَالثَّانِي: أَوَّلُ وُجُودِ الْعَالَمِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ كَوْنِ هَذَا التَّقَدُّمِ مَحْصُورًا بَيْنَ حَاصِرَيْنِ أَنْ يكون لهذا التقدم أول وبداية فكذا هاهنا وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ فِي دَفْعِ هَذَا الْإِشْكَالِ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا هُوَ مَحْضُ الْمُغَالَطَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْأَزَلُ عِبَارَةً عَنْ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَزَمَانٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعَالَمِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْعَالَمِ فَإِنَّ كُلَّ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ يُفْرَضُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى الْوَقْتِ الْآخَرِ يَكُونُ مَحْدُودًا بَيْنَ حَدَّيْنِ وَمَحْصُورًا بَيْنَ حَاصِرَيْنِ وَذَلِكَ لَا يُعْقَلُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَنَاهٍ بَلِ الْأَزَلُ عِبَارَةٌ عَنْ نَفْيِ الْأَوَّلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَارَ بِهِ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ الْبَتَّةَ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِمَّا أَنْ نَقُولَ أَنَّهُ تَعَالَى مُخْتَصٌّ بِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَحَاصِلٌ فِي حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ وَإِمَّا أَنْ لَا نَقُولَ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ كَانَ الْبُعْدُ الْحَاصِلُ بَيْنَ ذَيْنِكَ الطَّرَفَيْنِ مَحْدُودًا بَيْنَ ذَيْنِكَ الْحَدَّيْنِ وَالْبُعْدُ الْمَحْصُورُ بَيْنَ الْحَاصِرَيْنِ لَا يُعْقَلُ كَوْنُهُ غَيْرَ مُتَنَاهٍ لِأَنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ مُتَنَاهٍ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الْحَدِّ وَالْقَطْعِ وَالطَّرَفِ وَكَوْنُهُ مَحْصُورًا بَيْنَ الْحَاصِرَيْنِ مَعْنَاهُ إِثْبَاتُ الْحَدِّ وَالْقَطْعِ وَالطَّرَفِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يُوجِبُ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَنَظِيرُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّا مَتَى عَيَّنَّا قَبْلَ الْعَالَمِ وَقْتًا مُعَيَّنًا كَانَ الْبُعْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَقْتِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ أَوَّلُ الْعَالَمِ بُعْدًا مُتَنَاهِيًا لَا مَحَالَةَ. وَأَمَّا إِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمِ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ وَغَيْرُ حَاصِلٍ فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَهَذَا عِبَارَةٌ عَنْ نَفْيِ كَوْنِهِ فِي الْجِهَةِ لِأَنَّ كَوْنَ الذَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ حَاصِلَةً لَا فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي نَفْسِهَا قَوْلٌ مُحَالٌ وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ الْأَزَلُ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ بَلْ إِشَارَةٌ إِلَى نَفْيِ الْأَوَّلِيَّةِ وَالْحُدُوثِ فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْهَيْثَمِ تَخْيِيلٌ خَالٍ عَنِ التَّحْصِيلِ.
الْحُجَّةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ أَنَّ الْمَكَانَ: إِمَّا السَّطْحُ الْبَاطِنُ مِنَ الْجِسْمِ الْحَاوِي وَإِمَّا الْبُعْدُ الْمُجَرَّدُ وَالْفَضَاءُ الْمُمْتَدُّ وَلَيْسَ يُعْقَلُ فِي الْمَكَانِ قِسْمٌ ثَالِثٌ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنْ كَانَ الْمَكَانُ هُوَ الْأَوَّلَ فَنَقُولُ: ثَبَتَ أَنَّ أَجْسَامَ الْعَالَمِ مُتَنَاهِيَةٌ فَخَارِجُ الْعَالَمِ الْجُسْمَانِيِّ لَا خَلَاءَ وَلَا مَلَاءَ وَلَا مَكَانَ وَلَا جِهَةَ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَحْصُلَ الْإِلَهُ فِي مَكَانٍ خَارِجَ الْعَالَمِ وَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ هُوَ الثَّانِيَ: فَنَقُولُ طَبِيعَةُ الْبُعْدِ طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مُتَشَابِهَةٌ فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ فَلَوْ حَصَلَ الْإِلَهُ فِي حَيِّزٍ لَكَانَ مُمْكِنَ الْحُصُولِ فِي سَائِرِ الْأَحْيَازِ وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مُحْدَثًا بالدلائل
الْمَشْهُورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَيَلْزَمُ كَوْنُ الْإِلَهِ مُحْدَثًا وَهُوَ مُحَالٌ فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ تَعَالَى حَاصِلٌ فِي الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ/ قَوْلٌ بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ الِاعْتِبَارَاتِ:
الْحُجَّةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: وَهِيَ حُجَّةٌ اسْتِقْرَائِيَّةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ لَطِيفَةٌ جِدًّا وَهِيَ أَنَّا رَأَيْنَا أَنَّ الشَّيْءَ كُلَّمَا كَانَ حُصُولُ مَعْنَى الْجِسْمِيَّةِ فِيهِ أَقْوَى وَأَثْبَتَ كَانَتِ الْقُوَّةُ الْفَاعِلِيَّةُ فِيهِ أَضْعَفَ وَأَنْقَصَ وَكُلَّمَا كَانَ حُصُولُ مَعْنَى الْجِسْمِيَّةِ فِيهِ أَقَلَّ وَأَضْعَفَ كَانَ حُصُولُ الْقُوَّةِ الْفَاعِلِيَّةِ أَقْوَى وَأَكْمَلَ وَتَقْرِيرُهُ أَنْ نَقُولَ وَجَدْنَا الْأَرْضَ أَكْثَفَ الْأَجْسَامِ وَأَقْوَاهَا حَجْمِيَّةً فَلَا جَرَمَ لَمْ يَحْصُلْ فِيهَا إِلَّا خَاصَّةَ قَبُولِ الْأَثَرِ فَقَطْ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْأَرْضِ الْخَالِصَةِ تَأْثِيرٌ فِي غَيْرِهِ فَقَلِيلٌ جِدًّا. وَأَمَّا الْمَاءُ فَهُوَ أَقَلُّ كَثَافَةً وَحَجْمِيَّةً مِنَ الْأَرْضِ فَلَا جَرَمَ حَصَلَتْ فِيهِ قُوَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ فَإِنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ بِطَبْعِهِ إِذَا اخْتَلَطَ بِالْأَرْضِ أَثَّرَ فِيهَا أَنْوَاعًا مِنَ التَّأْثِيرَاتِ. وَأَمَّا الْهَوَاءُ فَإِنَّهُ أَقَلُّ حَجْمِيَّةً وَكَثَافَةً مِنَ الْمَاءِ فَلَا جَرَمَ كَانَ أَقْوَى عَلَى التَّأْثِيرِ مِنَ الْمَاءِ فَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَكْمُلُ إِلَّا بِالنَّفَسِ وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلرُّوحِ إِلَّا الْهَوَاءُ الْمُسْتَنْشَقُ وَأَمَّا النَّارُ فَإِنَّهَا أَقَلُّ كَثَافَةً مِنَ الْهَوَاءِ فَلَا جَرَمَ كَانَتْ أَقْوَى الْأَجْسَامِ الْعُنْصُرِيَّةِ عَلَى التَّأْثِيرِ فَبِقُوَّةِ الْحَرَارَةِ يَحْصُلُ الطَّبْخُ وَالنُّضْجُ وَتَكُونُ الْمَوَالِيدُ الثَّلَاثَةُ أَعْنِي الْمَعَادِنَ وَالنَّبَاتَ وَالْحَيَوَانَ. وَأَمَّا الْأَفْلَاكُ فَإِنَّهَا أَلْطَفُ مِنَ الْأَجْرَامِ الْعُنْصُرِيَّةِ فَلَا جَرَمَ كَانَتْ هِيَ الْمُسْتَوْلِيَةَ عَلَى مِزَاجِ الْأَجْرَامِ الْعُنْصُرِيَّةِ بَعْضِهَا الْبَعْضِ وَتَوْلِيدِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَصْنَافِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ تِلْكَ التَّمْزِيجَاتِ فَهَذَا الِاسْتِقْرَاءُ الْمُطَّرِدُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ كُلَّمَا كَانَ أَكْثَرَ حَجْمِيَّةً وَجِرْمِيَّةً وَجِسْمِيَّةً كَانَ أَقَلَّ قُوَّةً وَتَأْثِيرًا وَكُلَّمَا كَانَ أَقْوَى قُوَّةً وَتَأْثِيرًا كَانَ أَقَلَّ حَجْمِيَّةً وَجِرْمِيَّةً وَجِسْمِيَّةً وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ أَفَادَ هَذَا الِاسْتِقْرَاءُ ظَنًّا قَوِيًّا أَنَّهُ حَيْثُ حَصَلَ كَمَالُ الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْإِحْدَاثِ وَالْإِبْدَاعِ لَمْ يَحْصُلْ هُنَاكَ الْبَتَّةَ مَعْنَى الْحَجْمِيَّةِ وَالْجِرْمِيَّةِ وَالِاخْتِصَاصِ بِالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ بَحْثًا اسْتِقْرَائِيًّا إِلَّا أَنَّهُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ التَّامِّ شَدِيدُ الْمُنَاسَبَةِ لِلْقَطْعِ بِكَوْنِهِ تَعَالَى مُنَزَّهًا عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْمَوْضِعِ وَالْحَيِّزِ. وباللَّه التَّوْفِيقُ. فَهَذِهِ جُمْلَةُ الْوُجُوهِ الْعَقْلِيَّةِ فِي بَيَانِ كَوْنِهِ تَعَالَى مُنَزَّهًا عَنِ الِاخْتِصَاصِ بِالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ.
