تفسير سورة سورة التكوير

أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي

النكت والعيون

أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي (ت 450 هـ)

الناشر

دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان

عدد الأجزاء

6

المحقق

السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم

نبذة عن الكتاب

  • جعل المؤلِّفُ الكتاب مقصورًا على تأويل ما خفي علمه، وتفسير ما غمض تصوره وفهمه.
  • جمع بين أقاويل السلف والخلف، موضحاً للمؤتلف من المختلف.
  • ذكر ما سنح للخاطر من محتملات التفسير، وصدرها بقوله: (ويحتمل)، ليتميز ما نقله عما قاله باجتهاده.
  • قدم لهذا التفسير بفصول أيضاً تعتبر من الفصول المهمة، فذكر فيها أسماء القرآن، وتقسيم سور القرآن من الطوال والمئين والمثاني، وتعريف السورة والآية، وبيان معرفة الأحرف السبعة، وكذلك إعجاز القرآن، ثم فصل في النظر إلى جميع ما تتضمنه ألفاظه من المعاني، وما تحتمله من التأويل، وهو فصل مهم جداً.
  • شرح أثر ابن عباس رضي الله عنهما في أقسام التفسير، وذكر كلامًا جيدًا يتعلق بأصول التفسير، ثم شرح الاستعاذة والبسملة، ثم شرع بالفاتحة إلى أن اختتم بالناس.
  • نلاحظ في طريقة المؤلف في كتابه: أنه صاحب تفنن في ترتيب الأقوال، فهو محسن في ترتيب كتابه، بل هذه طريقته في عامة كتبه.
  • اختصر الأسانيد، واكتفى بذكر المُفسِّر، مع أنه استفاد من تفسير يحيى بن سلام (ت:200هـ)، واستفاد من الطبري (ت:310هـ)، واستفاد من الثعلبي (ت:427هـ)، وهذه كلها فيها أسانيد، ومع ذلك لم يذكر الإسناد، وإنما اختصره واكتفى بذكر صاحب التفسير. ثامنًا: يلاحظ أنه أدخل أقوال المتأخرين من المتكلمين من معتزلة وغيرهم، فوقع في تفسيره بعض الأقوال الضعيفة من هذه الجهة، من جهة تأويلات المعتزلة، والماوردي حين كان ينقل ما كان يبين خطأ هذه المذاهب، فهو ينقل أقوال المعتزلة، ولا يشير إلى خطأ هذه الأقوال؛ لأنه لم ينتهج هذا المذهب، وإنما انتهج منهج اختصار هذه التفاسير، ولهذا سنجد عنده أسماء أعلام من المعتزلة مثل: الرماني، ومثل: علي بن محمد بن بحر الأصفهاني، سنجد مثل هذين الاسمين كثيرًا، ابن بحر الذي هو محمد بن بحر الأصفهاني، والرماني هو علي بن عيسى، أحياناً يقول: الرماني، وأحياناً يقول: علي بن عيسى، أحياناً يقول: ابن عيسى، فنقل عن هؤلاء المعتزلة، فصار كتابه مليئًا ومشحونًا بهذه الأقوال الباطلة.
  • هذا الكتاب يُعتَبَر من الكتب التي يكثر فيها القول الشاذ في التفسير، وهو صالح للدراسة من جهة بحث الأقوال الشاذة من خلال تفسير (النكت والعيون)، فإنه سيجد مادة غزيرة جدًّا في هذه الأقوال.
  • يُلاحظ أنه لا يعتني بتداخل الأقوال، لذا فهو يحكي كثيراً من الأقوال وهي متداخلة على أنها قول، مع أنها هذه الأقوال يتداخل بعضها مع بعض.
  • كان الماوردي فقيهاً شافعيًا، وقد أكثر من ذكر مذهب الشافعي في كتابه هذا، وإن كان يذكر أيضاً مذهب العلماء الآخرين، لكنه يكثر من نقل مذهب الشافعي .
  • أشكل المذهب العقدي على من بحث في معتقد الماوردي، وإن كان يعتبر من متكلمي الأشاعرة، وسبب ذلك: أنه ينقل أقوال المعتزلة وغيرهم، حتى أحيانًا ينقل أقوال الرافضة ولا يعلق عليها، فبعضهم يقول: إن فيه رفضاً، وبعضهم يقول: إن فيه اعتزالاً، وإن كان الأصل فيه أنه من متكلمي الأشاعرة، لكن سبب الإشكالية أنه ينقل أقوال هؤلاء ولا يعلق عليها.
  • اعتنى بالمشكلات، اهتم بنقلها، وكل هذا من اعتنائه بالنقل؛ فليس من كلامه هو، وإنما اعتنى بنقل ما يكون للعلماء من المشكلات والإجابة عليها.
  • اعتنى بنقل الفروق اللغوية واستفاد كثيرًا من الرماني في ذلك؛ لأن الرماني في تفسيره اعتنى كثيراً بالفروق اللغوية.
وهذا الكتاب لا يصلح منهجًا للتفسير، وإنما يعتبر مصدرًا يستفيد منه الباحثون، أما أن يكون كتاباً يعتمد في التفسير ويقرأه الإنسان فلا يصلح، إنما يعد من المصادر.

