تفسير سورة الحجرات

تفسير مقاتل بن سليمان
تفسير سورة سورة الحجرات من كتاب تفسير مقاتل بن سليمان .
لمؤلفه مقاتل بن سليمان . المتوفي سنة 150 هـ
سورة الحجرات
مدنية عددها ثماني عشرة آية كوفي

﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ نزلت في ثلاثة نفر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى ناحية أرض تهامة، وكانوا سبعة وعشرين رجلاً منهم عروة بن أسماء السلمي، والحكم بن كيسان المخزومي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وبشير الأنصاري، واستعمل عليهم المنذر من عمرو الأنصارى من النقباء، وكتب صحيفة ودفعها إلى حرام بن ملحان ليقرأها على العدو، فكان طريقهم على بني سليم وبينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعة. ودس المنافقون إلى بني عامر بن صعصعة، وهم حرب على المسلمين، أن أصحاب محمد مغرورون يختلفون من بين ثلاثة وأربعة فأرصدوهم وهم على بئر معونة، وهو ماء لبني عامر فسار القوم ليلاً، وأضل أربعة منهم بعيراً لهم منهم بشير الأنصاري، فأقاموا حتى أصبحوا، وسار المسلمون حتى أتوا على بنى عامر، وهم حول الماء، وعليهم عامر بن الطفيل العامري، فدعاهم المنذر بن عمرو إلى الإسلام، وقرأ عليهم حرام الصحيفة، فأبوا فاقتتلوا قتالاً شديداً، فلما عرفوا أنهم مقتولون، قالوا: اللهم، إنك تعلم إن رسولك أرسلنا، وإنا لا نجد من يبلغ عنا رسولك غيرك، فاقرئه منا السلام، فقد رضينا بحسن قضائك لنا. وحمل عامر بن الطفيل على حرام فطعنه فقتله، وقتل بقيتهم غير المنذر بن عمرو، فإنه كان دارعاً مقعناً، وعروة بن أسماء السلمي، فقتل المنذر بعد ذلك، فقالوا: لعروة: لو ئسنا لقتلناك، فأنت آمن فإن شئت فارجع إلينا، وإن شئت فاذهب إلى غيرنا، فأنت آمن، قال عروة: إني عاهدت رسول الله صلى الله عليه سلم ألا أضع يدي في يد مشرك ولا أتخذه ولياً، وجعل يحمل عليهم، ويضربونه يعرض رماحهم ويناشدونه، ويأبى عليهم فرموه بالنبل حتى قتلوه، وأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بحالهم، فنعاهم النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وقال: أرسل إخوانكم يقرأونكم السلام فاستغفروا لهم. ووجد الأربعة بعيرهم حين أصبحوا، فساروا فلما دنوا من ماء بني عامر لقيتهم وليدة لبني عامر، فقالت: أمن أصحاب محمد أنتم؟ فقالوا: نعم، رجاء أن تسلم، فقالت: إن إخوانكم قد قتلوا حول الماء، النجاء النجاء، ألا ترون إلى النسور والعقبان قد تعلقن بلحومهم. فقال بشير الأنصاري: دونكم بعيركم أنظر لكم، فسار نحوهم فرأى إخوانهم مقتلين كأمثال البدن حول الماء، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم، وقال لهم: ما ترون؟ قالوا: نرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر، فقال بشير: لكني لا أرجع والله، حتى أتغدى من غداء القوم، فاقرءوا على النبي صلى الله عليه وسلم مني السلام ورحمة الله، ثم أتاهم فحمل عليهم، فناشدوه أن أرجع فأبى، وحمل عليهم، فقتل منهم، ثم قُتل بعد، فرجع الثلاثة يسلون بغيرهم سلا، فأتوا المدينة عند جنوح الليل، فلقوا رجلين من بني سليم جائين من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: من أنتما؟ قالا: من بني عامر، لأنهم كانوا قريباً من بنى عامر بالمدينة، ولا يشعرون بصنيع بني عامر. فقالوا: هذين من الذين قتلوا إخواننا، فقتلوهما وسلبوهما، ثم دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ليخبروه فوجدوا الخبر قد سبق إليه، ثم قالوا: يا نبي الله، غشينا المدينة عند المساء فلقينا رجلين من بني عامر فقتلناهم، وهذا سلبهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بل هما من بني سليم من حلفائي بئسما صنعتما، هذا رجلان من بني سليم كانا جاءا في مر الموادعة "، فنزلت فيهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ يقول: لا تعجلوا بقتل أحد، ولا بأمر حتى تستأمروا النبي صلى الله عليه وسلم فوعظهم في ذلك، وأقبل قوم السلميين، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن صاحبينا قتلا عندك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن صاحبكم اعتزيا إلى عدونا فقتلا جميعاً " وأخبرهم الخبر، ولكننا سنعقل عن صاحبيكم لكل واحد منهما مائة من الإبل، فجعل دية المشرك المعاهد، كدية الحرا لمسلم. قال: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في المعاصي ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لمقالتكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ [آية: ١] بخلقه.
﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ ﴾ يعني كلامكم ﴿ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ ﴾ يعني فوق كلام النبي صلى الله عليه وسلم يقول: احفظوا الكلام عنده، نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس، وشماس الأنصاري من بني الحارث بن الخزرج، كان في أذنيه وقر، وكان إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم رفع صوته. ثم قال: ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ ﴾ وفيه نزلت هذه الآية:﴿ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ﴾[النور: ٦٣] يقول: لا تدعوه باسمه يا محمد، ويا ابن عبدالله ﴿ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ يقول: كما يدعو الرجل منكم باسمه يا فلان، ويا ابن فلان، ولكن عظموه ووقروه وفخموه وقولوا له: يا رسول الله، ويا نبي الله، يؤدبهم ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ ﴾ يعني أن تبطل حسناتكم إن لم تحفظوا أصواتكم عند النبي صلى الله عليه وسلم وتعظموه وتوقروه وتدعوه باسم النبوة، فإنه يحبط أعمالكم.﴿ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ [آية: ٢] أن ذلك يحبطها،" فلما نزلت هذه الآية أقام ثابت بن قيس في منزله مهموماً حزيناً مخافة أن يكون حبط عمله، كان بدرياً، فانطلق جاره سعد بن عبادة الأنصاري إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بقول ثابت بن قيس، بأنه قد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين، وهو في النار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: " اذهب فأخبره، أنك لم تعن بهذه الآية، ولست من أهل النار، بل أنت من أهل الجنة، وغيرك من أهل النار، يعني عبدالله بن أبي المنافق، فأخرج إلينا " فرجع سعد إلى ثابت فأخبره بقول النبي صلى الله عليه سلم، ففرح وخرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه سلم حين رآه: " مرحباً برجل يزعم أنه من أهل النار، بل غيرك من أهل النار، يعني عبدالله بن أبي، وكان جاره، وأنت من أهل الجنة "". فكان ثابت بعد ذلك إذا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم خفض صوته فلا يسمع من يليه.
فنزلت فيه بعد الآية الأولى: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ ﴾ يعني يخفضون كلامهم ﴿ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ ﴾ يعني أخلص الله ﴿ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ ﴾ لذنوبهم ﴿ وَأَجْرٌ ﴾ يعني جزاء ﴿ عَظِيمٌ ﴾ [آية: ٣] يعني: الجنة، فقال ثابت بعد ذلك: مايسرني أني لم أجهر بصوتي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأني لم أخفض صوتي إذا امتحن الله قلبي للتقوى، وجعل لي مغفرة لذنوبي، وجعل لي أجراً عظيماً يعني الجنة، فلما كان على عهد أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، غزا ثابت إلى اليمامة فرأى المسلمين قد انهزموا، فقال لهم: أف لكم، ولما تصنعون، اللهم إني اعتذر إليك من صنيع هؤلاء، ثم نظر إلى المشركين، فقال: أف لكم، ولما تعبدون من دون الله، اللهم إني أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء، ثم قاتلهم حتى قُتل، رحمة الله عليه.
﴿ إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ [آية: ٤] نزلت في تسعة رهط ثمانية منهم من بني تميم، ورجل من قيس، فمنهم الأقرع بن حابس المجاشعي، وقيس بن عاصم المنقري، والزبرقان بن بدر الهذلي، وخالد بن مالك، وسويد بن هشام النهشليين، والقعقاع بن معبد، وعطاء بن حابس، ووكيع بن وكيع من بني دارم، وعيينة بن حصن الفزاري،" وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أصاب طائفة من ذراري بني العنبر، فقدموا المدينة في الظهيرة لفداء ذراريهم، فتذكر ما كان من أمرهم فبكت الذراري إليهم، فنهضوا إلى المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم في منزله فاستعجلوا الباب لما أبطأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فنادى أكثرهم من وراء الحجرات: يا محمد، مرتين ألا تخرج إلينا فقد جئنا في الفداء. فقال النبي صلى الله عليه سلم: " ويلك ما لك حداك المنادى "، فقال: أما والله إن حمدى لك زين، وإن ذمي لك شين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ويلكم ذلك الله "، فلم يصبروا حتى يخرج إليهم صلى الله عليه وسلم.