أَمَّا الدَّلَائِلُ السَّمْعِيَّةُ فَكَثِيرَةٌ: أَوَّلُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الْإِخْلَاصِ: ١] فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ أَحَدًا وَالْأَحَدُ مُبَالَغَةٌ فِي كَوْنِهِ وَاحِدًا. وَالَّذِي يَمْتَلِئُ مِنْهُ الْعَرْشُ وَيَفْضُلُ عَنِ الْعَرْشِ يَكُونُ مُرَكَّبًا مِنْ أَجْزَاءٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا فَوْقَ أَجْزَاءِ الْعَرْشِ وَذَلِكَ يُنَافِي كَوْنَهُ أَحَدًا وَرَأَيْتُ جَمَاعَةً مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ عِنْدَ هَذَا الْإِلْزَامِ يَقُولُونَ إِنَّهُ تَعَالَى ذَاتٌ وَاحِدَةٌ وَمَعَ كَوْنِهَا وَاحِدَةً حَصَلَتْ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَحْيَازِ دُفْعَةً وَاحِدَةً. قَالُوا: فَلِأَجْلِ أَنَّهُ حَصَلَ دُفْعَةً وَاحِدَةً فِي جَمِيعِ الْأَحْيَازِ امْتَلَأَ الْعَرْشُ مِنْهُ. فَقُلْتُ حَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ حُصُولُ الذَّاتِ الشَّاغِلَةِ لِلْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ فِي أَحْيَازٍ كَثِيرَةٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً/ وَالْعُقَلَاءُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِفَسَادِ ذَلِكَ مِنْ أَجَلِّ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ وَأَيْضًا فَإِنْ جَوَّزْتُمْ ذَلِكَ فَلِمَ لَا تُجَوِّزُونَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ جَمِيعَ الْعَالَمِ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى مَا تَحْتَ الثَّرَى جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَمَوْجُودٌ وَاحِدٌ الا ان ذلك الجزء الذي لا يتجزى حَصَلَ فِي جُمْلَةِ هَذِهِ الْأَحْيَازِ فَيُظَنُّ أَنَّهَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ جَوَّزَهُ فَقَدِ الْتَزَمَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ عَظِيمًا.
فَإِنْ قَالُوا: انما عرفنا هاهنا حُصُولَ التَّغَايُرِ بَيْنَ هَذِهِ الذَّوَاتِ لِأَنَّ بَعْضَهَا يَفْنَى مَعَ بَقَاءِ الْبَاقِي وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّغَايُرَ وَأَيْضًا فَنَرَى بَعْضَهَا مُتَحَرِّكًا وَبَعْضَهَا سَاكِنًا وَالْمُتَحَرِّكُ غَيْرُ السَّاكِنِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالتَّغَايُرِ وَهَذِهِ الْمَعَانِي غَيْرُ حَاصِلَةٍ فِي ذَاتِ اللَّه فَظَهَرَ الْفَرْقُ فَنَقُولُ: أَمَّا قَوْلُكَ بِأَنَّا نُشَاهِدُ أَنَّ هَذَا الْجُزْءَ يَبْقَى مَعَ أَنَّهُ يَفْنَى ذَلِكَ الْجُزْءُ الْآخَرُ وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّغَايُرَ فَنَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ فَنَى شَيْءٌ مِنَ الْأَجْزَاءِ بَلْ نَقُولُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ
يُقَالَ أَنَّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ جُزْءٌ وَاحِدٌ فقط؟ ثم انه حصل هاهنا وَهُنَاكَ وَأَيْضًا حَصَلَ مَوْصُوفًا بِالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَجَمِيعِ الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ فَالَّذِي يَفْنَى إِنَّمَا هُوَ حُصُولُهُ هُنَاكَ فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ فَنَى فِي نَفْسِهِ فَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ: نَرَى بَعْضَ الْأَجْسَامِ مُتَحَرِّكًا وَبَعْضَهَا سَاكِنًا وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّغَايُرَ لِأَنَّ الْحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ لَا يَجْتَمِعَانِ. فَنَقُولُ: إِذَا حَكَمْنَا بِأَنَّ الْحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ لَا يَجْتَمِعَانِ لِاعْتِقَادِنَا أَنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ لَا يَحْصُلُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فِي حَيِّزَيْنِ فَإِذَا رَأَيْنَا أَنَّ السَّاكِنَ بَقِيَ هُنَا وَأَنَّ الْمُتَحَرِّكَ لَيْسَ هُنَا قَضَيْنَا أَنَّ الْمُتَحَرِّكَ غَيْرُ السَّاكِنِ. وَأَمَّا بِتَقْدِيرِ أَنْ يَجُوزَ كَوْنُ الذَّاتِ الْوَاحِدَةِ حَاصِلَةً فِي حَيِّزَيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَمْتَنِعْ كَوْنُ الذَّاتِ الْوَاحِدَةِ مُتَحَرِّكَةً سَاكِنَةً مَعًا، لِأَنَّ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّ بِسَبَبِ السُّكُونِ بَقِيَ هُنَا وَبِسَبَبِ الْحَرَكَةِ حَصَلَ فِي الْحَيِّزِ الْآخَرِ إِلَّا أَنَّا لَمَّا جَوَّزْنَا أَنْ تَحْصُلَ الذَّاتُ الْوَاحِدَةُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فِي حَيِّزَيْنِ مَعًا لَمْ يَبْعُدْ أَنْ تَكُونَ الذَّاتُ السَّاكِنَةُ هِيَ عَيْنَ الذَّاتِ الْمُتَحَرِّكَةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ وَاحِدٌ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَمْتَلِئُ الْعَرْشُ مِنْهُ لَمْ يَبْعُدْ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: الْعَرْشُ فِي نَفْسِهِ جوهر فرد وجزء لا يتجزى وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ فِي كُلِّ تِلْكَ الْأَحْيَازِ وَحَصَلَ مِنْهُ كُلُّ الْعَرْشِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَجْوِيزَهُ يُفْضِي إِلَى فَتْحِ بَابِ الْجَهَالَاتِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [الْحَاقَّةِ: ١٧] فَلَوْ كَانَ إِلَهُ الْعَالَمِ فِي الْعَرْشِ لَكَانَ حَامِلُ الْعَرْشِ حَامِلًا لِلْإِلَهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِلَهُ مَحْمُولًا حَامِلًا وَمَحْفُوظًا حَافِظًا وَذَلِكَ لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] حَكَمَ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعَالَى غَنِيًّا عَنِ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا طَلَبَ حَقِيقَةَ الْإِلَهِ تَعَالَى مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يَزِدْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ذِكْرِ صِفَةِ الْخَلَّاقِيَّةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [الشُّعَرَاءِ: ٢٣] فَفِي الْمَرَّةِ الْأُولَى قَالَ: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا/ إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [الدخان: ٧] وَفِي الثَّانِيَةِ قَالَ: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشُّعَرَاءِ: ٢٦] وَفِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ: قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [الشُّعَرَاءِ: ٢٨] وَكُلُّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْخَلَّاقِيَّةِ وَأَمَّا فِرْعَوْنُ لعنه اللَّه فانه قال: يَا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى [غَافِرٍ: ٣٦ ٣٧] فَطَلَبَ الْإِلَهَ فِي السَّمَاءِ فَعَلِمْنَا أَنَّ وَصْفَ الْإِلَهِ بِالْخَلَّاقِيَّةِ وَعَدَمَ وَصْفِهِ بِالْمَكَانِ وَالْجِهَةِ دِينُ مُوسَى وَسَائِرِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَجَمِيعُ وَصْفِهِ تَعَالَى بِكَوْنِهِ فِي السَّمَاءِ دِينُ فِرْعَوْنَ وَإِخْوَانِهِ مِنَ الْكَفَرَةِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَكَلِمَةُ «ثُمَّ» لِلتَّرَاخِي وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بَعْدَ تَخْلِيقِ السموات وَالْأَرْضِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْتِوَاءِ الِاسْتِقْرَارَ لَزِمَ أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُ مَا كَانَ مُسْتَقِرًّا عَلَى الْعَرْشِ بَلْ كَانَ مُعْوَجًّا مُضْطَرِبًا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَذَلِكَ يُوجِبُ وَصْفَهُ بِصِفَاتِ سَائِرِ الْأَجْسَامِ مِنَ الِاضْطِرَابِ وَالْحَرَكَةِ تَارَةً وَالسُّكُونِ أُخْرَى وَذَلِكَ لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ. وَسَادِسُهَا: هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ إِنَّمَا طَعَنَ فِي إِلَهِيَّةِ الْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ بِكَوْنِهَا آفِلَةً غَارِبَةً فَلَوْ كَانَ إِلَهُ الْعَالَمِ جِسْمًا لَكَانَ أَبَدًا غَارِبًا آفِلًا وَكَانَ مُنْتَقِلًا مِنَ الِاضْطِرَابِ وَالِاعْوِجَاجِ إِلَى الِاسْتِوَاءِ وَالسُّكُونِ وَالِاسْتِقْرَارِ فَكُلُّ مَا جَعَلَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَعْنًا فِي إِلَهِيَّةِ الشَّمْسِ وَالْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ يَكُونُ حَاصِلًا فِي إِلَهِ الْعَالَمِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ الِاعْتِرَافُ بِإِلَهِيَّتِهِ. وَسَابِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ قَبْلَ قَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ شَيْئًا وَبَعْدَهُ شَيْئًا آخَرَ. أَمَّا الَّذِي ذَكَرَهُ قَبْلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ خَلْقَ السموات وَالْأَرْضِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فَأَشْيَاءُ:
أَوَّلُهَا: قَوْلُهُ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وذلك احد الدلائل عَلَى وُجُودِ اللَّهِ وَعَلَى قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ. وَثَانِيهَا: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ وَهُوَ أَيْضًا مِنَ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُجُودِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَهُوَ أَيْضًا إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.