مقدمة التفسير
سورة التكوير
مكية في قول الجميع
آية رقم ١
﴿إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت وإذا السماء كشطت وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت﴾ قوله تعالى: ﴿إذا الشمسُ كُوِّرَتْ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني ذهب نورها وأظلمت، قاله ابن عباس. الثاني: غُوِّرَت، وهو بالفارسية كوبكرد، قاله ابن جبير. الثالث: اضمحلت، قاله مجاهد. الرابع: نكست، قاله أبو صالح. الخامس: جمعت فألقيت، ومنه كارة الثياب لجمعها، وهو قول الربيع بن خيثم. ﴿وإذا النجوم انْكَدَرَتْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: تناثرت، قاله الربيع بن خيثم. الثاني: تغيرت فلم يبق لها ضوء، قاله ابن عباس.
— 211 —
الثالث: تساقطت، قاله قتادة، ومنه قول العجاج:
(أبصَرَ خرْبان فضاء فانكَدَرْ تَقضِّيَ البازي إذا البازي كَسَر)
ويحتمل رابعاً: أن يكون انكدارها طمس آثارها، وسميت النجوم نجوماً لظهورها في السماء بضوئها. ﴿وإذا الجبالُ سُيِّرتْ﴾ يعني ذهبت عن أماكنها، قال مقاتل: فسويت بالأرض كما خلقت أول مرة وليس عليها جبل ولا فيها واد. ﴿وإذا العِشارُ عُطِّلتْ﴾ والعشار: جمع عشراء وهي الناقة إذا صار لحملها عشرة أشهر، وهي أنفس أموالهم عندهم، قال الأعشى:
(هو الواهبُ المائةَ المصْطفا ةَ إمّا مخاضاً وإمّا عِشاراً)
فتعطل العشار لاشتغالهم بأنفسهم من شدة خوفهم. وفي (عطلت) تأويلان: أحدهما: أُهملت، قاله الربيع. الثاني: لم تحلب ولم تدر، قاله يحيى بن سلام. وقال بعضهم: العشار: السحاب تعطل فلا تمطر. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أنها الأرض التي يعشر زرعها فتصير للواحد عُشراً، تعطل فلا تزرع. ﴿وإذا الوُحوشُ حُشِرتْ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: جمعت، قاله الربيع. الثاني: اختلطت، قاله أبي بن كعب فصارت بين الناس.
— 212 —
الثالث: حشرت إلى القيامة للقضاء فيقتص للجمّاء من القرناء، قاله السدي. الرابع: أن حشرها بموتها، قاله ابن عباس. ﴿وإذا البحارُ سُجِّرتْ﴾ فيه ثمانية تأويلات: أحدها: فاضت، قاله الربيع. الثاني: يبست، قاله الحسن. الثالث: ملئت، أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت، قاله أبو الحجاج. الرابع: فجرت فصارت بحراً واحداً، قاله الضحاك. الخامس: سيرت كما سيرت الجبال، قاله السدي. السادس: هو حمرة مائها حتى تصير كالدم، مأخوذ من قولهم عين سجراء أي حمراء. السابع: يعني أوقدت فانقلبت ناراً، قاله عليّ رضي الله عنه وابن عباس وأُبي بن كعب. الثامن: معناه أنه جعل ماؤها شراباً يعذب به أهل النار، حكاه ابن عيسى. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف (سجرت) إخباراً عن حالها مرة واحدة، وقرأ الباقون بالتشديد إخباراً عن حالها في تكرار ذلك منها مرة بعد أخرى. ﴿وإذا النفوسُ زُوِّجَتْ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني عُمل بهن عملٌ مثل عملها، فيحشر العامل بالخير مع العامل بالخير إلى الجنة، ويحشر العامل بالشر مع العامل بالشر إلى النار، قاله عطية العوفي: حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة. الثاني: يزوج كل رجل نظيره من النساء فإن من أهل الجنة زوّج بامرأة من
— 213 —
