تفسير سورة سورة الأنفال

أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي

جهود ابن عبد البر في التفسير

أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي (ت 463 هـ)

٢٣٠- قال أبو عمر روي عن عبادة بن الصامت قال : خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى بدر، فلقوا العدو. فلما هزمهم الله اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله- صلى الله عليه وسلم- واستلوت١ طائفة على العسكر والنهب. فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم قالوا : لنا النقل٢، نحن طلبنا العدو، وبنا نفاهم الله وهزمهم وقال الذين أحدقوا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- : ما أنتم أحق به منا، بل هو لنا، نحن أحدقنا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- لئلا ينال العدو منه غرة، وقال الذين استلووا على العسكر والنهب : ما أنتم أحق به منا، هو لنا، نحن حويناه واستلوينا عليه، فأنزل الله- عز وجل- : يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ، فقسمه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن فواق٣ بينهم. ( الدرر في اختصار المغازي والسير : ١١٦. وانظر ت : ١٤/٦١-٦٢ )

٢٣١-
ذكر محمد بن إسحاق، قال : حدثني عبد الرحمان بن الحارث وغيره من أصحابنا، عن سليمان بن موسى أبي الأشدق، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي، قال : سالت عبادة بن الصامت عن الأنفال، فقال : فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول، فقسمه رسول الله-صلى الله عليه وسلم- عن بواء، يقول : على السواء، فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله، وإصلاح ذات البين٤. ( المصدر السابق : ١١٦-١١٧. وانظر س : ١٤/١٥١-١٥٢ )

٢٣٢-
قال أبو عمر : النفل : الغنيمة، والأنفال : الغنائم، هذا ما لا خلاف فيه عند العلماء، ولا أهل اللغة.
قال صاحب " العين " : النفل : المغنم، والجميع الأنفال، والإمام ينفل الجيش إذا جعل لهم ما غنموا٥. وقال مجاهد : الأنفال : الغنائم، وقالته الجماعة.
وقد يكون النفل في اللغة أيضا العطية، والأنفال : العطايا من الله عز وجل- ومن العباد بعضهم لبعض.
وأجمع العلماء على أن قول الله- عز وجل- : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ٦، نزلت عند قوله : يسألونك عن الأنفال ، نزلت في حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر.
وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، وإسماعيل السدي في قوله-عز وجل- : يسألونك عن الأنفال . قال٧ : الأنفال لله وللرسول نسختها : واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ٨. ( س : ١٤/١٥٠-١٥١ )
١ - قال ابن عبد البر: قال أهل العلم بلسان العرب: استلووا، أطافوا وأحاطوا، يقال: الموت مستلو على العباد، الدرر: ١١٦..
٢ - سيأتي بيانه من قبل ابن عبد البر نفسه في النص رقم: ٢٣٢..
٣ - قال ابن عبد البر: يعني عن سرعة، قالوا: أي أهل العلم بلسان العرب: والفواق: ما بين حلبتي الناقة، يقال: انتظر فواق ناقة أي هذا المقدار. ويقولونها بالفتح والضم: فواق، فواق، الدرر: ١١٦..
٤ - أخرجه ابن جرير بسنده إلى عبادة بن الصامت، انظر جامع البيان: ٩/١٧٢-١٧٣..
٥ - الذي في معجمه المطبوع مادة "نفل" ٨/٣٢٥. النفل الغنم. والجميع: الأنفال، ونفلت فلانا: أعطيته نفلا وغنما، والإمام ينفل الجند. إذا جعل لهم ما غنموا..
٦ - سورة الأنفال: ٤١..
٧ -المفروض أن يكون "قالوا" لأن الضمير فيه يعود على كل المذكورين..
٨ - انظر جامع البيان: ٩/١٧٥-١٧٦..
٢٣٣- الإيمان مراتب بعضها فوق بعض، فليس الناقص فيها كالكامل، قال الله – عز وجل- : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ، أي إنما المؤمن حق الإيمان، من كانت هذه صفته، ولذلك قال : أولئك هم المؤمنون حقا . ( ت : ٩/٢٤٤ )
٢٣٤- ذكر سنيد قال : حدثني مع سمع سفيان بن عيينة يحدث عن إسماعيل ابن أبي خالد، قال : سمعت عبد الله بن أبي أوفى، قال في قوله-عز وجل- : يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ، نزلت في أبي لبابة بن المنذر١.
وذكر بقي بن مخلد، قال : حدثنا هناد بن السري، قال : حدثنا يونس قال : حدثنا عنبسة بن الأزهر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، قال : نزلت : يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ، في أبي لبابة، أشار إلى بني قريظة حيث قالوا ننزل على حكم سعد ؛ قال : لا تفعلوا، فإنه الذبح، وأمر يده على حلقه.
قال بقي : وحدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي، قال : حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي خالد، قال : سمعت عبد الله بن أبي قتادة، قال : نزلت في أبي لبابة : يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ، قال سفيان : هكذا قرأ.
قال أبو عمر : قد قرأ :" أماناتكم " على التوحيد جماعة. والصواب عندي – والله أعلم- في حديث سفيان بن عيينة هذا، عبد الله بن أبي قتادة٢، لا عبد الله بن أبي أوفى، وإن كان إسماعيل بن أبي خالد سمع من ابن أبي أوفى. ( ت : ٢٠/٨٥-٨٦. وانظر الدرر : ١٩٠ )