إِذَا ثبت هذا فنقول: أول الآية اشارة ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُودِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَآخِرُهَا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا دَلِيلًا عَلَى كَمَالِ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بَلْ كَانَ الْمُرَادُ كَوْنَهُ مُسْتَقِرًّا عَلَى الْعَرْشِ كَانَ ذَلِكَ كَلَامًا أَجْنَبِيًّا عَمَّا قَبْلَهُ وَعَمَّا بَعْدَهُ فَإِنَّ كَوْنَهُ تَعَالَى مُسْتَقِرًّا عَلَى الْعَرْشِ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ دَلِيلًا عَلَى كَمَالِهِ فِي الْقُدْرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَلَيْسَ أَيْضًا مِنْ صِفَاتِ المدح الثناء لِأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُجْلِسَ/ جَمِيعَ أَعْدَادِ الْبَقِّ وَالْبَعُوضِ عَلَى الْعَرْشِ وَعَلَى مَا فَوْقَ الْعَرْشِ فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَهُ جَالِسًا عَلَى الْعَرْشِ لَيْسَ مِنْ دَلَائِلِ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَالذَّاتِ ولا من صفات المدح الثناء فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ كَوْنَهُ جَالِسًا عَلَى الْعَرْشِ لَكَانَ ذَلِكَ كَلَامًا أَجْنَبِيًّا عَمَّا قَبْلَهُ وَعَمَّا بَعْدَهُ وَهَذَا يُوجِبُ نِهَايَةَ الرَّكَاكَةِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ لَيْسَ ذَلِكَ بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ كَمَالُ قدرته في تدابير الملك والملكوت حتى تصبر هَذِهِ الْكَلِمَةُ مُنَاسِبَةً لِمَا قَبْلَهَا وَلِمَا بَعْدَهَا وهو المطولب. وَثَامِنُهَا: أَنَّ السَّمَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَا ارْتَفَعَ وَسَمَا وَعَلَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّى السَّحَابَ سَمَاءً حَيْثُ قَالَ: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الْأَنْفَالِ: ١١] وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَا لَهُ ارْتِفَاعٌ وَعُلُوٌّ وَسُمُوٌّ كَانَ سَمَاءً فَلَوْ كَانَ إِلَهُ الْعَالَمِ مَوْجُودًا فَوْقَ الْعَرْشِ لَكَانَ ذَاتُ الْإِلَهِ تَعَالَى سَمَاءً لِسَاكِنِي الْعَرْشِ. فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ لَكَانَ سَمَاءً وَاللَّهُ تعالى حكم بكونه خالقا لكل السموات في آيات كثيرة هَذِهِ الْآيَةُ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فَلَوْ كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ سَمَاءً لِسُكَّانِ أَهْلِ الْعَرْشِ لَكَانَ خَالِقًا لِنَفْسِهِ وَذَلِكَ مُحَالٌ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي يَجِبُ تَأْوِيلُهَا وَهَذِهِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ وَنَظِيرُ هَذَا أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ في أول سورة الانعام: هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ [الْأَنْعَامِ: ٣] ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ [الْأَنْعَامِ: ١٤] فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ على ان كل ما في السموات فهو ملك الله فلو كان الله في السموات لزم كونه ملكا لنفسه وذلك مال فكهذا هاهنا فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ:
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ عَلَى الْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَشَغْلِ الْمَكَانِ وَالْحَيِّزِ وَعِنْدَ هَذَا حَصَلَ لِلْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ مَذْهَبَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ نَقْطَعَ بِكَوْنِهِ تَعَالَى مُتَعَالِيًا عَنِ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ وَلَا نَخُوضَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ بَلْ نُفَوِّضُ عِلْمَهَا إِلَى اللَّهِ وَهُوَ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَقُولُ بِهِ وَنَعْتَمِدُ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ نَخُوضَ فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ وَفِيهِ قَوْلَانِ مُلَخَّصَانِ: الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ: الْعَرْشِ فِي كَلَامِهِمْ هُوَ السَّرِيرُ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ الْمُلُوكُ ثُمَّ جُعِلَ الْعَرْشُ كِنَايَةً عَنْ نَفْسِ الْمَلِكِ يُقَالُ: ثُلَّ عَرْشُهُ أَيِ انْتَفَضَ مُلْكُهُ وَفَسَدَ. وَإِذَا استقام له ملكه واطراد أَمْرُهُ وَحُكْمُهُ قَالُوا: اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ وَاسْتَقَرَّ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ هَذَا مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ. وَأَقُولُ: إِنَّ الَّذِي قَالَهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ وَصَوَابٌ ونظيره قولهم
لِلرَّجُلِ الطَّوِيلِ: فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ وَلِلرَّجُلِ الَّذِي يُكْثِرُ/ الضِّيَافَةَ كَثِيرُ الرَّمَادِ وَلِلرَّجُلِ الشَّيْخِ فُلَانٌ اشْتَعَلَ رَأْسُهُ شَيْبًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا إِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهَا تَعْرِيفُ الْمَقْصُودِ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ فكذا هاهنا يَذْكُرُ الِاسْتِوَاءَ عَلَى الْعَرْشِ وَالْمُرَادُ نَفَاذُ الْقُدْرَةِ وَجَرَيَانُ الْمَشِيئَةِ ثُمَّ قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ تَعَالَى لَمَّا دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ وَعَلَى صِفَاتِهِ وَكَيْفِيَّةِ تَدْبِيرِهِ الْعَالَمَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَلِفُوهُ مِنْ مُلُوكِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمُ اسْتَقَرَّ فِي قُلُوبِهِمْ عَظَمَةُ اللَّهِ وَكَمَالُ جَلَالِهِ إِلَّا أَنَّ كل ذلك مشروط ينفى التَّشْبِيهِ فَإِذَا قَالَ: إِنَّهُ عَالِمٌ فَهِمُوا مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَعَالَى شَيْءٌ ثُمَّ عَلِمُوا بِعُقُولِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ الْعِلْمُ بِفِكْرَةٍ وَلَا رَوِيَّةٍ وَلَا بِاسْتِعْمَالِ حَاسَّةٍ وَإِذَا قَالَ: قَادِرٌ عَلِمُوا مِنْهُ أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إِيجَادِ الْكَائِنَاتِ وَتَكْوِينِ الْمُمْكِنَاتِ ثُمَّ عَلِمُوا بِعُقُولِهِمْ أَنَّهُ غَنِيٌّ فِي ذَلِكَ الْإِيجَادِ وَالتَّكْوِينِ عَنِ الْآلَاتِ وَالْأَدَوَاتِ وَسَبَقَ الْمَادَّةَ وَالْمُدَّةَ وَالْفِكْرَةَ وَالرَّوِيَّةَ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ صِفَاتِهِ وَإِذَا أَخْبَرَ أَنَّ لَهُ بَيْتًا يَجِبُ عَلَى عِبَادِهِ حَجُّهُ فَهِمُوا مِنْهُ أَنَّهُ نَصَبَ لَهُمْ مَوْضِعًا يَقْصِدُونَهُ لِمَسْأَلَةِ رَبِّهِمْ وَطَلَبِ حَوَائِجِهِمْ كَمَا يَقْصِدُونَ بُيُوتَ الْمُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءِ لِهَذَا الْمَطْلُوبِ ثُمَّ عَلِمُوا بِعُقُولِهِمْ نَفْيَ التَّشْبِيهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ الْبَيْتَ مَسْكَنًا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ فِي دَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ بِعَيْنِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِذَا أَمَرَهُمْ بِتَحْمِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ فَهِمُوا مِنْهُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِنِهَايَةِ تَعْظِيمِهِ ثُمَّ عَلِمُوا بِعُقُولِهِمْ أَنَّهُ لَا يَفْرَحُ لذلك التَّحْمِيدِ وَالتَّعْظِيمِ وَلَا يَغْتَمُّ بِتَرْكِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: إِنَّهُ تَعَالَى اخبر انه خلق السموات والأرض كما أراد وشاء من غر مُنَازِعٍ وَلَا مُدَافِعٍ ثُمَّ أَخْبَرَ بَعْدَهُ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ أَيْ حَصَلَ لَهُ تَدْبِيرُ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى مَا شَاءَ وَأَرَادَ فَكَانَ قَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أَيْ بَعْدَ أَنْ خَلَقَهَا اسْتَوَى عَلَى عَرْشِ الْمُلْكِ وَالْجَلَالِ. ثُمَّ قَالَ الْقَفَّالُ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [يُونُسَ: ٣] فَقَوْلُهُ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ جَرَى مَجْرَى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِي تَفْسِيرِهَا: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا حَمَلْتُمْ قَوْلَهُ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: اسْتَوَى عَلَى الْمُلْكِ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ لَمْ يكن مستويا قبل خلق السموات وَالْأَرْضِ.