فذلك قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ يعني بالخير لو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لأطلقتم من غير فداء. ثم قال: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [آية: ٥] لقولهم: يا محمد ألا تخرج إلينا.
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ ﴾ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي إلى بني المصطلق، وهم حي من خزاعة، ليقبض صدقة أموالهم، فلما بلغهم ذلك فرحوا واجتمعوا ليتلقوه، فبلغ الوليد ذلك فخافهم على نفسه، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية من أجل شىء كانوا أصابوه، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: طردوني ومنعوني الصدقة، وكفروا بعد إسلامهم، فلما قال ذلك انتدب المسلمون لقتالهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" إلا حتى أعلم العلم "، فلما بلغهم أن الوليد رجع من عندهم، بعثوا وفداً من وجوههم فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فقالوا: يا رسول الله، إنك أرسلت إلينا من يأخذ صدقتنا فسررنا بذلك، وأردنا أن نتلقاه، فذكر لنا أنه رجع من بعض الطريق فخفنا أنه إنما رده غضب علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، والله ما رأيناه ولا أتانا، ولكن حمله على ذلك شىء كان بيننا وبينه في الجاهلية، فهو يطلب يدخل الجاهلية، فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله في الوليد ثلاث آيات متواليات بفسقه وكذبه ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ ﴾ يقول: إن جاءكم كاذب بحديث كذب ﴿ فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ ﴾ قتل ﴿ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ ﴾ وأنتم جهال بأمرهم، يعني بني المصطلق ﴿ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ يعني الذين انتبدوا لقتال بني المصطلق [آية: ٦].
﴿ وَآعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ ﴾ يقول: لو أطاعكم النبي صلى الله عليه وسلم حين انتدبتم لقتالهم ﴿ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ يعني لأثمتم في دينكم. ثم ذكرهم النعم، فقال: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ ﴾ يعني التصديق ﴿ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ للثواب الذي وعدكم ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ ﴾ يعني الإثم ﴿ وَٱلْعِصْيَانَ ﴾ يعني بغض إليكم المعاصي للعقاب الذي وعد أهله فمن عمل بذلك منكم وترك ما نهاه عنه ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ ﴾ [آية: ٧] يعني المهتدين.
﴿ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً ﴾ يقول: الإيمان الذي حببه إليكم فضلاً من الله ونعمة، يعني رحمة ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بخلقه ﴿ حَكِيمٌ ﴾ [آية: ٨] في أمره.
قوله: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ ﴾ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمار له يقال له: يعفور، فبال الحمار، فقال عبدالله بن أبي للنبي: خل للناس مسيل الريح من نتن هذا الحمار، ثم قال: أف وأمسك بأنفه، فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قوله، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عبدالله بن أبي رواحة: ألا أراك أمسكت على أنفك من بول حماره، والله لهو أطيب ريح عرض منك، فلجا في القول فاجتمع قوم ضرب النعال والأيدي والسعف، فرجع النبي صلى الله عليه سلم فأصلح بينهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ ﴾ يعني الأوس والخزرج اقتللوا. ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ﴾ بكتاب الله عز وجل، فإن كره بعضهم الصلح. قال الله: ﴿ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ ولم ترجع إلى الصلح ﴿ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي ﴾ بالسيف، يعني التي لم ترجع ﴿ حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ يعني حتى ترجع إلى الصلح الذي أمره ﴿ فَإِن فَآءَتْ ﴾ يعني فإن رجعت إلى الصلح ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ ﴾ يعني وأعدلوا ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ﴾ [آية: ٩] يعني الذين يعدلون بين الناس.
ثم قال: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ يعني الأوس والخزرج ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ولا تعصوه، لما كان بينكم، قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آية: ١٠] يعني لكي ترحموا فلا تعذبوا لما كان بينكم.