اهل الجنة، وإن كان من أهل النار زوّج بامرأة من أهل النار، قاله عمر بن الخطاب، ثم قرأ: ﴿احْشُروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ الثالث: معناه ردّت الأرواح إلى الأجساد، فزوجت بها أي صارت لها زوجاً، قاله عكرمة والشعبي. الرابع: أنه قرن كل غاو بمن أغواه من شيطان أو إنسان، حكاه ابن عيسى. ويحتمل خامساً: زوجت بأن أضيف إلى كل نفس جزاء عملها، فصار لاختصاصها به كالتزويج. ﴿وإذا الموءوجة سُئِلَتْ﴾ والموءودة المقتولة، كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت امرأته بنتاً دفنها حية، إما خوفاً من السبي والاسترقاق، وإما خشية الفقر والإملاق، وكان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا ويمنعون منه حتى افتخر الفرزدق فقال:
(ومِنّا الذي مَنَعَ الوائداتِ فأحْيا والوئيدَ فلم تُوأَدِ)
وسميت موءودة للثقل الذي عليها من التراب، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يئوده حفظهما﴾ أي لا يثقله، وقال متمم بن نويرة:
(وموءودةٍ مقبورة في مفازةٍ بآمتها موسودة لم تُمهّدِ)
فقال توبيخاً لقاتلها وزجراً لمن قتل مثلها ﴿وإذا الموءودة سئلت﴾ واختلف هل هي السائلة أو المسئولة، على قولين: أحدهما: وهو قول الأكثرين أنها هي المسئولة: ﴿بأيِّ ذَنْبِ قُتِلَتْ﴾ فتقول: لا ذنب لي، فيكون ذلك أبلغ في توبيخ قاتلها وزجره. الثاني: أنها هي السائلة لقاتلها لم قتلت، فلا يكون له عذر، قاله ابن عباس وكان يقرأ: وإذا الموءودة سألت.
— 214 —
قال قتادة: يقتل أحدهما بنته ويغذو كلبه، فأبى الله سبحانه ذلك عليهم. ﴿وإذا الصُّحُف نُشِرَتْ﴾ يعني صحف الأعمال إذا كتب الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر، تطوى بالموت وتنشر في القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها قيقول: (﴿ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحْصاها﴾. وقرأ حمزة والكسائي بتشديد نشّرت على تكرار النشر، وقرأ الباقون بالتخفيف على نشرها مرة واحدة، فإن حمل على المرة الواحدة فلقيام الحجة بها، وإن حمل على التكرار ففيه وجهان: أحدهما: للمبالغة في تقريع العاصي وتبشير المطيع. الثاني: لتكرير ذلك من الإنسان والملائكة الشهداء عليه. ﴿وإذا السماءُ كُشِطَتْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها يعني ذهبت، قاله الضحاك. الثاني: كسفت، قاله السدي. الثالث: طويت، قاله يحيى بن سلام، كما قال تعالى: ﴿يوم نطوي السماء﴾ الآية. ﴿وإذا الجحيمُ سُعِّرَتْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أحميت، قاله السدي. الثاني: أُوقدت، قاله معمر عن قتادة. الثالث: سعّرها غضب الله وخطايا بني آدم، قاله سعيد عن قتادة. ﴿وإذا الجنّةُ أُزْلِفَتْ﴾ أي قرّبت، قال الربيع: إلى هاتين الآيتين ما جرى الحديث فريق في الجنة وفريق في السعير. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرتْ﴾ يعني ما عملت من خير وشر. وهذا جواب ﴿إذا الشمس كورت﴾ وما بعدها، قال عمر بن الخطاب: لهذا جرى الحديث، وقال الحسن: ﴿إذا الشمس كورت﴾ قسم وقع على قوله ﴿علمت نفسٌ ما أَحضَرَتْ﴾.
— 215 —
آية رقم ٢
وإذا النجوم انْكَدَرَتْ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : تناثرت، قاله الربيع بن خيثم.
الثاني : تغيرت فلم يبق لها ضوء، قاله ابن عباس.
الثالث : تساقطت، قاله قتادة، ومنه قول العجاج :
أبصَرَ خرْبان فضاء فانكَدَرْ تَقضِّيَ البازي إذا البازي كَسَر
ويحتمل رابعاً : أن يكون انكدارها طمس آثارها، وسميت النجوم نجوماً لظهورها في السماء بضوئها.
آية رقم ٣
وإذا الجبالُ سُيِّرتْ يعني ذهبت عن أماكنها، قال مقاتل : فسويت بالأرض كما خلقت أول مرة وليس عليها جبل ولا فيها واد.
آية رقم ٤
وإذا العِشارُ عُطِّلتْ والعشار : جمع عشراء وهي الناقة إذا صار لحملها عشرة أشهر، وهي أنفس أموالهم عندهم، قال الأعشى :
هو الواهبُ المائةَ المصْطفا ةَ إمّا مخاضاً وإمّا عِشاراً
فتعطل [ العشار ] لاشتغالهم بأنفسهم من شدة خوفهم.

وفي " عطلت " تأويلان :

أحدهما : أُهملت، قاله الربيع.
الثاني : لم تحلب ولم تدر، قاله يحيى بن سلام.
وقال بعضهم : العشار : السحاب تعطل فلا تمطر.
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أنها الأرض التي يعشر زرعها فتصير للواحد عُشراً، تعطل فلا تزرع١.
١ وقيل الديار تعطل فلا تسكن..
آية رقم ٥
وإذا الوُحوشُ حُشِرتْ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : جمعت، قاله الربيع.
الثاني : اختلطت، قاله أبي بن كعب فصارت بين الناس.
الثالث : حشرت إلى القيامة للقضاء فيقتص للجمّاء من القرناء، قاله السدي.
الرابع : أن حشرها بموتها، قاله ابن عباس.
آية رقم ٦
وإذا البحارُ سُجِّرتْ فيه ثمانية تأويلات :
أحدها : فاضت، قاله الربيع.
الثاني : يبست، قاله الحسن.
الثالث : ملئت، أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت، قاله أبو الحجاج.
الرابع : فجرت فصارت بحراً واحداً، قاله الضحاك.
الخامس : سيرت كما سيرت الجبال، قاله السدي.
السادس : هو حمرة مائها حتى تصير كالدم، مأخوذ من قولهم عين سجراء أي حمراء.
السابع : يعني أوقدت فانقلبت ناراً، قاله عليّ رضي الله عنه وابن عباس وأُبي بن كعب.
الثامن : معناه أنه جعل ماؤها شراباً يعذب به أهل النار، حكاه ابن عيسى.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف " سجرت " إخباراً عن حالها مرة واحدة١، وقرأ الباقون بالتشديد إخباراً عن حالها في تكرار ذلك منها مرة بعد أخرى.
١ أي إن تشديد سجرت أفاد الكثرة والتكرار لأن زيادة المبنى على زيادة المعنى..
آية رقم ٧
وإذا النفوسُ زُوِّجَتْ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : يعني عُمل بهن عملٌ مثل عملها، فيحشر العامل بالخير مع العامل بالخير إلى الجنة، ويحشر العامل بالشر مع العامل بالشر إلى النار، قاله عطية العوفي : حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة.
الثاني : يزوج كل رجل نظيره من النساء فإن كان من أهل الجنة زوّج بامرأة من أهل الجنة، وإن كان من أهل النار زوّج بامرأة من أهل النار، قاله عمر بن الخطاب، ثم قرأ :
احْشُروا الذين ظلموا وأزواجهم .
الثالث : معناه ردّت الأرواح إلى الأجساد، فزوجت بها أي صارت لها زوجاً، قاله عكرمة والشعبي.
الرابع : أنه قرن كل غاو بمن أغواه من شيطان أو إنسان، حكاه ابن عيسى.
ويحتمل خامساً : زوجت بأن أضيف إلى كل نفس جزاء عملها، فصار لاختصاصها به كالتزويج.
آية رقم ٨
واختلف هل هي السائلة أو المسئولة، على قولين :
أحدهما : وهو قول الأكثرين أنها هي المسئولة : بأيِّ ذَنْبِ قُتِلَتْ فتقول : لا ذنب لي، فيكون ذلك أبلغ في توبيخ قاتلها وزجره.
الثاني : أنها هي السائلة لقاتلها لم قتلت، فلا يكون له عذر، قاله ابن عباس وكان يقرأ : وإذا الموءودة سألت.
آية رقم ٩
واختلف هل هي السائلة أو المسئولة، على قولين :
أحدهما : وهو قول الأكثرين أنها هي المسئولة : بأيِّ ذَنْبِ قُتِلَتْ فتقول : لا ذنب لي، فيكون ذلك أبلغ في توبيخ قاتلها وزجره.
الثاني : أنها هي السائلة لقاتلها لم قتلت، فلا يكون له عذر، قاله ابن عباس وكان يقرأ : وإذا الموءودة سألت.
قال قتادة : يقتل أحدهما بنته ويغذو كلبه، فأبى الله سبحانه ذلك عليهم.
آية رقم ١٠
وإذا الصُّحُف نُشِرَتْ يعني صحف الأعمال إذا كتب الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر، تطوى بالموت وتنشر في القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها فيقول :" ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحْصاها .
وقرأ حمزة والكسائي بتشديد نشّرت على تكرار النشر، وقرأ الباقون بالتخفيف على نشرها مرة واحدة، فإن حمل على المرة الواحدة فلقيام الحجة بها، وإن حمل على التكرار ففيه وجهان :
أحدهما : للمبالغة في تقريع العاصي وتبشير المطيع.
الثاني : لتكرير ذلك من الإنسان والملائكة الشهداء عليه.
آية رقم ١١
وإذا السماءُ كُشِطَتْ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها يعني ذهبت، قاله الضحاك.
الثاني : كسفت، قاله السدي.
الثالث : طويت، قاله يحيى بن سلام، كما قال تعالى : يوم نطوي السماء الآية.
آية رقم ١٢
وإذا الجحيمُ سُعِّرَتْ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أحميت، قاله السدي.
الثاني : أُوقدت، قاله معمر عن قتادة.
الثالث : سعّرها غضب الله وخطايا بني آدم، قاله سعيد عن قتادة.
آية رقم ١٣
وإذا الجنّةُ أُزْلِفَتْ أي قرّبت، قال الربيع : إلى هاتين الآيتين ما جرى الحديث فريق في الجنة وفريق في السعير.
آية رقم ١٤
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرتْ يعني ما عملت من خير وشر. وهذا جواب إذا الشمس كورت١ وما بعدها، قال عمر بن الخطاب : لهذا جرى الحديث، وقال الحسن : إذا الشمس كورت قسم وقع على قوله علمت نفسٌ ما أَحضَرَتْ .
١ أي أن هذا جواب الشرط الذي بدأ بقوله: إذا الشمس كورت الآيات التي بعدها..
آية رقم ١٥
{فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس
— 215 —
إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} ﴿فلا أُقسِمُ بالخُنّسِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: النجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت، قاله الحسن وقتادة. الثاني: خمسة الأنجم وهي: زحل وعطارد والمشتري والمريخ والزهرة، قاله عليّ. وفي تخصيصها بالذكر وجهان: أحدهما: لأنها لا تستقبل الشمس، قاله بكر بن عبد الله المزني. الثاني: لأنها تقطع المجرة، قاله ابن عباس. الثالث: أن الخنس بقر الوحش، قاله ابن مسعود. الرابع: أنها الظباء، قاله ابن جبير. ويحتمل تأويلاً خامساً: أنها الملائكة لأنها تخنس فلا تُرى، وهذا قَسَمٌ مبتدأ، و (لا) التي في قوله ﴿فلا أقسم بالخنس﴾ فيها الأوجه الثلاثة التي في ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾. ﴿الجوار الكُنّسِ﴾ فيها التأويلات الخمسة: أحدها: النجوم، قاله الحسن، سميت بالجواري الكنس لأنها تجري في مسيرها. الثاني: أنها النجوم الخمسة، وهو قول عليّ.
— 216 —
والكنّس، الغيّب، مأخوذ من الكناس وهو كناس الوحش التي تختفي فيه، قال أوس بن حجر:
(ألم تر أن الله أنزل مُزْنَهُ وعُفْرُ الظباءِ في الكِناس تَقَمّعُ)
الثالث: أنها بقر الوحش لاختفائها في كناسها، قاله ابن مسعود. الرابع: الظباء، قاله ابن جبير. الخامس: هي الملائكة. ﴿والليلِ إذا عَسْعَسَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أظلم، قاله ابن مسعود ومجاهد، قال الشاعر:
(حتى إذ ما لَيْلُهُنَّ عَسْعَسا رَكِبْنَ مِن حَدِّ الظّلامِ حِنْدساً)
الثاني: إذا ولى، قاله ابن عباس وابن زيد، قال الشاعر:
(حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا)
الثالث: إذا أقبل، قاله ابن جبير وقتادة، وأصله العس وهو الامتلاء، ومنه قيل للقدح الكبير عس لامتلائه بما فيه، فانطلق على إقبال الليل لابتداء امتلائه، وانطلق على ظلامه لاستكمال امتلائه، ﴿والصبحِ إذا تَنَفّسَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: طلوع الفجر، قاله عليّ وقتادة. الثاني: طلوع الشمس، قاله الضحاك. وفي (تنفّسَ) وجهان: أحدهما: بان إقباله. الثاني: زاد ضوؤه. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يكون تنفس بمعنى طال، مأخوذ من قولهم قد تنفس النهار إذا طال.
— 217 —
﴿إنه لَقَوْلُ رسولٍ كريمٍ﴾ وهو جواب القسم، يعني القرآن. وفي الرسول الكريم قولان: أحدهما: جبريل، قاله الحسن وقتادة والضحاك. الثاني: النبي ﷺ، قاله ابن عيسى، فإن كان المراد به جبريل فمعناه قول رسول للَّه كريم عن رب العاليمن لأن أصل القول الذي هو القرآن ليس من الرسول، إنما الرسول فيه مبلغ على الوجه الأول، ومبلغ إليه على الوجه الثاني. ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمينٍ﴾ هو جبريل في أصح القولين، يعني مطاعاً فيمن نزل عليه من الأنبياء، أميناً فيما نزل به من الكتب. ﴿وما صاحبكم بمجنونٍ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم. ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ وفي الذي رآه قولان: أحدهما: أنه رأى ربه بالأفق المبين، وهو معنى قول ابن مسعود. الثاني: رأى جبريل بالأفق المبين على صورته التي هو عليها، وفيها قولان: أحدهما: أنه رآه ببصره، قاله ابن عباس وعائشة. الثاني: بقلبه، ولم يره ببصره، قاله أبو ذر. وفي (الأفق) قولان: أحدهما: أنه مطلع الشمس. الثاني: أقطار السماء ونواحيها، قال الشاعر:
(أخَذْنا بآفاقِ السماءِ عليكمُ لنا قَمَراها والنُّجومُ الطّوالعُ)
فعلى هذا فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه رآه في أفق السماء الشرقي، قاله سفيان. والثاني: في أفق السماء الغربي، حكاه ابن شجرة.
— 218 —
الثالث: أنه رآه نحو أجياد، وهو مشرق مكة، قاله مجاهد، ﴿وما هو على الغَيْبِ بضنين﴾ قرأ بالظاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وفيه وجهان: أحدهما: وما محمد على القرآن بمتهم أن يأتي بما لم ينزل عليه، قاله ابن عباس. الثاني: بضعيف عن تأديته، قاله الفراء. وقرأ الباقون بالضاد، وفيه وجهان: أحدهما: وما هو ببخيل أن يعلِّم كما تعلّم. الثاني: وما هو بمتهم أن يؤدي ما لم يؤمر به. ﴿فأيْنَ تَذْهَبون﴾ فيه وجهان: أحدهما: فإلى أين تعدلون عن كتاب الله تعالى وطاعته، قاله قتادة. الثاني: فأي طريق أهدى لكم وأرشد من كتاب الله، حكاه ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: فأين تذهبون عن عذابه وعقابه. ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاءَ اللهُ ربُّ العالَمين﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وما تشاؤون الاستقامة على الحق إلا أن يشاء الله لكم. الثاني: وما تشاؤون الهداية إلا أن يشاء الله بتوفيقه: وقيل إن سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ قال أبو جهل: ذلك إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله ربّ العالمين﴾.
— 219 —
سورة الانفطار
مكية في قول الجميع بسم الله الرحمن الرحيم
— 220 —
آية رقم ١٦
الجوارى الكُنّسِ فيها التأويلات الخمسة :
أحدها : النجوم، قاله الحسن، سميت بالجواري الكنس لأنها تجري في مسيرها.
الثاني : أنها النجوم الخمسة، وهو قول عليّ.
والكنّس، الغيّب١، مأخوذ من الكناس وهو كناس الوحش التي تختفي فيه، قال أوس بن حجر :
ألم تر أن الله أنزل مُزْنَهُ وعُفْرُ الظباءِ في الكِناس تَقَمّعُ٢
الثالث : أنها بقر الوحش لاختفائها في كناسها، قاله ابن مسعود.
الرابع : الظباء، قاله ابن جبير.
الخامس : هي الملائكة.
١ في ك: الغيث: هو تحريف.
٢ تقمع: تحرك رؤسها من القمعة، وهي ذباب أزرق يدخل في أنوف الدواب أو يقع عليها فيلسعها.
حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا.

آية رقم ١٧
والليلِ إذا عَسْعَسَ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أظلم، قاله ابن مسعود ومجاهد، قال الشاعر١ :
حتى إذ ما لَيْلُهُنَّ عَسْعَسا رَكِبْنَ مِن حَدِّ الظّلامِ حِنْدساً
الثاني : إذا ولى، قاله ابن عباس وابن زيد، قال الشاعر :
حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا
الثالث : إذا أقبل، قاله ابن جبير وقتادة، وأصله العس وهو الامتلاء، ومنه قيل للقدح الكبير عس لامتلائه بما فيه، فانطلق على إقبال الليل لابتداء امتلائه، وانطلق على ظلامه لاستكمال امتلائه،
١ هو علقمة بن قرط كما ذكر القرطبي. وفي الكشاف أنه العجاج..
آية رقم ١٨
والصبحِ إذا تَنَفّسَ فيه تأويلان :
أحدهما : طلوع الفجر، قاله عليّ وقتادة.
الثاني : طلوع الشمس، قاله الضحاك.

وفي " تنفّسَ " وجهان :

أحدهما : بان إقباله.
الثاني : زاد ضوؤه.
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أن يكون تنفس بمعنى طال، مأخوذ من قولهم قد تنفس النهار إذا طال.
آية رقم ١٩
إنه لَقَوْلُ رسولٍ كريمٍ وهو جواب القسم، يعني القرآن.

وفي الرسول الكريم قولان :

أحدهما : جبريل، قاله الحسن وقتادة والضحاك.
الثاني : النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عيسى، فإن كان المراد به جبريل فمعناه قول رسول للَّه كريم عن رب العالمين لأن أصل القول الذي هو القرآن ليس من الرسول، إنما الرسول فيه مبلغ على الوجه الأول، ومبلغ إليه على الوجه الثاني.
آية رقم ٢١
مُطاعٍ ثَمَّ أمينٍ هو جبريل في أصح القولين، يعني مطاعاً فيمن نزل عليه من الأنبياء، أميناً فيما نزل به من الكتب.
آية رقم ٢٢
وما صاحبكم بمجنونٍ يعني النبي صلى الله عليه وسلم.
آية رقم ٢٣
ولقد رآه بالأفق المبين وفي الذي رآه قولان :
أحدهما : أنه رأى ربه بالأفق المبين، وهو معنى قول ابن مسعود.
الثاني : رأى جبريل بالأفق المبين على صورته التي هو عليها، وفيها قولان :
أحدهما : أنه رآه ببصره، قاله ابن عباس وعائشة.
الثاني : بقلبه، ولم يره ببصره، قاله أبو ذر.

وفي " الأفق " قولان :

أحدهما : أنه مطلع الشمس.
الثاني : أقطار السماء ونواحيها، قال الشاعر١ :
أخَذْنا بآفاقِ السماءِ عليكمُ لنا قَمَراها والنُّجومُ الطّوالعُ

فعلى هذا فيه ثلاثة أقاويل :

أحدها : أنه رآه في أفق السماء الشرقي، قاله سفيان.
والثاني : في أفق السماء الغربي، حكاه ابن شجرة.
الثالث : أنه رآه نحو أجياد، وهو مشرق مكة، قاله مجاهد،
١ هو الفرزدق..
آية رقم ٢٤
وما هو على الغَيْبِ بضنين قرأ بالظاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وفيه وجهان :
أحدهما : وما محمد على القرآن بمتهم أن يأتي بما لم ينزل عليه، قاله ابن عباس.
الثاني : بضعيف عن تأديته، قاله الفراء.

وقرأ الباقون بالضاد، وفيه وجهان :

أحدهما : وما هو ببخيل أن يعلِّم كما تعلّم.
الثاني : وما هو بمتهم أن يؤدي ما لم يؤمر به.
آية رقم ٢٦
فأيْنَ تَذْهَبون فيه وجهان :
أحدهما : فإلى أين تعدلون عن كتاب الله تعالى وطاعته، قاله قتادة.
الثاني : فأي طريق أهدى لكم وأرشد من كتاب الله، حكاه ابن عيسى.
ويحتمل ثالثاً : فأين تذهبون عن عذابه وعقابه.
آية رقم ٢٩
وما تشاؤون إلا أن يشاءَ اللهُ ربُّ العالَمين فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : وما تشاؤون الاستقامة على الحق إلا أن يشاء الله لكم.
الثاني : وما تشاؤون الهداية إلا أن يشاء الله بتوفيقه١.
وقيل إن سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قوله تعالى :
لمن شاء منكم أن يستقيم قال أبو جهل : ذلك إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى : وما تشاءون إلا أن يشاء الله ربّ العالمين .
١ لم يذكر الوجه الثالث، إلا إذا اعتبرنا ما ذكره من سبب النزول وجها ثالثا..
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

25 مقطع من التفسير