قُلْنَا: إِنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِ الْعَوَالِمِ قَادِرًا عَلَى تَخْلِيقِهَا وَتَكْوِينِهَا وَمَا كان مكونا ولا موجودا لها بأعيانها بالفعل لان احياء زيد وامانة عَمْرٍو وَإِطْعَامَ هَذَا وَإِرْوَاءَ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ/ إِلَّا عِنْدَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَإِذَا فَسَّرْنَا الْعَرْشَ بِالْمُلْكِ وَالْمُلْكَ بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ صَحَّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا اسْتَوَى عَلَى مُلْكِهِ بَعْدَ خلق السموات وَالْأَرْضِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إِنَّمَا ظَهَرَ تَصَرُّفُهُ فِي هذه الأشياء وتدبيره لها بعد خلق السموات وَالْأَرْضِ وَهَذَا جَوَابُ حَقٍّ صَحِيحٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى وَهَذَا الْوَجْهُ قَدْ أَطَلْنَا فِي شَرْحِهِ فِي سُورَةِ طه فَلَا نُعِيدُهُ هُنَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ نُفَسِّرَ الْعَرْشَ بِالْمُلْكِ وَنُفَسِّرَ اسْتَوَى بِمَعْنَى: عَلَا وَاسْتَعْلَى عَلَى الْمُلْكِ فيكون المعنى:
أَنَّهُ تَعَالَى اسْتَعْلَى عَلَى الْمُلْكِ بِمَعْنَى أَنَّ قُدْرَتَهُ نَفَذَتْ فِي تَرْتِيبِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ قَوْلَهُ:
اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ في سور سبع. احداها: هاهنا. وَثَانِيهَا: فِي يُونُسَ. وَثَالِثُهَا: فِي الرَّعْدِ. وَرَابِعُهَا: فِي طه. وَخَامِسُهَا: فِي الْفُرْقَانِ. وَسَادِسُهَا: فِي السَّجْدَةِ. وَسَابِعُهَا: فِي الْحَدِيدِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ فَمَنْ ضَمَّ تِلْكَ الْفَوَائِدَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ كَثُرَتْ وَبَلَغَتْ مَبْلَغًا كَثِيرًا وَافِيًا بِإِزَالَةِ شُبَهِ التَّشْبِيهِ عَنِ الْقَلْبِ وَالْخَاطِرِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ يُغْشِي بِتَخْفِيفِ الْغَيْنِ وَفِي الرَّعْدِ هَكَذَا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي الرَّعْدِ هَكَذَا. قَالَ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْإِغْشَاءُ وَالتَّغْشِيَةُ إِلْبَاسُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وَقَدْ جَاءَ التَّنْزِيلُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ فَمِنَ التَّشْدِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَغَشَّاها مَا غَشَّى [النَّجْمِ: ٥٤] وَمِنَ اللُّغَةِ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [يس: ٩] وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ عَلَى مَعْنَى فَأَغْشَيْنَاهُمُ الْعَمَى وَفَقْدَ الرُّؤْيَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يُلْحِقُ اللَّيْلَ بِالنَّهَارِ وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهَارَ بِاللَّيْلِ وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُمَا مَعًا وَلَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الثَّانِي قِرَاءَةُ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ يَغْشَى اللَّيْلَ النَّهَارُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَنَصْبِ اللَّيْلِ وَرَفْعِ النَّهَارِ أَيْ يُدْرِكُ النَّهَارُ اللَّيْلَ وَيَطْلُبُهُ قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
إِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَخْبَرَ عِبَادَهُ بِاسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ عَنِ اسْتِمْرَارِ أَصْعَبِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى وَفْقِ مَشِيئَتِهِ أَرَاهُمْ ذَلِكَ عِيَانًا فِيمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْهَا لِيَضُمَّ الْعِيَانُ إِلَى الْخَبَرِ وَتَزُولَ الشُّبَهُ عَنْ كُلِّ الْجِهَاتِ فَقَالَ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْكَرِيمِ بِمَا فِي تَعَاقُبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الْمَنَافِعِ الْعَظِيمَةِ وَالْفَوَائِدِ الْجَلِيلَةِ، فَإِنَّ بِتَعَاقُبِهِمَا يَتِمُّ أَمْرُ الْحَيَاةِ، وَتَكْمُلُ المنفعة المصلحة.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: يَطْلُبُهُ حَثِيثاً قَالَ اللَّيْثُ: الْحَثُّ: الْإِعْجَالُ، يُقَالُ: حَثَثْتُ فُلَانًا فَاحْتَثَّ، فَهُوَ حَثِيثٌ وَمَحْثُوثٌ، أَيُ مُجِدٌّ سَرِيعٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَصَفَ هَذِهِ الْحَرَكَةَ بِالسُّرْعَةِ وَالشِّدَّةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ، لِأَنَّ تَعَاقُبَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِحَرَكَةِ الْفَلَكِ الْأَعْظَمِ وَتِلْكَ الْحَرَكَةُ أَشَدُّ الْحَرَكَاتِ سُرْعَةً، وَأَكْمَلُهَا شِدَّةً، حَتَّى إِنَّ الْبَاحِثِينَ عَنْ أَحْوَالِ الْمَوْجُودَاتِ. قَالُوا: الْإِنْسَانُ إِذَا كَانَ فِي الْعَدْوِ الشَّدِيدِ الْكَامِلِ، فَإِلَى أَنْ يَرْفَعَ رِجْلَهُ وَيَضَعَهَا يَتَحَرَّكُ الْفَلَكُ الْأَعْظَمُ ثَلَاثَةَ آلَافِ مِيلٍ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَتْ تِلْكَ الْحَرَكَةُ فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ وَالسُّرْعَةِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ تَعَالَى: يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠] فَشَبَّهَ ذَلِكَ السَّيْرَ وَتِلْكَ الْحَرَكَةَ بِالسِّبَاحَةِ فِي الْمَاءِ وَالْمَقْصُودُ:
التَّنْبِيهُ عَلَى سُرْعَتِهَا وَسُهُولَتِهَا وَكَمَالِ إِيصَالِهَا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى الِابْتِدَاءِ وَالْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَالنَّصْبُ هُوَ الْوَجْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [فُصِّلَتْ: ٣٧] فَكَمَا صَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ خَلَقَهَا
فِي قَوْلُهُ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ... وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَهَذَا النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ أَيْ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَالَ كَوْنِهَا مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَالْآثَارِ وَالْأَفْعَالِ وَحُجَّةُ ابْنِ عَامِرٍ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [الجاثية: ١٣] وَمِنْ جُمْلَةِ مَا فِي السَّمَاءِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فَلَمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ تَعَالَى سَخَّرَهَا حَسُنَ الْإِخْبَارُ عَنْهَا بِأَنَّهَا مُسَخَّرَةٌ كَمَا أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ ضَرَبْتُ زَيْدًا اسْتَقَامَ أَنْ تَقُولَ زَيْدٌ مَضْرُوبٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَطَائِفُ: فَالْأُولَى: أَنَّ الشَّمْسَ لَهَا نَوْعَانِ مِنَ الْحَرَكَةِ:
أَحَدُ النَّوْعَيْنِ: حَرَكَتُهَا بِحَسَبِ ذَاتِهَا وَهِيَ إِنَّمَا تَتِمُّ فِي سَنَةٍ كَامِلَةٍ وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْحَرَكَةِ تَحْصُلُ السَّنَةُ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: حَرَكَتُهَا بِسَبَبِ حَرَكَةِ الْفَلَكِ الْأَعْظَمِ وَهَذِهِ الْحَرَكَةُ تَتِمُّ فِي الْيَوْمِ بِلَيْلَةٍ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لَا يَحْصُلُ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الشَّمْسِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِسَبَبِ حَرَكَةِ السَّمَاءِ الْأَقْصَى الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْعَرْشُ فهذا السَّبَبِ لَمَّا ذَكَرَ الْعَرْشَ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ رَبَطَ بِهِ قَوْلَهُ:
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ سَبَبَ حُصُولِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ هُوَ حَرَكَةُ الْفَلَكِ الْأَقْصَى لَا حَرَكَةَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَهَذِهِ دَقِيقَةٌ عَجِيبَةٌ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تعالى لما شرح كيفية تخليق السموات. قَالَ: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [فُصِّلَتْ: ١٢] فَدَلَّتْ تِلْكَ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَصَّ كُلَّ ذَلِكَ بِلَطِيفَةٍ نُورَانِيَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ مِنْ عَالِمِ الْأَمْرِ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ تعالى اما من عالم الخالق أَوْ مِنْ عَالَمِ الْأَمْرِ، أَمَّا الَّذِي هُوَ مِنْ عَالَمِ الْخَلْقِ، فَالْخَلْقُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، وَكُلُّ مَا كَانَ جِسْمًا أَوْ جُسْمَانِيًّا كَانَ مَخْصُوصًا بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، فَكَانَ مِنْ عَالَمِ الْخَلْقِ، وَكُلُّ مَا كَانَ بَرِيئًا عَنِ الْحَجْمِيَّةِ وَالْمِقْدَارِ كَانَ مِنْ عَالَمِ الْأَرْوَاحِ وَمِنْ عَالَمِ الْأَمْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْرَامِ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ الَّتِي هِيَ مِنْ عَالَمِ الْخَلْقِ بِمَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَهُمْ مِنْ عَالَمِ الْأَمْرِ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُطَابِقَةٌ لِذَلِكَ، وَهِيَ مَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يُحَرِّكُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَعِنْدَ الْغُرُوبِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَأَيْضًا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [الْحَاقَّةِ: ١٧] إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِحِفْظِ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ، ثُمَّ إِذَا دَقَّقْتَ النَّظَرَ عَلِمْتَ أَنَّ عَالَمَ الْخَلْقِ فِي تَسْخِيرِ اللَّهِ وَعَالَمَ الْأَمْرِ فِي تَدْبِيرِ اللَّهِ وَاسْتِيلَاءَ الرُّوحَانِيَّاتِ عَلَى الْجُسْمَانِيَّاتِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ فَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ وَالْبَرَكَةُ لَهَا تَفْسِيرَانِ: أَحَدُهُمَا: الْبَقَاءُ وَالثَّبَاتُ وَالثَّانِي: كَثْرَةُ الْآثَارِ الْفَاضِلَةِ وَالنَّتَائِجِ الشَّرِيفَةِ وَكِلَا التَّفْسِيرَيْنِ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْحَقِّ سُبْحَانَهُ، فَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ، فَالثَّابِتُ وَالدَّائِمُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ الْمَوْجُودُ الْوَاجِبُ لِذَاتِهِ الْعَالِمُ لِذَاتِهِ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ الْغَنِيُّ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَهُوَ سُبْحَانُهُ مَقْطَعُ الْحَاجَاتِ وَمَنْهَى الِافْتِقَارَاتِ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ وَأَيْضًا إِنْ فَسَّرْنَا الْبَرَكَةَ بِكَثْرَةِ الْآثَارِ الْفَاضِلَةِ فَالْكُلُّ بِهَذَا التَّفْسِيرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ الْمَوْجُودَ إِمَّا وَاجِبٌ لِذَاتِهِ وَإِمَّا مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ وَالْوَاجِبُ لِذَاتِهِ لَيْسَ إِلَّا هُوَ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُمْكِنٌ، وَكُلُّ مُمْكِنٍ فَلَا يُوجَدُ إِلَّا بِإِيجَادِ الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ وَكُلُّ الْخَيْرَاتِ مِنْهُ وَكُلُّ الْكَمَالَاتِ فَائِضَةٌ مِنْ وُجُودِهِ وَإِحْسَانِهِ، فَلَا خَيْرَ إِلَّا مِنْهُ وَلَا إِحْسَانَ إِلَّا مِنْ فَيْضِهِ، وَلَا رَحْمَةَ إِلَّا وَهِيَ حَاصِلَةٌ مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ لَيْسَ إِلَّا مِنْهُ، لَا جَرَمَ كَانَ الثَّنَاءُ الْمَذْكُورُ بقوله:
فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [غافر: ٦٤] لَا يَلِيقُ إِلَّا بِكِبْرِيَائِهِ وَكَمَالِ فَضْلِهِ وَنِهَايَةِ جُودِهِ وَرَحْمَتِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: كَوْنُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ سُبْحَانَهُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنَّا قَدْ دَلَّلْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ الْعَالِي الدَّرَجَةِ أَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ وَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ، كَانَ اخْتِصَاصُ جِسْمِ الشَّمْسِ بِذَلِكَ النُّورِ الْمَخْصُوصِ وَالضَّوْءِ الْبَاهِرِ وَالتَّسْخِيرِ الشَّدِيدِ وَالتَّأْثِيرِ الْقَاهِرِ وَالتَّدْبِيرَاتِ الْعَجِيبَةِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ أَنَّ الْفَاعِلَ الْحَكِيمَ وَالْمُقَدِّرَ الْعَلِيمَ خَصَّ ذَلِكَ الْجِسْمَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَهَذِهِ الْأَحْوَالِ، فَجِسْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ وَالنَّيِّرَاتِ كَالْمُسَخَّرِ فِي قَبُولِ تِلْكَ الْقُوَى وَالْخَوَاصِّ، عَنْ قُدْرَةِ الْمُدَبِّرِ الْحَكِيمِ، الرَّحِيمِ الْعَلِيمِ. وَثَانِيهَا: أَنْ يُقَالَ/ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْرَامِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ، سَيْرًا خَاصًّا بَطِيئًا مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْمَشْرِقِ وَسَيْرًا آخَرَ سَرِيعًا بِسَبَبِ حَرَكَةِ الْفَلَكِ الْأَعْظَمِ، فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ خَصَّ جِرْمَ الْفَلَكِ الْأَعْظَمِ بِقُوَّةٍ سَارِيَةٍ فِي أَجْرَامِ سَائِرِ الْأَفْلَاكِ بِاعْتِبَارِهَا صَارَتْ مُسْتَوْلِيَةً عَلَيْهَا، قَادِرَةً عَلَى تَحْرِيكِهَا عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ فَأَجْرَامُ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ صَارَتْ كَالْمُسَخَّرَةِ لِهَذَا الْقَهْرِ وَالْقَسْرِ وَلَفْظُ الْآيَةِ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْعَرْشَ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ رَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ حُدُوثَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِحَرَكَةِ الْعَرْشِ. وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْفَلَكَ الْأَعْظَمَ الَّذِي هُوَ الْعَرْشُ يُحَرِّكُ الْأَفْلَاكَ وَالْكَوَاكِبَ عَلَى خِلَافِ طَبْعِهَا مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَأَنَّهُ تَعَالَى أَوْدَعَ فِي جِرْمِ الْعَرْشِ قُوَّةً قَاهِرَةً بِاعْتِبَارِهَا قُوًى عَلَى قَهْرِ جَمِيعِ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ وَتَحْرِيكِهَا عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى طَبَائِعِهَا، فَهَذِهِ أَبْحَاثٌ مَعْقُولَةٌ وَلَفْظُ الْقُرْآنِ مُشْعِرٌ بِهَا والعلم عند الله. وثالثها: أَنَّ أَجْسَامَ الْعَالَمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، مِنْهَا مَا هِيَ مُتَحَرِّكَةٌ إِلَى الْوَسَطِ وَهِيَ الثِّقَالُ. وَمِنْهَا مَا هِيَ مُتَحَرِّكَةٌ عَنِ الْوَسَطِ، وَهِيَ الْخِفَافُ، وَمِنْهَا مَا هِيَ مُتَحَرِّكَةٌ عَنِ الْوَسَطِ، وَهِيَ الْأَجْرَامُ الْفَلَكِيَّةُ الْكَوْكَبِيَّةُ، فَإِنَّهَا مُسْتَدِيرَةٌ حَوْلَ الْوَسَطِ فَكَوْنُ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ مُسْتَدِيرَةً حَوْلَ مَرْكَزِ الْأَرْضِ لَا عَنْهُ وَلَا إِلَيْهِ، لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَسْخِيرِ اللَّهِ وَتَدْبِيرِهِ، حَيْثُ خَصَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَجْسَامِ بِخَاصَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَقُوَّةٍ مَخْصُوصَةٍ فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ وَرَابِعُهَا: أَنَّ الثَّوَابِتَ تَتَحَرَّكُ فِي كُلِّ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ دَوْرَةً وَاحِدَةً، فَهَذِهِ الْحَرَكَةُ تَكُونُ فِي غَايَةِ البطء. ثم هاهنا دَقِيقَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ كُلَّ كَوْكَبٍ مِنَ الكواكب الثابتة، كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْمِنْطَقَةِ كَانَتْ حَرَكَتُهُ أَسْرَعَ، وكل ما كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْقُطْبِ كَانَتْ حَرَكَتُهُ أَبْطَأَ، فَالْكَوَاكِبُ الَّتِي تَكُونُ فِي غَايَةِ الْقُرْبِ مِنَ الْقُطْبِ مِثْلُ كَوْكَبِ الْجَدْيِ وَهُوَ الَّذِي تَقُولُ الْعَوَامُّ إِنَّهُ هُوَ الْقُطْبُ، يَدُورُ فِي دَائِرَةٍ فِي غَايَةِ الصِّغَرِ، وَهُوَ إِنَّمَا يُتَمِّمُ تِلْكَ الدَّائِرَةَ الصَّغِيرَةَ جِدًّا فِي مُدَّةِ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. فَإِذَا تَأَمَّلْتَ عَلِمْتَ أَنَّ تِلْكَ الْحَرَكَةَ بَلَغَتْ فِي الْبُطْءِ إِلَى حَيْثُ لَا تُوجَدُ حَرَكَةٌ فِي الْعَالَمِ تُشَارِكُهَا فِي الْبُطْءِ، فَذَلِكَ الْكَوْكَبُ اخْتَصَّ بِأَبْطَأِ حَرَكَاتِ هَذَا الْعَالَمِ وَجِرْمُ الْفَلَكِ الْأَعْظَمِ اخْتَصَّ بِأَسْرَعِ حَرَكَاتِ الْعَالَمِ، وَفِيمَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الدَّرَجَتَيْنِ دَرَجَاتٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا فِي الْبُطْءِ وَالسُّرْعَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ وَالدَّوَائِرِ وَالْحَوَامِلِ وَالْمُمَثِّلَاتِ يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنْ تِلْكَ الْحَرَكَاتِ، وَأَيْضًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْكَوَاكِبِ مَدَارَاتٌ مَخْصُوصَةٌ، فَأَسْرَعُهَا هُوَ الْمِنْطَقَةُ وَكُلُّ مَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَسْرَعُ حَرَكَةً مِمَّا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ رَتَّبَ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهَا وَتَفَاوُتِ مَرَاتِبِهَا سَبَبًا لِحُصُولِ الْمَصَالِحِ فِي هَذَا الْعَالَمِ. كَمَا قَالَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ/ الْبَقَرَةِ: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [الْبَقَرَةِ: ٢٩] أَيْ سَوَّاهُنَّ عَلَى وَفْقِ مَصَالِحِ هَذَا الْعَالَمِ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ
فَيَعْلَمُ أَنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي تَرْتِيبُهَا وَتَسْوِيَتُهَا حَتَّى تَحْصُلَ مَصَالِحُ هَذَا الْعَالَمِ، فَهَذَا أَيْضًا نَوْعٌ عَجِيبٌ فِي تَسْخِيرِ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الْأَفْلَاكَ وَالْكَوَاكِبَ، فَتَكُونُ دَاخِلَةً تَحْتَ قَوْلِهِ: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ وَرُبَّمَا جَاءَ بَعْضُ الْجُهَّالِ وَالْحَمْقَى وَقَالَ إِنَّكَ أَكْثَرْتَ فِي تَفْسِيرِ كِتَابِ الله من عليم الْهَيْئَةِ وَالنُّجُومِ، وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْمُعْتَادِ! فَيُقَالُ لِهَذَا الْمِسْكِينِ: إِنَّكَ لَوْ تَأَمَّلْتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقَّ التَّأَمُّلِ لَعَرَفْتَ فَسَادَ مَا ذَكَرْتَهُ، وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَلَأَ كِتَابَهُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ والحكمة بأحوال السموات وَالْأَرْضِ، وَتَعَاقُبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَكَيْفِيَّةِ أَحْوَالِ الضِّيَاءِ وَالظَّلَامِ، وَأَحْوَالِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَذَكَرَ هَذِهِ الْأُمُورَ فِي أَكْثَرِ السُّوَرِ وَكَرَّرَهَا وَأَعَادَهَا مَرَّةً
بَعْدَ أُخْرَى، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْبَحْثُ عَنْهَا، وَالتَّأَمُّلُ فِي أَحْوَالِهَا جَائِزًا لَمَا مَلَأَ اللَّهُ كِتَابَهُ مِنْهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ [ق: ٦] فَهُوَ تَعَالَى حَثَّ عَلَى التَّأَمُّلِ فِي أَنَّهُ كَيْفَ بَنَاهَا وَلَا مَعْنَى لِعِلْمِ الْهَيْئَةِ إِلَّا التَّأَمُّلُ فِي أَنَّهُ كَيْفَ بَنَاهَا وَكَيْفَ خَلَقَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [غَافِرٍ: ٥٧] فَبَيَّنَ أَنَّ عَجَائِبَ الخلقة وبدائع الفطرة في اجرام السموات أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ وَأَكْمَلَ مِمَّا فِي أَبْدَانِ النَّاسِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى رَغَّبَ فِي التَّأَمُّلِ فِي أَبْدَانِ النَّاسِ بِقَوْلِهِ: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذَّارِيَاتِ:
٢١] فَمَا كَانَ أَعْلَى شَأْنًا وَأَعْظَمَ بُرْهَانًا مِنْهَا أَوْلَى بِأَنْ يَجِبَ التَّأَمُّلُ فِي أَحْوَالِهَا وَمَعْرِفَةُ مَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ تَعَالَى مَدَحَ الْمُتَفَكِّرِينَ فِي خلق السموات وَالْأَرْضِ فَقَالَ: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا باطِلًا [آلِ عِمْرَانَ: ١٩١] وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا مِنْهُ لَمَا فَعَلَ. وَالْخَامِسُ:
أَنَّ مَنْ صَنَّفَ كِتَابًا شَرِيفًا مُشْتَمِلًا عَلَى دَقَائِقِ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ بِحَيْثُ لَا يُسَاوِيهِ كِتَابٌ فِي تِلْكَ الدَّقَائِقِ، فَالْمُعْتَقِدُونَ فِي شَرَفِهِ وَفَضِيلَتِهِ فَرِيقَانِ: مِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ كَوْنَهُ كَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقِفَ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الدَّقَائِقِ وَاللَّطَائِفِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ وَالتَّعْيِينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَفَ عَلَى تِلْكَ الدَّقَائِقِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ وَالتَّعْيِينِ، وَاعْتِقَادُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى وَإِنْ بَلَغَ إِلَى أَقْصَى الدَّرَجَاتِ فِي الْقُوَّةِ وَالْكَمَالِ إِلَّا أَنَّ اعْتِقَادَ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ يَكُونُ أَكْمَلَ وَأَقْوَى وَأَوْفَى. وَأَيْضًا فَكُلُّ مَنْ كَانَ وُقُوفُهُ عَلَى دَقَائِقِ ذَلِكَ الْكِتَابِ وَلَطَائِفِهِ أَكْثَرَ كَانَ اعْتِقَادُهُ فِي عَظَمَةِ ذَلِكَ الْمُصَنَّفِ وَجَلَالَتِهِ أَكْمَلَ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: مِنَ النَّاسِ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ جُمْلَةَ هَذَا الْعَالَمِ مُحْدَثٌ وَكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَهُ مُحْدِثٌ، / فَحَصَلَ لَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ إِثْبَاتُ الصَّانِعِ تَعَالَى وَصَارَ مِنْ زُمْرَةِ الْمُسْتَدِلِّينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَمَّ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَةِ الْبَحْثَ عَنْ أَحْوَالِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالْعَالَمِ السُّفْلِيِّ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَيَظْهَرُ لَهُ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ هَذَا الْعَالَمِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَأَسْرَارٌ عَجِيبَةٌ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ جَارِيًا مَجْرَى الْبَرَاهِينِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالدَّلَائِلِ الْمُتَوَالِيَةِ عَلَى عَقْلِهِ، فَلَا يَزَالُ يَنْتَقِلُ كُلَّ لَحْظَةٍ وَلَمْحَةٍ مِنْ بُرْهَانٍ إِلَى بُرْهَانٍ آخَرَ، وَمِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، فَلِكَثْرَةِ الدَّلَائِلِ وَتَوَالِيهَا أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي تَقْوِيَةِ الْيَقِينِ وَإِزَالَةِ الشُّبُهَاتِ. فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَنْزَلَ هَذَا الْكِتَابَ لِهَذِهِ الْفَوَائِدِ وَالْأَسْرَارِ لَا لِتَكْثِيرِ النَّحْوِ الْغَرِيبِ وَالِاشْتِقَاقَاتِ الْخَالِيَةِ عَنِ الْفَوَائِدِ وَالْحِكَايَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَوْنَ وَالْعِصْمَةَ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْأَمْرُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ قَدْ فَسَّرْنَاهُ بِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَأَمَّا الْمُفَسِّرُونَ فَلَهُمْ فِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: الْمُرَادُ نَفَاذُ إِرَادَتِهِ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ تَبْيِينُ عَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْكَلَامَ، وَنَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: ١١]