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ ﴾ يقول: لا يستهزىء الرجل من أخيه، فيقول: إنك ردىء المعيشة، لئيم الحسب، واشباه ذلك مما ينقصه به من أمر دنياه، ولعله خير منه عند الله تعالى، فأما الذين استهزءوا فهم الذين نادوا النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات، وقد استهزءوا من الموالى عمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، وبلال المؤذن، وخباب بن الأرت، وسالم مولى أبي حذيفة، وعامر بن فهيرة، وغيرهم من الفقراء، قال: وإن سالم مولى أبي حذيفة كان معه راية المسلمين يوم اليمامة، فقالوا له: إنا نخشى عليك، فقال سالم: بئس حامل القرآن أنا إذًا، فقاتل حتى قتل. ثم قال: ﴿ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ﴾ عند الله ﴿ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ﴾ نزلت في عائشة بنت أبي بكر، رضي الله عنهما، استهزأت من قصر أم سلمة بنت أمية، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ يقول: لا يطعن بعضكم على بعض، فإن ذلك معصية ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ ﴾" وذلك أن كعب بن مالك الأنصاري كان يكون على المقسم فكان بينه وبين عبدالله بن الحدرد الأسلمي بعض الكلام، فقال له: يا أعرابى، فقال له عبدالله: يا يهودي، ثم انطلق عبدالله فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " لعلك قلت له: يا يهودي؟ قال: نعم قد قلت له ذلك إن لقبني أعرابياً، وأنا معاجر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تدخلا عليّ حتى ينزل الله توبتكما "، فأوثقا أنفسهما إلى سارية المسجد إلى جنب المنبر. فأنزل الله تعالى فيهما: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ ﴾ يقول: لا يعير الرجل أخاه المسلم بالملة التي كان عليها قبل الإسلام، ولا يسميه بغير أهل دينه فإنه ﴿ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ﴾ يعني بئس الاسم هذا، أن يسميه باسم الكفر بعد الإيمان، يعني بعدما تاب وآمن بالله تعالى ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ ﴾ من قوله ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ [آية: ١١] فلما أنزل الله تعالى توبتهما وبين أمرهما تابا إلى الله تعالى من قولهما وحلا أنفسهما من الوثاق.
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ ﴾ يقول: لا تحققوا الظن، وذلك أن الرجل يسمع من أخيه كلاماً لا يريد به سوء، أو يدخل مدخلاً لا يريد به سوءا فيراه أخوه المسلم، أو يسمعه فيظن به سوءا، فلا بأس ما لم يتكلم به، فإن تكلم به أثم، فذلك قوله: ﴿ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ ثم قال: ﴿ وَلاَ تَجَسَّسُواْ ﴾ يعني لا يبحث الرجل عن عيب أخيه المسلم، فإن ذلك معصية ﴿ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ﴾ نزلت في فتير، ويقال: فهير خادم النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه قيل له: إنك وخيم ثقيل بخيل، والغيبة أن يقول الرجل المسلم لأخيه ما فيه من العيب، فإن قال ما ليس فيه فقد بهته. ثم ضرب للغيبة مثلاً، فقال: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ يقول: إذا غاب عنك المسلم، فهو حين تذكره بسوء بمنزلة الشىء الميت، لأنه لا يسمع بعيبك إياه، فكذلك الميت لايسمع ما قلت له، فذلك قوله: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ يعني كما كرهتم أكل لحم الميت، فأكرهوا الغيبة لإخوانكم ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في الغيبة فلا تغتابوا الناس ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ ﴾ على من تاب ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ [آية: ١٢] بهم بعد التوبة، والغيبة أن تقول لأخيك ما فيه من العيب، فإن قلت ما ليس فيه فقد بهته، وإن قلت ما بلغك فهذا الإفك.
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ ﴾ يعني آدم وحواء نزلت في بلال المؤذن، وقالوا: في سلمان الفارسي، وفي أربعة نفر من قريش، في عتاب بن أسيد بن أبي العيص، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وأبي سفيان بن حرب، كلهم من قريش،" وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة أمر بلالاً فصعد ظهر الكعبة وأذن، وأراد أن يذل المشركين بذلك، فلما صعد بلال وأذن. قال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أسيد قبل هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: عجبت لهذا العبد الحبشي أما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الغراب الأسود، وقال سهيل بن عمرو: إن يكره الله شيئاً يغيره، وقال أبو سفيان: أمأ أنا فلا أقول، فإني لو قلت شيئاً لتشهدن عليّ السماء ولتخبرن عني الأرض. فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بقوله، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " كيف قلت يا عتاب "؟ قال: قلت الحمد الذي قبض أسيد قبل هذا اليوم، فقال: " صدقت "، ثم قال للحارث بن هشام: " كيف قلت "؟ قال عجبت لهذا العبد الحبشي، وأما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الغراب الأسود، قال: " صدقت "، ثم قال لسهيل بن عمرو: " كيف قلت "؟ قال: قلت: إن يكره الله شيئاً يغيره، قال: " صدقت "، ثم قال لأبي سفيان: " كيف قلت "؟ قال: قلت: أما أنا فلا أقول شيئاً، فإني لو قلت شيئاً لتشهدن عليّ السماء والأرض ولتخبرن عني الأرض، قال: " صدقت "، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ﴾ يعني بلالاً وهؤلاء الأربعة ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ ﴾ وعنى آدم وحواء ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً ﴾ يعني رءوس القبائل ربيعة ومضر وبنو تميم والأزد ﴿ وَقَبَآئِلَ ﴾ يعني الأفخاذ بنو سعد، وبنو عامر، وبنو قيس، ونحوه ﴿ لِتَعَارَفُوۤاْ ﴾ في النسب، ثم قال: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ ﴾ يعني بلالاً ﴿ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [آية: ١٣] يعني أن أتقاكم بلال.
﴿ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ﴾ نزلت في أعراب جهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار وأشجع كانت منازلهم بين مكة والمدينة، فكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، وكان يومئذ من قال: لا إله إلا الله يأمن على نفسه وماله، فمر بهم خالد بن الوليد في سرية النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: آمنا، فلم يعرض لهم، ولا لأموالهم، فلما سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية واستنفرهم معه، فقال بعضهم لبعض: إن محمداً وأصحابه أكلة رأس لأهل مكة، وأنهم كلفوا شيئاً لا يرجعون عنه أبداً فأين تذهبون تقتلون أنفسكم؟ انتظروا حتى ننظر ما يكون من أمره، فذلك قوله في الفتح:﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً ﴾إلى آخر الآية [الفتح: ١٢].
فنزلت فيهم: ﴿ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ يعني صدقنا.
﴿ قُل لَّمْ ﴾ يا محمد: ﴿ قُل لَّمْ ﴾ لم تصدقوا ﴿ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا ﴾ يعني قولوا أقررنا باللسان، واستسلمنا لتسلم لنا أموالنا ﴿ وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ ﴾ يعني ولما يدخل التصديق ﴿ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ في قتال أهل اليمامة حيث قال في سورة الفتح﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾[الفتح: ١٦] يعني قتال مسليمة بن حبيب الكذاب، وقومه بني حنيفة.
﴿ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ إذا دعيتم إلى قتالهم ﴿ لاَ يَلِتْكُمْ ﴾ يعني لا ينقصكم ﴿ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً ﴾ الحسنة يعني جهاد أهل اليمامة حين دعاهم أبو بكر، رضي الله عنه ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ ﴾ يعني ذو تجاوز لما كان قبل ذلك يوم الحديبية ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ [آية: ١٤] بهم إذا فعلوا ذلك نظيرها في الفتح.
ثم أخبر عن المؤمنين فنعتهم لقول هؤلاء الأعراب آمنا، فقال: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ المصدقون في إيمانهم ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ يعني صدقوا ﴿ بِٱللَّهِ ﴾ بأنه واحد لا شريك له ﴿ وَرَسُولِهِ ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي رسول وكتابه حقه ﴿ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ ﴾ يعني لم يشكوا في دينهم بعد الإيمان ﴿ وَجَاهَدُواْ ﴾ العدو مع النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ﴾ يعني باشروا القتال بأنفهسم ﴿ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ يعني في طاعة الله ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ﴾ [آية: ١٥] في إيمانهم.
﴿ قُلْ ﴾ يا محمد، لجهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع: ﴿ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾ حين قالوا: آمنا بألسنتهم، وليس ذلك في قلوبهم، فأخبرهم أنه يعلم ما في قلوبهم، وما في قلوب أهل السماوات، فقال: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ غيب ﴿ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ يعني ما في قلوب أهل السماوات من الملائكة ﴿ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يعني ويعلم غيب ما في قلوب أهل الأرض من التصديق وغيره ﴿ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ مما في قلوبهم من التصديق وغيره ﴿ عَلِيمٌ ﴾ [آية: ١٦].
﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ ﴾ نزلت في أناس من الأعراب بني أسد بن خزيمة، قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: جئناك وأتيناك بأهلنا طائعين عفوا على غير قتال، وتركنا الأموال والعشائر وكل قبيلة في العرب قاتلوك حتى أسلموا، فلنا عليك حق، فاعرف لنا ذلك، فنزلت: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ ﴾ يا محمد ﴿ أَنْ أَسْلَمُواْ ﴾.
﴿ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِنُ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [آية: ١٧] في إيمانكم.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ يعنى غيب ما في قلوب أهل السماوات من الملائكة ﴿ وَٱلأَرْضِ ﴾ يعني يعلم ما في قلوب أهل الأرضين من التصديق وغيره.
﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [آية: ١٨] من التصديق وغيره.
Icon