٢٣٥-
ذكر علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : وتخونوا أماناتكم ، قال : ما افترض عليكم من الفرائض، وكذلك قال الضحاك بن مزاحم.
وقال يزيد بن أبي حبيب وغيره : وهو الإغلال بالسلاح في المغازي والبعوث. ( ت : ٢٠/٨٦ )
١ - انظر قصته في الدرر: ١٩٠..
٢ - وهو كذلك عند ابن جرير، انظر جامع البيان: ٩/٢٢٢..
٢٣٦- قال أبو عمر : الآية قول الله – عز وجل- : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه -الآية، الغنيمة : ما أخذه عنوة وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، وأجلوه من ديارهم، وتركوه بالرعب لقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم- :( ونصرت بالرعب )١. ( ت : ط ٢٠/٤٦ )

٢٣٧-
في قول الله –عز وجل- : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه دليل على أن أربعة أخماس الغنائم لأهلها الغانمين لها والموجفين عليها الخيل والركاب والرجل ؛ لأن الله –عز وجل- لما أضاف الغنيمة إليهم بقوله : غنمتم ، وأخبر أن الخمس خارج عنهم لمن سمى في الآية، علم العلماء استدلالا ونظرا صحيحا أن الأربعة الأخماس المسكوت عنها لهم مقسومة بينهم، وهذا ما لا خلاف فيه ؛ ألا ترى إلى قول الله – عز وجل- : وورثه أبواه فلأمه الثلث ٢، فلما جعل الأبوين الوارثين وأخبر أن للأم الثلث، استغنى عن أن يقول وللأب الثلثان. ( ت : ١٤/٤٩ )
١ - أخرجه الإمام البخاري في الاعتصام، باب قول النبي-صلى الله عليه وسلم- :(بعثت بجوامع الكلم): ٨/١٣٨. والإمام مسلم في المساجد ومواضع الصلاة: ١/٣٧١-٣٧٢. والترمذي في السير، باب ما جاء في الغنيمة: ٣/٥٥-٥٦. والنسائي في الغسل والتيمم، باب التيمم بالصعيد: ١/٢٠٩-٢١٠. وكذا في الجهاد باب وجوب الجهاد: ٦/٣. والإمام أحمد: ١/٩٨ و ٣٠١. و٢/٢٢٢. و ٢٦٨و ٤١٢ و ٤٥٥ و٥٠١. ٣/٣٠٤. ٤/٤١٦. ٥/١٤٥. و ١٤٨ و ١٦٢ و٢٤٨ و٢٥٦..
٢ - سورة النساء: ١١..
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

4 مقطع من التفسير