وَقَوْلِهِ: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النَّحْلِ: ٤٠] وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى الْأَمْرِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ، وَقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ هَذِهِ الْأَجْرَامَ بِالسَّيْرِ الدَّائِمِ وَالْحَرَكَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنَ النُّجُومِ فَذَكَرَهُمَا ثُمَّ عطف على ذكر هما ذِكْرَ النُّجُومِ وَالسَّبَبُ فِي إِفْرَادِهِمَا بِالذِّكْرِ أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُمَا سَبَبًا لِعِمَارَةِ هَذَا الْعَالَمِ، وَالِاسْتِقْصَاءُ فِي تَقْرِيرِهِ لَا يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ، فَالشَّمْسُ سُلْطَانُ النَّهَارِ، وَالْقَمَرُ سُلْطَانُ اللَّيْلِ، وَالشَّمْسُ تَأْثِيرُهَا فِي التَّسْخِينِ وَالْقَمَرُ تَأْثِيرُهُ فِي التَّرْطِيبِ، وَتَوَلُّدُ الْمَوَالِيدِ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي الْمَعَادِنَ وَالنَّبَاتَ وَالْحَيَوَانَ لَا يَتِمُّ وَلَا يَكْمُلُ إِلَّا بِتَأْثِيرِ الْحَرَارَةِ فِي الرُّطُوبَةِ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى خَصَّ كُلَّ كَوْكَبٍ بِخَاصَّةٍ عَجِيبَةٍ وَتَدْبِيرٍ غَرِيبٍ لَا يَعْرِفُهُ بِتَمَامِهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَجَعَلَهُ مُعِينًا لَهُمَا فِي تِلْكَ التَّأْثِيرَاتِ وَالْمَبَاحِثُ الْمُسْتَقْصَاةُ فِي عِلْمِ الْهَيْئَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ كَالسُّلْطَانِ، وَالْقَمَرَ كَالنَّائِبِ وَسَائِرَ الْكَوَاكِبِ كَالْخَدَمِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ بَدَأَ اللَّهُ سبحانه بذكر الشمس وثنى القمر ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ سَائِرِ النُّجُومِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أنه لا موجد ولا مؤثر إلا الله سُبْحَانَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَوْجَدَ شَيْئًا وَأَثَّرَ فِي حُدُوثِ شَيْءٍ فَقَدْ قَدَرَ عَلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِذَلِكَ الْوَقْتِ فَكَانَ خَالِقًا، ثُمَّ الْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ لِأَنَّهُ قَالَ: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَهَذَا يُفِيدُ الْحَصْرَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ يَصْدُرُ عَنْ فَلَكٍ أَوْ مَلَكٍ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ إِنْسِيٍّ، فَخَالِقُ/ ذَلِكَ الْأَمْرِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا غَيْرُ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْأَصْلُ تَفَرَّعَتْ عَلَيْهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذْ لَوْ حَصَلَ إِلَهَانِ لَكَانَ الْإِلَهُ الثَّانِي خَالِقًا وَمُدَبِّرًا، وَذَلِكَ يُنَاقِضُ مَدْلُولَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي تَخَصُّصِ الْخَلْقِ بِهَذَا الْوَاحِدِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْكَوَاكِبِ فِي أَحْوَالِ هَذَا الْعَالَمِ، وَإِلَّا لَحَصَلَ خَالِقٌ سِوَى اللَّهِ، وَذَلِكَ ضِدُّ مَدْلُولِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْقَوْلَ بِإِثْبَاتِ الطَّبَائِعِ، وَإِثْبَاتِ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ وَأَصْحَابُ الطَّلْسَمَاتِ بَاطِلٌ، وَإِلَّا لَحَصَلَ خَالِقٌ غَيْرُ اللَّهِ. وَرَابِعُهَا: خَالِقُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ هُوَ اللَّهُ، وَإِلَّا لَحَصَلَ خَالِقٌ غَيْرُ اللَّهِ. وَخَامِسُهَا: الْقَوْلُ بِأَنَّ الْعِلْمَ يُوجِبُ الْعَالِمِيَّةَ وَالْقُدْرَةَ تُوجِبُ الْقَادِرِيَّةَ بَاطِلٌ وَإِلَّا لَحَصَلَ مُؤَثِّرٌ غَيْرُ اللَّهِ، وَمُقَدِّرٌ غَيْرُ اللَّهِ، وَخَالِقٌ غَيْرُ اللَّهِ، وَإِنَّهُ بَاطِلٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ قَدِيمٌ. قَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى مَيَّزَ بَيْنَ الْخَلْقِ وَبَيْنَ الْأَمْرِ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ مَخْلُوقًا لَمَا صَحَّ هَذَا التَّمْيِيزُ. أَجَابَ الْجُبَّائِيُّ: عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِفْرَادِ الْأَمْرِ بِالذِّكْرِ عَقِيبَ الْخَلْقِ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَمْرُ دَاخِلًا فِي الْخَلْقِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [الْحِجْرِ: ١] وَآيَاتُ الْكِتَابِ دَاخِلَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النَّحْلِ: ٩٠] مَعَ أَنَّ الْإِحْسَانَ دَاخِلٌ فِي الْعَدْلِ وَقَالَ: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [الْبَقَرَةِ: ٩٨] وَهُمَا دَاخِلَانِ تَحْتَ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ الْكَعْبِيُّ: إِنَّ مَدَارَ هَذِهِ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَعْطُوفَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُغَايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْكَلَامُ بَطَلَ مَذْهَبُكُمْ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ [الْأَعْرَافِ: ١٥٨] فَعَطَفَ الْكَلِمَاتِ عَلَى اللَّهِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَاتُ غَيْرَ اللَّهِ وَكُلُّ مَا كَانَ غَيْرَ اللَّهِ فَهُوَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ كَلِمَاتِ اللَّهِ مُحْدَثَةً مَخْلُوقَةً. وَقَالَ الْقَاضِي: أَطْبَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْأَمْرِ كَلَامَ التَّنْزِيلِ، بَلِ الْمُرَادُ بِهِ نَفَاذُ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْغَرَضَ بِالْآيَةِ تَعْظِيمُ قُدْرَتِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: الْأَمْرُ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ الْخَلْقِ إِلَّا أَنَّ الْأَمْرَ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ أَمْرًا يَدُلُّ عَلَى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ فَقَوْلُهُ: لَهُ الْخَلْقُ
وَالْأَمْرُ
مَعْنَاهُ: لَهُ الْخَلْقُ وَالْإِيجَادُ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى، ثُمَّ بَعْدَ الْإِيجَادِ وَالتَّكْوِينِ فَلَهُ الْأَمْرُ وَالتَّكْلِيفُ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ الْخَلْقُ وَلَهُ التَّكْلِيفُ وَلَهُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا مُفِيدًا مَعَ أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ دَاخِلَانِ تَحْتَ الْخَلْقِ فَكَذَا هاهنا. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ هُوَ أَنَّهُ إِنْ شَاءَ خَلَقَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَخْلُقْ فَكَذَا قَوْلُهُ: وَالْأَمْرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَمَرَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْمُرْ، وَإِذَا كَانَ حُصُولُ الْأَمْرِ مُتَعَلِّقًا بِمَشِيئَتِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْأَمْرُ مَخْلُوقًا كَمَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ حُصُولُ الْمَخْلُوقِ مُتَعَلِّقًا بِمَشِيئَتِهِ كَانَ مَخْلُوقًا، أَمَّا لَوْ كَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدِيمًا لَمْ يَكُنْ/ ذَلِكَ الْأَمْرُ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ، بَلْ كَانَ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ فَحِينَئِذٍ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَمَرَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْمُرْ، وَذَلِكَ يَنْفِي ظَاهِرَ الْآيَةِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ دَاخِلًا تَحْتَ الْخَلْقِ كَانَ إِفْرَادُ الْأَمْرِ بِالذِّكْرِ تَكْرِيرًا مَحْضًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّا تَحَمَّلْنَا ذَلِكَ فِي صُوَرٍ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، إِلَّا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّكْرِيرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَ غَيْرَهُ شَيْئًا إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: فِعْلُ الطَّاعَةِ لَا يُوجِبُ الثَّوَابَ، وَفِعْلُ الْمَعْصِيَةِ لَا يُوجِبُ الْعِقَابَ، وَإِيصَالُ الْأَلَمِ لَا يُوجِبُ الْعِوَضَ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ لِأَحَدٍ مِنَ الْعَبِيدِ شَيْءٌ الْبَتَّةَ، إِذْ لَوْ كَانَ فِعْلُ الطَّاعَةِ يُوجِبُ الثَّوَابَ لَتَوَجَّهَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْعَبْدِ مُطَالَبَةٌ مُلْزِمَةٌ وَإِلْزَامٌ جَازِمٌ وَذَلِكَ يُنَافِي قَوْلَهُ: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْقَبِيحَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَبَّحَ لِوَجْهٍ عَائِدٍ إِلَيْهِ، وَأَنَّ الْحَسَنَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَسَّنَ لِوَجْهٍ عَائِدٍ إِلَيْهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ يُفِيدُ أَنَّهُ تَعَالَى لَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ، وَلَوْ كَانَ الْقَبِيحُ يُقَبَّحُ لِوَجْهٍ عَائِدٍ إِلَيْهِ لَمَا صَحَّ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَأْمُرَ إِلَّا بِمَا حَصَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْوَجْهُ، وَلَا أَنْ يَنْهَى إِلَّا عَمَّا فِيهِ وَجْهُ الْقُبْحِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَمَا شَاءَ وَأَرَادَ مَعَ أَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي هَذَا الْمَعْنَى.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ عَوَالِمَ سِوَى هَذَا الْعَالَمِ كَيْفَ شَاءَ وَأَرَادَ وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ... وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَالْخَلْقُ إِذَا أُطْلِقَ أُرِيدَ بِهِ الْجِسْمُ الْمُقَدَّرُ أَوْ مَا يَظْهَرُ تَقْدِيرُهُ فِي الْجِسْمِ الْمُقَدَّرِ. ثُمَّ بَيَّنَ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى خَصَّصَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ بِأَمْرِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا حَدَثَ بِتَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَمَيَّزَ الْأَمْرُ وَالْخَلْقُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ هَذَا التَّفْصِيلِ وَالْبَيَانِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ يَعْنِي لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْخَلْقِ وَعَلَى الْأَمْرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى إِيجَادِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَعَلَى تَكْوِينِهَا كَيْفَ شَاءَ وَأَرَادَ، فَلَوْ أَرَادَ خَلْقَ أَلْفِ عَالَمٍ بِمَا فِيهِ مِنَ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ فِي أَقَلَّ مِنْ لَحْظَةٍ وَلَمْحَةٍ لَقَدَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَاهِيَّاتِ مُمْكِنَةٌ وَالْحَقُّ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ وَلِهَذَا قَالَ الْمَعَرِّيُّ فِي قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ لَهُ:
| يَا أَيُّهَا النَّاسُ كَمْ لِلَّهِ مِنْ فَلَكٍ | تَجْرِي النُّجُومُ بِهِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ |
| هُنَا عَلَى اللَّهِ مَاضِينَا وَغَابِرُنَا | فَمَا لَنَا فِي نَوَاحِي غَيْرِهِ خَطَرُ |
وَالْمَعْقُولِ. أَمَّا الْآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ قَالُوا: وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْأَمْرُ لِلَّهِ لَا بِمَعْنَى كَوْنِهِ مَخْلُوقًا لَهُ، بَلْ بِمَعْنَى كَوْنِهِ صِفَةً لَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ لِلَّهِ لَا بِمَعْنَى كَوْنِهِ مَخْلُوقًا لَهُ بَلْ بِمَعْنَى كَوْنِهِ صِفَةً لَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّا إِذَا قُلْنَا: لِمَ حَدَثَ هَذَا الشَّيْءُ وَلِمَ وُجِدَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ؟ فَنَقُولُ: فِي جَوَابِهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهُ وَأَوْجَدَهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا التَّعْلِيلُ صَحِيحًا، فَلَوْ كَانَ كَوْنُهُ تَعَالَى خَالِقًا لَهُ نَفْسُ حُصُولِ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ لَكَانَ قَوْلُهُ إِنَّهُ إِنَّمَا حَدَثَ لِأَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهُ وَأَوْجَدَهُ جاريا مجرى قوله: إِنَّهُ إِنَّمَا حَدَثَ لِنَفْسِهِ وَلِذَاتِهِ لَا لِشَيْءٍ آخَرَ، وَذَلِكَ مُحَالٌ بَاطِلٌ، لِأَنَّ صِدْقَ هَذَا الْمَعْنَى يَنْفِي كَوْنَهُ مَخْلُوقًا مِنْ قِبَلَ اللَّهِ تَعَالَى فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَهُ تَعَالَى خَالِقًا لِلْمَخْلُوقِ مُغَايِرًا لَذَاتِ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ وَجَوَابُهُ: لَوْ كَانَ الْخَلْقُ غَيْرَ الْمَخْلُوقِ لَكَانَ إِنْ كَانَ قَدِيمًا لَزِمَ مِنْ قِدَمَهِ قِدَمُ الْمَخْلُوقِ، وَإِنْ كَانَ حَادِثًا افْتَقَرَ إِلَى خَلْقٍ آخَرَ وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُحَالٌ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: ظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَمَا لَا خَلْقَ إِلَّا لِلَّهِ، فَكَذَلِكَ لَا أَمْرَ إِلَّا لِلَّهِ، وَهَذَا يَتَأَكَّدُ بِقَوْلِهِ تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: ٥٧] وَقَوْلِهِ: فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غَافِرٍ: ١٢] وَقَوْلِهِ: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [الرُّومِ: ٤] إِلَّا أَنَّهُ مُشْكِلٌ بِالْآيَةِ وَالْخَبَرِ. أَمَّا الْآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النُّورِ: ٦٣] وَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
وَالْجَوَابُ: أَنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ قَدْ حَصَلَ، فَيَكُونُ الْمُوجِبُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ أَمْرَ اللَّهِ لَا أَمْرَ غَيْرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْلُهُ: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ أَمْرًا وَنَهْيًا عَلَى عِبَادِهِ، وَأَنَّ لَهُ تَكْلِيفًا عَلَى عِبَادِهِ، وَالْخِلَافُ مَعَ نُفَاةِ التَّكْلِيفِ. وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أَوَّلُهَا: أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ إِنْ كَانَ مَعْلُومَ الْوُقُوعِ كَانَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ. فَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ أَمْرًا بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وأنه محال، وإن كان معلوم اللاوقوع كَانَ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، فَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ أَمْرًا بِمَا يَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ وَهُوَ مُحَالٌ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى إِنْ خَلَقَ الدَّاعِيَ إِلَى فِعْلِهِ، كَانَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَمْرِ، وَإِنْ لَمْ يَخْلُقِ الدَّاعِيَ إِلَيْهِ كَانَ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَمْرِ بِهِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ أَمْرَ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ لَا يُفِيدُ إِلَّا الضَّرَرَ الْمَحْضَ، لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ وَلَا يُطِيعُ، امْتَنَعَ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ الْإِيمَانُ وَالطَّاعَةُ، إِلَّا إِذَا/ صَارَ عِلْمُ اللَّهِ جَهْلًا، وَالْعَبْدُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى تَجْهِيلِ اللَّهِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ اللَّازِمُ تَعَذَّرَ الْمَلْزُومُ فَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: لَا قُدْرَةَ لِلْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ أَصْلًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ مِنَ الْأَمْرِ بِهِ إِلَّا مُجَرَّدُ اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ، فَيَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ وَالتَّكْلِيفُ إِضْرَارًا مَحْضًا مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ الْبَتَّةَ، وَهُوَ لَا يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الْحَكِيمِ، وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْأَمْرَ وَالتَّكْلِيفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِفَائِدَةٍ فَهُوَ عَبَثٌ، وَإِنْ كَانَ لِفَائِدَةٍ عَائِدَةٍ إِلَى الْمَعْبُودِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ وَلَيْسَ بِإِلَهٍ، وَإِنْ كَانَ لِفَائِدَةٍ عَائِدَةٍ إِلَى الْعَابِدِ فَجَمِيعُ الْفَوَائِدِ مُنْحَصِرَةٌ فِي تَحْصِيلِ النَّفْعِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِهَا بِالتَّمَامِ وَالْكَمَالِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ التَّكْلِيفِ، فَكَانَ تَوْسِيطُ التَّكْلِيفِ إِضْرَارًا مَحْضًا مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ يَحْسُنُ مِنْهُ أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَهُ، وَأَنْ يُكَلِّفَهُمْ بِمَا شَاءَ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْخَلْقُ مِنْهُ ثَبَتَ أَنَّهُ هُوَ الْخَالِقُ لِكُلِّ الْعَبِيدِ، وَإِذَا كَانَ خَالِقًا لَهُمْ كَانَ مَالِكًا لَهُمْ، وَإِذَا كَانَ مَالِكًا لَهُمْ حَسُنَ مِنْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ وَيَنْهَاهُمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ تَصَرَّفٌ مِنَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي