تفسير سورة سورة الجاثية
الشعراوي
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
ﰡ
آية رقم ١
ﭑ
ﭒ
هذه السورة أيضاً من الحواميم، وهي السور التي افتُتحت بقوله تعالى (حم)، وسبق الكلام فيها، لكن ما دام أن الحق كرَّرها فلا بدَّ لنا أنْ نتعرَّض لها بما يفتح الله به ولا يُعد هذا تكراراً.
فإذا نظرنا إلى الحياة التي نراها وجدنا فيها مُلكاً مشاهداً، وملكوتاً غير مشاهد، وكل ما غاب عن حواسِّك فهو غَيْبٌ لا يعلمه إلا الله، خُذْ مثلاً العقائد والعبادات تجد أنها تقوم على هذين الجانبين الغيب والمشهد.
فأنت تستطيع بالعقل أنْ تبرهن على وحدانية الله، وعلى وجوده سبحانه، وأنه خالق هذا الكون كله، فالإنسان طرأ على هذا الكون ووجده كما هو الآن، الشمس والقمر والنجوم، السماء والأرض، الماء والهواء.
لذلك لم يدَّع أحدٌ أنه خلقه، قال سبحانه وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. [لقمان: ٢٥] وقال: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. [الزخرف: ٨٧].
هذا مشهد، وفي العقائد أمور أخرى غَيْبٌ نؤمن بها لأن الله أخبرنا بها، كأمور الآخرة والبعث والحساب والجنة والنار، خُذْ مثلاً من العبادات الصلاة نستطيع أنْ نفهم لها عللاً عقلية، فنقول: إن الله فرضها علينا خمْس مرات في اليوم والليلة ليتردد العبدُ على خالقه، وليستمدَّ منه القوة والعوْن، وليأنس بلقائه، وليأخذ من فيض عطائه وإشراقاته.
والصلاة كذلك تُسوِّي بين العباد الغني والفقير، الرئيس والمرؤوس الكل ساجد لله، هذا استطراقٌ عبوديّ في الكون، هذا كله مشهد، لكن بالله قُلْ لي: لماذا كان الصبحُ ركعتين، والظهر أربعاً، والمغرب ثلاثاً؟ هذه غَيْبٌ نؤمن به كما هو، وكما أخبرنا به رسول الله المؤتمن على شرع الله.
كذلك في القرآن الكريم غيب ومشهد، غيب في هذه الحروف المقطَّعة التي استأثر اللهُ بعلم معناها، وباقي القرآن بعد ذلك مشهدٌ لأنه بيِّن واضح المعنى ظاهرُ القصد، لأن الحق سبحانه يريد أنْ يتعبَّدنا بالغيب كما تعبدَّنا بالمشهد.
والغيب هو محلُّ الإيمان. أما المشهد فليس مجالاً للإيمان أو الكفر، فلا تقول مثلاً: أومن بأن الشمس طالعةٌ، لكن أقول: أومن باليوم الآخر.
فقوله تعالى هنا: (حَم) يعني: حروف مُقطَّعة في بداية بعض سور القرآن هي غيب نؤمن به ونترك معناه لمنْزله سبحانه تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ.. [الجاثية: ٢] هذا هو المشهد، وفي السورة قبلها (حم) غَيْب وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الدخان: ٢] مشهد. إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ.. [الدخان: ٣] يعني: الاثنان الغيب والمشهد مُنزّل من عند الله، فهما سواء في التعبد لله تعالى، فكما تعبَّدك بالواضح المفهوم تعبَّدك بالغيب الذي لا تفهمه، وكُل ما هنالك أننا نحوم حولها، نحاول أنْ نستشفّ بعض أسرارها.
لذلك نقول: إن القرآن كله مبنيٌّ على الوَصْل في الآيات وفي السور، حتى أن آخر كلمة في سورة الناس موصولة بأول كلمة في الفاتحة، فنقول: مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ وهكذا.
لذلك نُسمِّي قارئ القرآن (الحالّ المرتحل) يعني: ما يكاد ينتهي من القرآن حتى يبدأ من أوله.
أما الحروف المقطّعة في أوائل السور فمبنيةٌ على الوقْف تقول: حا، ميم، ألف لام ميم، في حين أنك لا تقف على نفس الحروف في أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١].
إذن: لكل نطق علَّة وله أسرار، فهو أشبه بأسنان المفتاح الذي يفتح لك، فمفتاح يفتح لك بسِنٍّ واحد، ومفتاح يفتح لك بسنِّيْن، ومفتاح يفتح لك بثلاثة.
وقوله: مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الجاثية: ٢] اختار هنا اسم العزيز، لأن القرآن سينزل وسوف تجد من القوم مَنْ يكذِّبه، فلا تهتم لذلك ولا يغرَّنك تكذيبهم، فالله مُنزل هذا الكتاب عزيز لا يُغلب، وهذه العزة ليستْ بقهر، إنما عزة بحكمة ٱلْحَكِيمِ [الجاثية: ٢] والحكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه المناسب.
فإذا نظرنا إلى الحياة التي نراها وجدنا فيها مُلكاً مشاهداً، وملكوتاً غير مشاهد، وكل ما غاب عن حواسِّك فهو غَيْبٌ لا يعلمه إلا الله، خُذْ مثلاً العقائد والعبادات تجد أنها تقوم على هذين الجانبين الغيب والمشهد.
فأنت تستطيع بالعقل أنْ تبرهن على وحدانية الله، وعلى وجوده سبحانه، وأنه خالق هذا الكون كله، فالإنسان طرأ على هذا الكون ووجده كما هو الآن، الشمس والقمر والنجوم، السماء والأرض، الماء والهواء.
لذلك لم يدَّع أحدٌ أنه خلقه، قال سبحانه وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. [لقمان: ٢٥] وقال: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. [الزخرف: ٨٧].
هذا مشهد، وفي العقائد أمور أخرى غَيْبٌ نؤمن بها لأن الله أخبرنا بها، كأمور الآخرة والبعث والحساب والجنة والنار، خُذْ مثلاً من العبادات الصلاة نستطيع أنْ نفهم لها عللاً عقلية، فنقول: إن الله فرضها علينا خمْس مرات في اليوم والليلة ليتردد العبدُ على خالقه، وليستمدَّ منه القوة والعوْن، وليأنس بلقائه، وليأخذ من فيض عطائه وإشراقاته.
والصلاة كذلك تُسوِّي بين العباد الغني والفقير، الرئيس والمرؤوس الكل ساجد لله، هذا استطراقٌ عبوديّ في الكون، هذا كله مشهد، لكن بالله قُلْ لي: لماذا كان الصبحُ ركعتين، والظهر أربعاً، والمغرب ثلاثاً؟ هذه غَيْبٌ نؤمن به كما هو، وكما أخبرنا به رسول الله المؤتمن على شرع الله.
كذلك في القرآن الكريم غيب ومشهد، غيب في هذه الحروف المقطَّعة التي استأثر اللهُ بعلم معناها، وباقي القرآن بعد ذلك مشهدٌ لأنه بيِّن واضح المعنى ظاهرُ القصد، لأن الحق سبحانه يريد أنْ يتعبَّدنا بالغيب كما تعبدَّنا بالمشهد.
والغيب هو محلُّ الإيمان. أما المشهد فليس مجالاً للإيمان أو الكفر، فلا تقول مثلاً: أومن بأن الشمس طالعةٌ، لكن أقول: أومن باليوم الآخر.
فقوله تعالى هنا: (حَم) يعني: حروف مُقطَّعة في بداية بعض سور القرآن هي غيب نؤمن به ونترك معناه لمنْزله سبحانه تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ.. [الجاثية: ٢] هذا هو المشهد، وفي السورة قبلها (حم) غَيْب وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الدخان: ٢] مشهد. إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ.. [الدخان: ٣] يعني: الاثنان الغيب والمشهد مُنزّل من عند الله، فهما سواء في التعبد لله تعالى، فكما تعبَّدك بالواضح المفهوم تعبَّدك بالغيب الذي لا تفهمه، وكُل ما هنالك أننا نحوم حولها، نحاول أنْ نستشفّ بعض أسرارها.
لذلك نقول: إن القرآن كله مبنيٌّ على الوَصْل في الآيات وفي السور، حتى أن آخر كلمة في سورة الناس موصولة بأول كلمة في الفاتحة، فنقول: مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ وهكذا.
لذلك نُسمِّي قارئ القرآن (الحالّ المرتحل) يعني: ما يكاد ينتهي من القرآن حتى يبدأ من أوله.
أما الحروف المقطّعة في أوائل السور فمبنيةٌ على الوقْف تقول: حا، ميم، ألف لام ميم، في حين أنك لا تقف على نفس الحروف في أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١].
إذن: لكل نطق علَّة وله أسرار، فهو أشبه بأسنان المفتاح الذي يفتح لك، فمفتاح يفتح لك بسِنٍّ واحد، ومفتاح يفتح لك بسنِّيْن، ومفتاح يفتح لك بثلاثة.
وقوله: مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الجاثية: ٢] اختار هنا اسم العزيز، لأن القرآن سينزل وسوف تجد من القوم مَنْ يكذِّبه، فلا تهتم لذلك ولا يغرَّنك تكذيبهم، فالله مُنزل هذا الكتاب عزيز لا يُغلب، وهذه العزة ليستْ بقهر، إنما عزة بحكمة ٱلْحَكِيمِ [الجاثية: ٢] والحكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه المناسب.
آية رقم ٢
ﭓﭔﭕﭖﭗﭘ
ﭙ
هذه السورة أيضاً من الحواميم، وهي السور التي افتُتحت بقوله تعالى (حم)، وسبق الكلام فيها، لكن ما دام أن الحق كرَّرها فلا بدَّ لنا أنْ نتعرَّض لها بما يفتح الله به ولا يُعد هذا تكراراً.
فإذا نظرنا إلى الحياة التي نراها وجدنا فيها مُلكاً مشاهداً، وملكوتاً غير مشاهد، وكل ما غاب عن حواسِّك فهو غَيْبٌ لا يعلمه إلا الله، خُذْ مثلاً العقائد والعبادات تجد أنها تقوم على هذين الجانبين الغيب والمشهد.
فأنت تستطيع بالعقل أنْ تبرهن على وحدانية الله، وعلى وجوده سبحانه، وأنه خالق هذا الكون كله، فالإنسان طرأ على هذا الكون ووجده كما هو الآن، الشمس والقمر والنجوم، السماء والأرض، الماء والهواء.
لذلك لم يدَّع أحدٌ أنه خلقه، قال سبحانه وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. [لقمان: ٢٥] وقال: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. [الزخرف: ٨٧].
هذا مشهد، وفي العقائد أمور أخرى غَيْبٌ نؤمن بها لأن الله أخبرنا بها، كأمور الآخرة والبعث والحساب والجنة والنار، خُذْ مثلاً من العبادات الصلاة نستطيع أنْ نفهم لها عللاً عقلية، فنقول: إن الله فرضها علينا خمْس مرات في اليوم والليلة ليتردد العبدُ على خالقه، وليستمدَّ منه القوة والعوْن، وليأنس بلقائه، وليأخذ من فيض عطائه وإشراقاته.
والصلاة كذلك تُسوِّي بين العباد الغني والفقير، الرئيس والمرؤوس الكل ساجد لله، هذا استطراقٌ عبوديّ في الكون، هذا كله مشهد، لكن بالله قُلْ لي: لماذا كان الصبحُ ركعتين، والظهر أربعاً، والمغرب ثلاثاً؟ هذه غَيْبٌ نؤمن به كما هو، وكما أخبرنا به رسول الله المؤتمن على شرع الله.
كذلك في القرآن الكريم غيب ومشهد، غيب في هذه الحروف المقطَّعة التي استأثر اللهُ بعلم معناها، وباقي القرآن بعد ذلك مشهدٌ لأنه بيِّن واضح المعنى ظاهرُ القصد، لأن الحق سبحانه يريد أنْ يتعبَّدنا بالغيب كما تعبدَّنا بالمشهد.
والغيب هو محلُّ الإيمان. أما المشهد فليس مجالاً للإيمان أو الكفر، فلا تقول مثلاً: أومن بأن الشمس طالعةٌ، لكن أقول: أومن باليوم الآخر.
فقوله تعالى هنا: (حَم) يعني: حروف مُقطَّعة في بداية بعض سور القرآن هي غيب نؤمن به ونترك معناه لمنْزله سبحانه تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ.. [الجاثية: ٢] هذا هو المشهد، وفي السورة قبلها (حم) غَيْب وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الدخان: ٢] مشهد. إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ.. [الدخان: ٣] يعني: الاثنان الغيب والمشهد مُنزّل من عند الله، فهما سواء في التعبد لله تعالى، فكما تعبَّدك بالواضح المفهوم تعبَّدك بالغيب الذي لا تفهمه، وكُل ما هنالك أننا نحوم حولها، نحاول أنْ نستشفّ بعض أسرارها.
لذلك نقول: إن القرآن كله مبنيٌّ على الوَصْل في الآيات وفي السور، حتى أن آخر كلمة في سورة الناس موصولة بأول كلمة في الفاتحة، فنقول: مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ وهكذا.
لذلك نُسمِّي قارئ القرآن (الحالّ المرتحل) يعني: ما يكاد ينتهي من القرآن حتى يبدأ من أوله.
أما الحروف المقطّعة في أوائل السور فمبنيةٌ على الوقْف تقول: حا، ميم، ألف لام ميم، في حين أنك لا تقف على نفس الحروف في أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١].
إذن: لكل نطق علَّة وله أسرار، فهو أشبه بأسنان المفتاح الذي يفتح لك، فمفتاح يفتح لك بسِنٍّ واحد، ومفتاح يفتح لك بسنِّيْن، ومفتاح يفتح لك بثلاثة.
وقوله: مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الجاثية: ٢] اختار هنا اسم العزيز، لأن القرآن سينزل وسوف تجد من القوم مَنْ يكذِّبه، فلا تهتم لذلك ولا يغرَّنك تكذيبهم، فالله مُنزل هذا الكتاب عزيز لا يُغلب، وهذه العزة ليستْ بقهر، إنما عزة بحكمة ٱلْحَكِيمِ [الجاثية: ٢] والحكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه المناسب.
فإذا نظرنا إلى الحياة التي نراها وجدنا فيها مُلكاً مشاهداً، وملكوتاً غير مشاهد، وكل ما غاب عن حواسِّك فهو غَيْبٌ لا يعلمه إلا الله، خُذْ مثلاً العقائد والعبادات تجد أنها تقوم على هذين الجانبين الغيب والمشهد.
فأنت تستطيع بالعقل أنْ تبرهن على وحدانية الله، وعلى وجوده سبحانه، وأنه خالق هذا الكون كله، فالإنسان طرأ على هذا الكون ووجده كما هو الآن، الشمس والقمر والنجوم، السماء والأرض، الماء والهواء.
لذلك لم يدَّع أحدٌ أنه خلقه، قال سبحانه وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. [لقمان: ٢٥] وقال: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. [الزخرف: ٨٧].
هذا مشهد، وفي العقائد أمور أخرى غَيْبٌ نؤمن بها لأن الله أخبرنا بها، كأمور الآخرة والبعث والحساب والجنة والنار، خُذْ مثلاً من العبادات الصلاة نستطيع أنْ نفهم لها عللاً عقلية، فنقول: إن الله فرضها علينا خمْس مرات في اليوم والليلة ليتردد العبدُ على خالقه، وليستمدَّ منه القوة والعوْن، وليأنس بلقائه، وليأخذ من فيض عطائه وإشراقاته.
والصلاة كذلك تُسوِّي بين العباد الغني والفقير، الرئيس والمرؤوس الكل ساجد لله، هذا استطراقٌ عبوديّ في الكون، هذا كله مشهد، لكن بالله قُلْ لي: لماذا كان الصبحُ ركعتين، والظهر أربعاً، والمغرب ثلاثاً؟ هذه غَيْبٌ نؤمن به كما هو، وكما أخبرنا به رسول الله المؤتمن على شرع الله.
كذلك في القرآن الكريم غيب ومشهد، غيب في هذه الحروف المقطَّعة التي استأثر اللهُ بعلم معناها، وباقي القرآن بعد ذلك مشهدٌ لأنه بيِّن واضح المعنى ظاهرُ القصد، لأن الحق سبحانه يريد أنْ يتعبَّدنا بالغيب كما تعبدَّنا بالمشهد.
والغيب هو محلُّ الإيمان. أما المشهد فليس مجالاً للإيمان أو الكفر، فلا تقول مثلاً: أومن بأن الشمس طالعةٌ، لكن أقول: أومن باليوم الآخر.
فقوله تعالى هنا: (حَم) يعني: حروف مُقطَّعة في بداية بعض سور القرآن هي غيب نؤمن به ونترك معناه لمنْزله سبحانه تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ.. [الجاثية: ٢] هذا هو المشهد، وفي السورة قبلها (حم) غَيْب وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الدخان: ٢] مشهد. إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ.. [الدخان: ٣] يعني: الاثنان الغيب والمشهد مُنزّل من عند الله، فهما سواء في التعبد لله تعالى، فكما تعبَّدك بالواضح المفهوم تعبَّدك بالغيب الذي لا تفهمه، وكُل ما هنالك أننا نحوم حولها، نحاول أنْ نستشفّ بعض أسرارها.
لذلك نقول: إن القرآن كله مبنيٌّ على الوَصْل في الآيات وفي السور، حتى أن آخر كلمة في سورة الناس موصولة بأول كلمة في الفاتحة، فنقول: مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ وهكذا.
لذلك نُسمِّي قارئ القرآن (الحالّ المرتحل) يعني: ما يكاد ينتهي من القرآن حتى يبدأ من أوله.
أما الحروف المقطّعة في أوائل السور فمبنيةٌ على الوقْف تقول: حا، ميم، ألف لام ميم، في حين أنك لا تقف على نفس الحروف في أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١].
إذن: لكل نطق علَّة وله أسرار، فهو أشبه بأسنان المفتاح الذي يفتح لك، فمفتاح يفتح لك بسِنٍّ واحد، ومفتاح يفتح لك بسنِّيْن، ومفتاح يفتح لك بثلاثة.
وقوله: مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الجاثية: ٢] اختار هنا اسم العزيز، لأن القرآن سينزل وسوف تجد من القوم مَنْ يكذِّبه، فلا تهتم لذلك ولا يغرَّنك تكذيبهم، فالله مُنزل هذا الكتاب عزيز لا يُغلب، وهذه العزة ليستْ بقهر، إنما عزة بحكمة ٱلْحَكِيمِ [الجاثية: ٢] والحكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه المناسب.
آية رقم ٣
ﭚﭛﭜﭝﭞﭟ
ﭠ
قوله تعالى: إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الجاثية: ٣] جعل السماوات والأرض ظرفاً فلا تنظر إلى السماوات والأرض في ذاتها، بل انظر لما فيهما من الآيات والأسرار، فهي مليئةٌ بالآيات التي يجلِّيها الله لوقتها، وكلما تفتحتْ العقول وتطوَّرتْ العلوم ظهر لنا آية من آيات الله في السماوات والأرض.
انظر مثلاً إلى الثورة في مجال الاتصالات، وما في الهواء من ذبذبات وبثٍّ (للتلفزيون)، ومع ذلك لا تختلط ولا تتداخل، انظر إلى الفضاء الواسع وما توصَّل إليه الإنسان من غزو الفضاء وإطلاق سفن وصواريخ تصل إلى كواكب أخرى وتستقرّ عليها وترسل لنا صُوراً منها، كلُّ هذه آياتٌ من آيات الله يُجلِّيها سبحانه لنا في وقتها المناسب.
إذن: آياتُ الله كثيرة في السماوات والأرض بل وتحت الأرض، لذلك يمتنُّ الله بنعمه علينا، فيقول: لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ [طه: ٦].
لذلك سيدنا عبد الله بن مسعود يقول: أثيروا القرآن. يعني (هيجوه) مثل الأرض حينما نحرثها لنأخذ ما فيها من خيرات، كذلك كل شيء منسوب إلى الله تعالى فيه ما لا يُحصَى من كنوز الخير.
وإذا كانت السماواتُ والأرض ظرفاً فلنا أنْ نسأل: أيهما أثمن الظرف أم المظروف فيه؟ فالخطاب أو الرسالة أثمن أم الظرف الذي تُوضَع فيه؟ الخزينة أو ما يوضع فيها أنفس.
كذلك السماوات والأرض مع عظِمهما وقُوتهما، فما فيهما من آيات وعجائب أعظم منهما وأنفس، لذلك تذكرون أننا حرَّمنا أنْ نضع شيئاً بين أوراق المصحف، لماذا؟ حتى لا يكون كتاب الله تعالى ظرفاً لشيء، مهما كان غالياً وثميناً عندك، لأن القرآن أثمن وأغلى من أي شيء آخر، فلا تجعله ظرفاً لشيء.
وقوله: لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ [الجاثية: ٣] آيات جمع آية، وهي الشيء البالغ في الحُسْن مَبْلغاً كما نقول: فلان آيةٌ في الحسن أو في البلاغة، أو في الكرم، إذن: آية تعني الشيء العجيب في بابه.
وبيَّنا أن كلمة آية تُطلق على مَعانٍ ثلاثة: آيات كونية تثبت قدرة الخالق سبحانه وحكمته وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ.. [فصلت: ٣٧].
فإنْ كان هذا الشيء مُتفرداً بشيء عجيب دالٍّ على القدرة سُمِّي آية وحده، ومن ذلك قوله تعالى: وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ.. [الإسراء: ١٢] فكلٌّ منهما آية وحده.
وقال في عيسى بن مريم عليه السلام وأمه مريم: وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً.. [المؤمنون: ٥٠] فهما آية واحدة، لأن وجه العجب فيهما واحدة، والجامع بينهما في الإعجاز أمر واحد، فكانا آية واحدة.
ثم بعد ذلك آيات معجزات تأتي مصاحبة للرسل لتؤيدهم وتُثبت صدقهم في البلاغ عن الله مثل: عصا موسى، وناقة صالح.
ثم النوع الثالث من الآيات هي آيات الذكر الحكيم في القرآن الكريم، ويُسمُّونها حاملة الأحكام.
فمعنى: لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ [الجاثية: ٣] يعني: أيها المؤمنون بي تنبهوا لهذه الآيات لتُقنعوا بها غيركم ممَّنْ لم يؤمن من الكافرين والملاحدة، لذلك نقعد (ندادي) فيهم ونقول لهم: انظروا كذا وانظروا كذا، تأملوا قدرة الله في كذا وكذا.
هذه رسالتنا أنْ ندعو الناسَ، وأنْ ندلَّهم على الله بماذا؟ بآياته في الكون، لذلك ربنا سبحانه يُعلِّمنا كيف ندلُّ الناسَ بالآيات فيقول: وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: ٣٧].
يعني: لا تغرنكم عظمة هذه الآيات؛ فخالقها أعظم، وأحلى من الحُسْن مَنْ خلق الحسن، فايَّاكم أنْ تنصرفوا بإعجابكم بالليل والنهار والشمس والقمر عن خالقها، فهو المستحق للعبادة وليس هي، وهذا يعني أن الخالق سبحانه حريصٌ على صَنْعته، حريصٌ على هداية الناس ونجاتهم مما يهلكهم.
فكأن هذه الآية تقول للمؤمنين بالله إنَّ هذه الآيات الكونية جعلها الله لتقنعكم أولاً، ثم تقنعون بها غيركم.
لذلك لو نظرنا إلى علماء الدين وعلماء الطبيعة في مجالات الإنسان والحيوان والنبات والجمادات وجدنا علماءَ الطبيعة أسبقَ لأن علماء الدين يُبيِّنون للناس الحلال والحرام، إنما ينطلقون أولاً من الإيمان بالله، فبيان الأحكام فرعُ الإيمان، فكأن النظر في الآيات الكونية والاستدلال بها على خالقها عز وجل أهمّ.
ومن عجائب صُنْع الله في خلقه أنهم في أواخر العشرينيات قالوا عن السماوات السبع أنها الكواكب السبع التي تدور حول الشمس، وفي العام الذي يليه اكتشفوا كوكباً آخر إلى أنْ وصل عددهم إلى عشرة، ثم اكتشفوا كوكب الزُّهرة، وهكذا تغيرتْ كلّ النظريات القديمة.
ومن عجائب الخَلْق في هذه الكواكب أننا نعرف أن اليوم أقلُّ في الزمن من السنة، لأن اليوم ١/٣٦٥ من السنة، وبعد أنْ عرفنا علم الهندسة الفراغية وجدنا الزهرة وهو ثاني نجم بعد الشمس، وقبله عطارد.
ومن العجيب أنهم وجدوا أن يوم الزهرة أطولُ من عام الزهرة، فاليوم عندنا هو دورة الأرض حول نفسها، والسنة دورتها حول الشمس، فلما لاحظوا يوم الزهرة قياساً على يوم الأرض وجدوا أن اليوم أطولُ من السنة، فيوم الزهرة ٢٤٤ من أيام الأرض، والسنة ٢٢٥ من أيام الأرض.
وهذا صحيح لأن الجهة مُنفكَّة، فلكلِّ نجم حركته، وهذه الحركة قد تكون سريعة في دورانه حول نفسه، وبطيئة في دورانه حول الشمس أو العكس، ومن هنا يأتي الاختلاف ولا مانعَ أنْ يكونَ اليومُ أطولَ من السنة، وآخر هذه الكواكب بلوتو وجدوا أن يومه يساوي ٦. ٥ يوم من أيام الأرض، وسنته ٢٦٨ يوماً من أيام الأرض.
نفهم من هذا قدرة الخالق سبحانه، وأن هذا الكون خُلِقَ بدقّة وإحكام ليس مصادفةً، وليس مجرد نظام رتيب مثل القوالب الجامدة، إنما طلاقة قدرة وقيومية تحرك هذا الكون وتديره بكلِّ دقَّة وإحكام.
ثم لو نظر الإنسانُ في نفسه لوجد عالماً آخر مليئاً بالآيات، انظر إلى الناس واختلاف لغاتهم ولهجاتهم وتكوينهم وبصماتهم: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ [الروم: ٢٢].
ولو شاء سبحانه لَجعَلنا على لون واحد، ولسان واحد، لكن من حكمته تعالى في الخَلْق أنْ يجمعك بغيرك في شيء متفق، ثم يُميِّزك عنه بشيء آخر مختلف تماماً.
كنا نعرف في التمييز بين الناس بصمة الإصبع، الآن وجدوا بصمة للصوت، وبصمة للفكِّ، وبصمة للرائحة، كل هذه البصمات تميز الإنسان، بمعنى أنها لا تتكرر في شخص آخر على كثرة العدد، أليس هذا إعجازاً في الخَلْق يدعونا إلى الإيمان بالخالق جلَّ وعلا؟
قلنا: من عجائب الخَلْق في جسم الإنسان أنه لا يحدث فيه استطراقٌ حراريٌّ كما يحدث في باقي الأجسام، فحرارة الجسم العادية ٣٧ ْ تجدها في الإنسان عند خَطِّ الاستواء وفي الإنسان في القطب المتجمد، لأن الجسم يحتفظ في داخله بهذه الدرجة، ثم تجد لكل عضو من أعضاء الجسم حرارته المناسبة له كي يؤدي مهمته.
فتتعجب حين تعلم أن العين لا تزيد حرارتها عن ٩ ْ، في حين أن الكبد لا تقلّ حرارته عن ٤٠ ْ، وهما في جسم واحد متصل، ومع ذلك لا يحدث فيه استطراقٌ حراريٌّ فتتعدَّى حرارة الكبد إلى حرارة العين مثلاً.
لذلك كما اهتمَّ الإسلام بتشريع الحلال والحرام وبيانه للناس اهتمَّ بدرجة أكبر ببيان آيات الله الكونية في كُلِّ أنواع المخلوقات إنسان وحيوان ونبات وجماد.
واقرأ إن شئت: أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٧-٢٨].
ها هنا حكم شرعي في الصلاة أو الحج أو الصيام؟ كلها دعوة للنظر وللتأمل في الكون، والعلماء هنا هم علماء الكونيات لا علماء الدين، فهم أعرفُ الناس بآيات الله، وهم أعرفُ الناس بالله وهم أكثرُ الناس لله خشية، لماذا؟
لأنهم وقفوا على آياته بأنفسهم، فهم أعرفُ الناس بها، لذلك لم يهمل الدين علماً من العلوم أبداً، لأن العلم يخدم قضية الإيمان وقضية التوحيد.
الحق سبحانه وتعالى يعطينا في القرآن كلَّ هذه الأمثال لنأخذ منها الدليل على وجوده تعالى، ونأخذ منها صفات القهر والحكمة والعزة والرحمة.. الخ بل نأخذ من الآيات الكونية ما تستقيم به حياتنا وما نُصحِّح به مفاهيمنا عن الأشياء.
فمثلاً خُذْ علاقة الرجل بالمرأة، البعض يرى أن الرجل ضد المرأة؛ وأنهما على طرفي نقيض، فنسمع أنصارَ المرأة ويقابلهم أنصار الرجل وكأنها معركة، في حين أننا نقرأ القرآن فنجد قوله تعالى وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ [الليل: ١-٤].
فالمخلوقات المتقابلة لا تعني أنها متضادة، وإياك أنْ تظنَّ أن الليل ضدُّ النهار، نعم هو يقابله في طبيعة الأشياء لكن لا يضاده، فالليل يساند النهار ويساعده، والنهار يساند الليل ويساعده فهما متكاملان، الليل للراحة والنهار للعمل، وكلاهما مُهم للآخر، وكلاهما له مهمة في الحياة ودَوْرٌ.
كذلك الحال في الذكر والأنثى. إذن: هذه الآية الكونية تُعلِّمنا درساً في حياتنا الاجتماعية، وأنه لا داعيَ لكلِّ هذه الضجة حول علاقة الرجل بالمرأة، وعودوا إلى القرآن ففيه الشفاء، وفيه حلول كل مشاكلنا.
ثم يقول الحق سبحانه:
وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ... .
انظر مثلاً إلى الثورة في مجال الاتصالات، وما في الهواء من ذبذبات وبثٍّ (للتلفزيون)، ومع ذلك لا تختلط ولا تتداخل، انظر إلى الفضاء الواسع وما توصَّل إليه الإنسان من غزو الفضاء وإطلاق سفن وصواريخ تصل إلى كواكب أخرى وتستقرّ عليها وترسل لنا صُوراً منها، كلُّ هذه آياتٌ من آيات الله يُجلِّيها سبحانه لنا في وقتها المناسب.
إذن: آياتُ الله كثيرة في السماوات والأرض بل وتحت الأرض، لذلك يمتنُّ الله بنعمه علينا، فيقول: لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ [طه: ٦].
لذلك سيدنا عبد الله بن مسعود يقول: أثيروا القرآن. يعني (هيجوه) مثل الأرض حينما نحرثها لنأخذ ما فيها من خيرات، كذلك كل شيء منسوب إلى الله تعالى فيه ما لا يُحصَى من كنوز الخير.
وإذا كانت السماواتُ والأرض ظرفاً فلنا أنْ نسأل: أيهما أثمن الظرف أم المظروف فيه؟ فالخطاب أو الرسالة أثمن أم الظرف الذي تُوضَع فيه؟ الخزينة أو ما يوضع فيها أنفس.
كذلك السماوات والأرض مع عظِمهما وقُوتهما، فما فيهما من آيات وعجائب أعظم منهما وأنفس، لذلك تذكرون أننا حرَّمنا أنْ نضع شيئاً بين أوراق المصحف، لماذا؟ حتى لا يكون كتاب الله تعالى ظرفاً لشيء، مهما كان غالياً وثميناً عندك، لأن القرآن أثمن وأغلى من أي شيء آخر، فلا تجعله ظرفاً لشيء.
وقوله: لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ [الجاثية: ٣] آيات جمع آية، وهي الشيء البالغ في الحُسْن مَبْلغاً كما نقول: فلان آيةٌ في الحسن أو في البلاغة، أو في الكرم، إذن: آية تعني الشيء العجيب في بابه.
وبيَّنا أن كلمة آية تُطلق على مَعانٍ ثلاثة: آيات كونية تثبت قدرة الخالق سبحانه وحكمته وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ.. [فصلت: ٣٧].
فإنْ كان هذا الشيء مُتفرداً بشيء عجيب دالٍّ على القدرة سُمِّي آية وحده، ومن ذلك قوله تعالى: وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ.. [الإسراء: ١٢] فكلٌّ منهما آية وحده.
وقال في عيسى بن مريم عليه السلام وأمه مريم: وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً.. [المؤمنون: ٥٠] فهما آية واحدة، لأن وجه العجب فيهما واحدة، والجامع بينهما في الإعجاز أمر واحد، فكانا آية واحدة.
ثم بعد ذلك آيات معجزات تأتي مصاحبة للرسل لتؤيدهم وتُثبت صدقهم في البلاغ عن الله مثل: عصا موسى، وناقة صالح.
ثم النوع الثالث من الآيات هي آيات الذكر الحكيم في القرآن الكريم، ويُسمُّونها حاملة الأحكام.
فمعنى: لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ [الجاثية: ٣] يعني: أيها المؤمنون بي تنبهوا لهذه الآيات لتُقنعوا بها غيركم ممَّنْ لم يؤمن من الكافرين والملاحدة، لذلك نقعد (ندادي) فيهم ونقول لهم: انظروا كذا وانظروا كذا، تأملوا قدرة الله في كذا وكذا.
هذه رسالتنا أنْ ندعو الناسَ، وأنْ ندلَّهم على الله بماذا؟ بآياته في الكون، لذلك ربنا سبحانه يُعلِّمنا كيف ندلُّ الناسَ بالآيات فيقول: وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: ٣٧].
يعني: لا تغرنكم عظمة هذه الآيات؛ فخالقها أعظم، وأحلى من الحُسْن مَنْ خلق الحسن، فايَّاكم أنْ تنصرفوا بإعجابكم بالليل والنهار والشمس والقمر عن خالقها، فهو المستحق للعبادة وليس هي، وهذا يعني أن الخالق سبحانه حريصٌ على صَنْعته، حريصٌ على هداية الناس ونجاتهم مما يهلكهم.
فكأن هذه الآية تقول للمؤمنين بالله إنَّ هذه الآيات الكونية جعلها الله لتقنعكم أولاً، ثم تقنعون بها غيركم.
لذلك لو نظرنا إلى علماء الدين وعلماء الطبيعة في مجالات الإنسان والحيوان والنبات والجمادات وجدنا علماءَ الطبيعة أسبقَ لأن علماء الدين يُبيِّنون للناس الحلال والحرام، إنما ينطلقون أولاً من الإيمان بالله، فبيان الأحكام فرعُ الإيمان، فكأن النظر في الآيات الكونية والاستدلال بها على خالقها عز وجل أهمّ.
ومن عجائب صُنْع الله في خلقه أنهم في أواخر العشرينيات قالوا عن السماوات السبع أنها الكواكب السبع التي تدور حول الشمس، وفي العام الذي يليه اكتشفوا كوكباً آخر إلى أنْ وصل عددهم إلى عشرة، ثم اكتشفوا كوكب الزُّهرة، وهكذا تغيرتْ كلّ النظريات القديمة.
ومن عجائب الخَلْق في هذه الكواكب أننا نعرف أن اليوم أقلُّ في الزمن من السنة، لأن اليوم ١/٣٦٥ من السنة، وبعد أنْ عرفنا علم الهندسة الفراغية وجدنا الزهرة وهو ثاني نجم بعد الشمس، وقبله عطارد.
ومن العجيب أنهم وجدوا أن يوم الزهرة أطولُ من عام الزهرة، فاليوم عندنا هو دورة الأرض حول نفسها، والسنة دورتها حول الشمس، فلما لاحظوا يوم الزهرة قياساً على يوم الأرض وجدوا أن اليوم أطولُ من السنة، فيوم الزهرة ٢٤٤ من أيام الأرض، والسنة ٢٢٥ من أيام الأرض.
وهذا صحيح لأن الجهة مُنفكَّة، فلكلِّ نجم حركته، وهذه الحركة قد تكون سريعة في دورانه حول نفسه، وبطيئة في دورانه حول الشمس أو العكس، ومن هنا يأتي الاختلاف ولا مانعَ أنْ يكونَ اليومُ أطولَ من السنة، وآخر هذه الكواكب بلوتو وجدوا أن يومه يساوي ٦. ٥ يوم من أيام الأرض، وسنته ٢٦٨ يوماً من أيام الأرض.
نفهم من هذا قدرة الخالق سبحانه، وأن هذا الكون خُلِقَ بدقّة وإحكام ليس مصادفةً، وليس مجرد نظام رتيب مثل القوالب الجامدة، إنما طلاقة قدرة وقيومية تحرك هذا الكون وتديره بكلِّ دقَّة وإحكام.
ثم لو نظر الإنسانُ في نفسه لوجد عالماً آخر مليئاً بالآيات، انظر إلى الناس واختلاف لغاتهم ولهجاتهم وتكوينهم وبصماتهم: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ [الروم: ٢٢].
ولو شاء سبحانه لَجعَلنا على لون واحد، ولسان واحد، لكن من حكمته تعالى في الخَلْق أنْ يجمعك بغيرك في شيء متفق، ثم يُميِّزك عنه بشيء آخر مختلف تماماً.
كنا نعرف في التمييز بين الناس بصمة الإصبع، الآن وجدوا بصمة للصوت، وبصمة للفكِّ، وبصمة للرائحة، كل هذه البصمات تميز الإنسان، بمعنى أنها لا تتكرر في شخص آخر على كثرة العدد، أليس هذا إعجازاً في الخَلْق يدعونا إلى الإيمان بالخالق جلَّ وعلا؟
قلنا: من عجائب الخَلْق في جسم الإنسان أنه لا يحدث فيه استطراقٌ حراريٌّ كما يحدث في باقي الأجسام، فحرارة الجسم العادية ٣٧ ْ تجدها في الإنسان عند خَطِّ الاستواء وفي الإنسان في القطب المتجمد، لأن الجسم يحتفظ في داخله بهذه الدرجة، ثم تجد لكل عضو من أعضاء الجسم حرارته المناسبة له كي يؤدي مهمته.
فتتعجب حين تعلم أن العين لا تزيد حرارتها عن ٩ ْ، في حين أن الكبد لا تقلّ حرارته عن ٤٠ ْ، وهما في جسم واحد متصل، ومع ذلك لا يحدث فيه استطراقٌ حراريٌّ فتتعدَّى حرارة الكبد إلى حرارة العين مثلاً.
لذلك كما اهتمَّ الإسلام بتشريع الحلال والحرام وبيانه للناس اهتمَّ بدرجة أكبر ببيان آيات الله الكونية في كُلِّ أنواع المخلوقات إنسان وحيوان ونبات وجماد.
واقرأ إن شئت: أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٧-٢٨].
ها هنا حكم شرعي في الصلاة أو الحج أو الصيام؟ كلها دعوة للنظر وللتأمل في الكون، والعلماء هنا هم علماء الكونيات لا علماء الدين، فهم أعرفُ الناس بآيات الله، وهم أعرفُ الناس بالله وهم أكثرُ الناس لله خشية، لماذا؟
لأنهم وقفوا على آياته بأنفسهم، فهم أعرفُ الناس بها، لذلك لم يهمل الدين علماً من العلوم أبداً، لأن العلم يخدم قضية الإيمان وقضية التوحيد.
الحق سبحانه وتعالى يعطينا في القرآن كلَّ هذه الأمثال لنأخذ منها الدليل على وجوده تعالى، ونأخذ منها صفات القهر والحكمة والعزة والرحمة.. الخ بل نأخذ من الآيات الكونية ما تستقيم به حياتنا وما نُصحِّح به مفاهيمنا عن الأشياء.
فمثلاً خُذْ علاقة الرجل بالمرأة، البعض يرى أن الرجل ضد المرأة؛ وأنهما على طرفي نقيض، فنسمع أنصارَ المرأة ويقابلهم أنصار الرجل وكأنها معركة، في حين أننا نقرأ القرآن فنجد قوله تعالى وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ [الليل: ١-٤].
فالمخلوقات المتقابلة لا تعني أنها متضادة، وإياك أنْ تظنَّ أن الليل ضدُّ النهار، نعم هو يقابله في طبيعة الأشياء لكن لا يضاده، فالليل يساند النهار ويساعده، والنهار يساند الليل ويساعده فهما متكاملان، الليل للراحة والنهار للعمل، وكلاهما مُهم للآخر، وكلاهما له مهمة في الحياة ودَوْرٌ.
كذلك الحال في الذكر والأنثى. إذن: هذه الآية الكونية تُعلِّمنا درساً في حياتنا الاجتماعية، وأنه لا داعيَ لكلِّ هذه الضجة حول علاقة الرجل بالمرأة، وعودوا إلى القرآن ففيه الشفاء، وفيه حلول كل مشاكلنا.
ثم يقول الحق سبحانه:
وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ... .
آية رقم ٤
السياق القرآني هنا ينقلنا من النظر في آيات السماوات والأرض إلى النظر في ذات أنفسنا، كما قال سبحانه: وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١] فالدليل على الوجود الأعلى لا يقتصر على آيات السماوات والأرض، فالإعجاز في الذرَّة كما هو في المجرَّة، وفي جسم الإنسان وأعضائه آيات وعجائب.
وقد عبَّر الشاعر عن ذلك حين قال:
وتَحسَبُ أنَّكَ جرْمٌ صَغيرٌ وَفيكَ انْطَوَى العَالَمُ الأكبر
وكلمة خَلْقِكُمْ.. [الجاثية: ٤] ساعة تسمع كلمة الخَلْق تفهم منها الإيجادَ من العدم، كان الشيء معدوماً فأوجده الله، والخَلْق لا يُطلق على الحدث إنما يُطلق على المخلوق؛ لذلك قال تعالى: هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ.. [لقمان: ١١] فمعنى خَلْق هنا يعني مخلوق. وبمعنى الحدث في مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ.. [لقمان: ١١].
فقوله: وَفِي خَلْقِكُمْ.. [الجاثية: ٤] أي: من الآيات الكونية خلقكم أي البشر. عملية الخَلْق لها مراحل هي التي مَرَّ بها سيدنا آدم حيث لم يكُنْ موجوداً فأوجده الله من العدم، فكان طيناً فسوَّاه ونفخ فيه الروح فدبَّتْ فيه الحياة وصار إنساناً، ثم جعل نسله من بعده بالتزاوج بين الذكر والأنثى.
إذن: في خَلْقنا مرحلتان مرحلة الخَلْق الأول لأبينا آدم، ومرحلة البَثِّ والنشْر عن طريق التكاثر، لذلك قال سبحانه في آية أخرى: يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً.. [النساء: ١].
إذن: لنا خَلْق من عدم وبَثٌّ أي نشر، وانتشار من التناسل، أما الدواب فلم يذكر فيها إلا مرحلة البث وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ.. [الجاثية: ٤] أي: ينشر، فأين مرحلة خَلْقها؟
أولاً: الدابة هي كلُّ ما يدبّ على الأرض غير الإنسان، وفي اللغة لوْنٌ من الأسلوب يُسمُّونه (الاحتباك) وهو باب من أبواب البلاغة يعرفه المتخصصون فيها.
والاحتباك أن يكون في الكلام شيئان يُوضح أحدهما الآخرَ، ويغني عنه، وأوضح مثال على ذلك في القرآن قوله تعالى: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ.. [آل عمران: ١٣].
فقوله وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ.. [آل عمران: ١٣] دلَّ على أن الأولى مؤمنة، أي: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان، فدلَّ المذكور على المحذوف بالمقابلة.
فالمعنى في قوله تعالى: وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ [الجاثية: ٤] أتى بالخَلْق في الأولى وترك البث، وأتى بالبثِّ في الثانية وترك الخَلْق، وعليه يكون المعنى: وفي خلقكم وما بثَّ منكم، وفي خلق الدواب وما بثَّ منها.
ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية: ٤] فالحق سبحانه عرَّفنا كيفية الخَلْق الأول من العدم بخلقه لآدم، وأخبرنا بمراحل هذا الخَلْق حتى استوى آدمُ إنساناً كاملاً يتحرَّك ويسعى في الأرض ولم يذكر تفاصيل خَلْق غيره لنقيسَ نحن على ما عرفناه.
فلما تكلَّم عن حواء قال: ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا.. [النساء: ١] يعني: على طريقتها، كذلك لم يتكلم في خَلْق الدواب لأنها تُقاس على خَلْق آدم.
ولا شكَّ أن المتأمل في خَلْق الإنسان والدوابّ يجد الكثير من الآيات والمعجزات الدالَّة على طلاقة القدرة للخالق سبحانه، ففي الخَلْق الأول طلاقَةُ قدرة حيث خلق من العدم وعلى غير مثال سابق، فأوجد آدم بلا أب وبلا أم، ثم خلق منه حواء فكانت من أب بلا أم، وخلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب، وخلق عامة الخَلْق من أب وأم.
إذن: طلاقة القدرة استوعبتْ كُلَّ احتمالات المسألة عقلياً، حتى ولو مرة واحدة ليحدثَ بها الدليلُ والإعجاز وليثبت الحقّ لنفسه سبحانه: إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
والذي يملك العطاء يملك المنع، فقد تتوافر دواعي الخَلْق والإنجاب لكن لا يحدث يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً.. [الشورى: ٤٩-٥٠].
وتعرفون من قصة سيدنا زكريا عليه السلام كيف أنه لم يُنجب حتى بلغ من الكِبر عِتياً، وكانت امرأته عاقراً حتى إنه يئس من هذه المسألة، فلما أراد الله أنْ ينجب طَوَّع له الأسباب وبشَّره بولد وأيضاً سمَّاه له.
هذه كلها آياتٌ من آياتِ الخَلْق، وهي كثيرة وممتدة، ففي كل مرحلة من مراحلها إعجازٌ وقدرة، بدايةً من اللقاء بين الزوج والزوجة والتقاء الحيوان المنوي الذكري بالبويضة الأنثوية، فإنْ تمَّ تخصيب البويضة حدث الحمل وتحوَّل الدم في غذاء للجنين فهو رزقه حتى يُولد، وإن لم يحدث الحمل نزل هذا الدم في فترة الحيْض.
وهذا يعني أن الخالق سبحانه حين يخلق الإنسانَ يخلق معه رزقه، فالجنينُ لا يتغذَّى بغذاء أمه إنما بغذائه الخاص، بدليل أن الأم لا تستفيد بهذا الدم إنْ لم يحدث حمل.
وقوله سبحانه: ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية: ٤] من اليقين وهو الإيمان والعقيدة الراسخة التي استقرتْ في القلب، بحيث لا يتطرق إليها شك، وبحيث لا تطفو إلى العقل ليناقشها مرة أخرى، فهي عقيدة يعني القلب معقود عليها.
وسبق أنْ بيَّنا هذه المسألة بأن الحواسَّ تنقل المحسَّات والقضايا إلى العقل الذي يُفاضل بينها ويُغربلها، فما اقتنع به استقرَّ في القلب عقيدةً ومبدأ يسير عليه ويؤمن به بحيث لا يطفو للعقل مرة أخرى.
هذا اليقين درجاتٌ أولها علم اليقين، وعين اليقين، ثم حَقُّ اليقين، فعلم اليقين حين يُخبرك بالخبر صادقٌ لا تشكّ في صِدْقه، وعين اليقين حين تراه بعينك، وحَقُّ اليقين هو أنْ تباشره بنفسك.
وقلتُ: أننا ذهبنا مرة إلى إندونيسيا، ورأينا هناك أصبع الموز قرابة نصف المتر، فلما عُدْتُ أخبرتُ أولادي بذلك، فصار عندهم علم بذلك لأنهم يثقون بي ويعرفون أنِّي لا أكذب.
فلما رأيتُهم مندهشين من الخبر فتحت (الشنطة) وأخرجتُ منها أصابع الموز، فلما رأوْها صار عندهم عَيْنُ اليقين بهذه القضية، لكن لعله شيء آخر غير الموز أو نموذج من مادة أخرى، فأخذنا الموز وقطَّعناه وأكلنا منه فتحوَّلت المسألة إلى حق اليقين.
وهذه المراحل الثلاث ذُكِرَتْ في القرآن الكريم في سورة التكاثر: كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ [التكاثر: ٥-٧] وفي سورة الواقعة: إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ [الواقعة: ٩٥-٩٦].
وقد عبَّر الشاعر عن ذلك حين قال:
وتَحسَبُ أنَّكَ جرْمٌ صَغيرٌ وَفيكَ انْطَوَى العَالَمُ الأكبر
وكلمة خَلْقِكُمْ.. [الجاثية: ٤] ساعة تسمع كلمة الخَلْق تفهم منها الإيجادَ من العدم، كان الشيء معدوماً فأوجده الله، والخَلْق لا يُطلق على الحدث إنما يُطلق على المخلوق؛ لذلك قال تعالى: هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ.. [لقمان: ١١] فمعنى خَلْق هنا يعني مخلوق. وبمعنى الحدث في مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ.. [لقمان: ١١].
فقوله: وَفِي خَلْقِكُمْ.. [الجاثية: ٤] أي: من الآيات الكونية خلقكم أي البشر. عملية الخَلْق لها مراحل هي التي مَرَّ بها سيدنا آدم حيث لم يكُنْ موجوداً فأوجده الله من العدم، فكان طيناً فسوَّاه ونفخ فيه الروح فدبَّتْ فيه الحياة وصار إنساناً، ثم جعل نسله من بعده بالتزاوج بين الذكر والأنثى.
إذن: في خَلْقنا مرحلتان مرحلة الخَلْق الأول لأبينا آدم، ومرحلة البَثِّ والنشْر عن طريق التكاثر، لذلك قال سبحانه في آية أخرى: يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً.. [النساء: ١].
إذن: لنا خَلْق من عدم وبَثٌّ أي نشر، وانتشار من التناسل، أما الدواب فلم يذكر فيها إلا مرحلة البث وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ.. [الجاثية: ٤] أي: ينشر، فأين مرحلة خَلْقها؟
أولاً: الدابة هي كلُّ ما يدبّ على الأرض غير الإنسان، وفي اللغة لوْنٌ من الأسلوب يُسمُّونه (الاحتباك) وهو باب من أبواب البلاغة يعرفه المتخصصون فيها.
والاحتباك أن يكون في الكلام شيئان يُوضح أحدهما الآخرَ، ويغني عنه، وأوضح مثال على ذلك في القرآن قوله تعالى: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ.. [آل عمران: ١٣].
فقوله وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ.. [آل عمران: ١٣] دلَّ على أن الأولى مؤمنة، أي: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان، فدلَّ المذكور على المحذوف بالمقابلة.
فالمعنى في قوله تعالى: وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ [الجاثية: ٤] أتى بالخَلْق في الأولى وترك البث، وأتى بالبثِّ في الثانية وترك الخَلْق، وعليه يكون المعنى: وفي خلقكم وما بثَّ منكم، وفي خلق الدواب وما بثَّ منها.
ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية: ٤] فالحق سبحانه عرَّفنا كيفية الخَلْق الأول من العدم بخلقه لآدم، وأخبرنا بمراحل هذا الخَلْق حتى استوى آدمُ إنساناً كاملاً يتحرَّك ويسعى في الأرض ولم يذكر تفاصيل خَلْق غيره لنقيسَ نحن على ما عرفناه.
فلما تكلَّم عن حواء قال: ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا.. [النساء: ١] يعني: على طريقتها، كذلك لم يتكلم في خَلْق الدواب لأنها تُقاس على خَلْق آدم.
ولا شكَّ أن المتأمل في خَلْق الإنسان والدوابّ يجد الكثير من الآيات والمعجزات الدالَّة على طلاقة القدرة للخالق سبحانه، ففي الخَلْق الأول طلاقَةُ قدرة حيث خلق من العدم وعلى غير مثال سابق، فأوجد آدم بلا أب وبلا أم، ثم خلق منه حواء فكانت من أب بلا أم، وخلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب، وخلق عامة الخَلْق من أب وأم.
إذن: طلاقة القدرة استوعبتْ كُلَّ احتمالات المسألة عقلياً، حتى ولو مرة واحدة ليحدثَ بها الدليلُ والإعجاز وليثبت الحقّ لنفسه سبحانه: إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
والذي يملك العطاء يملك المنع، فقد تتوافر دواعي الخَلْق والإنجاب لكن لا يحدث يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً.. [الشورى: ٤٩-٥٠].
وتعرفون من قصة سيدنا زكريا عليه السلام كيف أنه لم يُنجب حتى بلغ من الكِبر عِتياً، وكانت امرأته عاقراً حتى إنه يئس من هذه المسألة، فلما أراد الله أنْ ينجب طَوَّع له الأسباب وبشَّره بولد وأيضاً سمَّاه له.
هذه كلها آياتٌ من آياتِ الخَلْق، وهي كثيرة وممتدة، ففي كل مرحلة من مراحلها إعجازٌ وقدرة، بدايةً من اللقاء بين الزوج والزوجة والتقاء الحيوان المنوي الذكري بالبويضة الأنثوية، فإنْ تمَّ تخصيب البويضة حدث الحمل وتحوَّل الدم في غذاء للجنين فهو رزقه حتى يُولد، وإن لم يحدث الحمل نزل هذا الدم في فترة الحيْض.
وهذا يعني أن الخالق سبحانه حين يخلق الإنسانَ يخلق معه رزقه، فالجنينُ لا يتغذَّى بغذاء أمه إنما بغذائه الخاص، بدليل أن الأم لا تستفيد بهذا الدم إنْ لم يحدث حمل.
وقوله سبحانه: ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية: ٤] من اليقين وهو الإيمان والعقيدة الراسخة التي استقرتْ في القلب، بحيث لا يتطرق إليها شك، وبحيث لا تطفو إلى العقل ليناقشها مرة أخرى، فهي عقيدة يعني القلب معقود عليها.
وسبق أنْ بيَّنا هذه المسألة بأن الحواسَّ تنقل المحسَّات والقضايا إلى العقل الذي يُفاضل بينها ويُغربلها، فما اقتنع به استقرَّ في القلب عقيدةً ومبدأ يسير عليه ويؤمن به بحيث لا يطفو للعقل مرة أخرى.
هذا اليقين درجاتٌ أولها علم اليقين، وعين اليقين، ثم حَقُّ اليقين، فعلم اليقين حين يُخبرك بالخبر صادقٌ لا تشكّ في صِدْقه، وعين اليقين حين تراه بعينك، وحَقُّ اليقين هو أنْ تباشره بنفسك.
وقلتُ: أننا ذهبنا مرة إلى إندونيسيا، ورأينا هناك أصبع الموز قرابة نصف المتر، فلما عُدْتُ أخبرتُ أولادي بذلك، فصار عندهم علم بذلك لأنهم يثقون بي ويعرفون أنِّي لا أكذب.
فلما رأيتُهم مندهشين من الخبر فتحت (الشنطة) وأخرجتُ منها أصابع الموز، فلما رأوْها صار عندهم عَيْنُ اليقين بهذه القضية، لكن لعله شيء آخر غير الموز أو نموذج من مادة أخرى، فأخذنا الموز وقطَّعناه وأكلنا منه فتحوَّلت المسألة إلى حق اليقين.
وهذه المراحل الثلاث ذُكِرَتْ في القرآن الكريم في سورة التكاثر: كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ [التكاثر: ٥-٧] وفي سورة الواقعة: إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ [الواقعة: ٩٥-٩٦].
آية رقم ٥
أي: من آياته الكونية الدالة على قدرته تعالى اختلافُ الليل والنهار، وفي آيات أخرى عرفنا أن الليل وحده آية والنهار وحده آية، والكلام هنا عن اختلاف الليل والنهار، ومجرد اختلافهما آية من آيات الله.
فالليل والنهار مختلفان من عدَّة وجوه: مختلفان في ظلمة الليل ونور النهار، ومختلفان طولاً وقصَراً، وكذلك مختلفان في المهمة، وهما ظرفان لزمن الأحداث، وقد يطول الليل ويقصر النهار، أو يطول النهار ويقصر الليل، ثم يتساويان في المدة.
فمثلاً نجد الليلَ يطولُ في الشتاء ويقصر في الصيف، وهذا لحكمة، فنحن نعمل طوال يوم الشتاء حيثُ اعتدال الجو الذي يساعد على العمل؛ لذلك نحتاج إلى فترة أطول للراحة، فنجد ذلك في ليل الشتاء الطويل.
ثم لو نظرتَ إلى الليل والنهار بصورة أوسع تشمل الكرةَ الأرضية كلها وجدتَ أنهما مُتداخلان، فالنهار عندك ليلٌ عند غيرك، والليل عندك نهارٌ عند غيرك، فهما موجودان معاً، لكن في أماكن متباعدة من الأرض.
وهكذا تجد كلَّ لحظة من لحظات الزمن يبدأ فيها ليلٌ وينتهي نهار، أو يبدأ فيها نهارٌ وينتهي ليل، إذن: هي حركة دائرة لا تنتهي، مواقيت مختلفة في الزمن كله.
فلو أخذنا مثلاً الأذان لوجدناه يدور في كلِّ لحظة من لحظات الزمن بكلِّ لفظ من ألفاظه، ففي اللحظة التي تقول فيها (الله أكبر) غيرك يقول (أشهد ألا إله إلا الله) وغيرك يقول (أشهد أن محمداً رسول الله) وهكذا.
والأمر كذلك في الصلاة، فحين تُصلي الظهر، غيرُك يصلي العصر، وغيرُك يصلي المغرب، وآخر يُصلي العشاء في اللحظة ذاتها. إذن: نستطيع أنْ نقول بوجود كلِّ الأوقات في كلِّ الأوقات، وأن الحق سبحانه يُعبد في كلِّ لحظة بكلِّ أنواع العبادات، وأن ألفاظ الأذان دائرةٌ في سَمْع الدنيا كلها، تستوعب كلَّ الزمان وكلَّ المكان.
وهذا كلُّه من اختلاف الليل والنهار طُولاً وقِصَراً، والطول والقِصَر ناتج عن حركة الشمس، وهذه مسألة أخرى تحتاج إلى دِقَّة في الملاحظة، فالشمس حين تشرق عندك تغيب عند غيرك، فكلُّ مشرق عند قوم مغربٌ عند آخرين.
وهذه تفسر لنا قوله تعالى: رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧] فقال مشرقين ومغربين، لأن المشرق عندك مغرب عند غيرك في نفس الوقت.
فإذا نظرتَ إلى امتداد الزمان في جزئياته الدقيقة بالثانية وجدتَ مشارق ومغارب، كما قال سبحانه: بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ.. [المعارج: ٤٠] فإذا نظرتَ إلى المكان الواحد وجدتَ مشرقاً ومغرباً، وقد قال سبحانه رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ.. [المزمل: ٩] إذن: فهو صادق في كلِّ ما أخبرنا به سبحانه.
ومن آيات الليل والنهار أيضاً أن الله جعلهما خلْفةً، يعني: الليل يخلُف النهارَ والنهارُ يخلُف الليلَ، قال تعالى: وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان: ٦٢].
وقد فهمنا من هذه الآية أن الأرض كُروية، فهذه النظرية العلمية الحديثة أثبتها القرآنُ وسبق بها، فمعنى أن الليلَ والنهار خلفةٌ أن الأرض مثل الكرة بحيث في الخَلْق الأول خُلقت الأرض مواجهةً في ناحية منها للشمس.
فكانت هذه الناحية النهار والمقابلة لها الليل، إذن: خُلِقَ الليل والنهار معاً، ووُلِدا معاً، ثم لما دارتْ الأرضُ خلفَ الليلُ النهارَ، وخلفَ النهارُ الليلَ، ولو لم تكن الأرض مُكوَّرَة ما حدث هذا.
وهذه الحقيقة أكَّدها الحق سبحانه بصورة أوضح في قوله تعالى: لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠] لأن العرب كانوا يعتقدون أن الليل أسبقُ من النهار، لذلك كانوا يُؤرِّخون للمناسك بدورة القمر، فالشمس نعرف منها اليوم، والقمر نعرف منه الشهر، ومن الشهر تكون السنة.
كذلك رمضان يثبتُ بليله لا بنهاره، لأنه يعتمد على ظهور الهلال؛ لذلك اعتقدوا أن الليلَ أسبقُ من النهار فصوَّب لهم القرآن هذا الاعتقاد فقال: وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ.. [يس: ٤٠] فوافقهم في أن النهار لا يسبق الليل وعدَّل لهم وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ.. [يس: ٤٠].
إذن: خُلِقا في وقت واحد، وهذا لا يكون أبداً إلا إذا كانتْ الأرضُ مكوَّرة. فلا سبْقَ لأحدهما على الآخر.
وقوله سبحانه: وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.. [الجاثية: ٥] أنزل الله من السماء آياتٍ كثيرة منها المادي ومنها المعنوي، المعنوي هو الكتاب الذي أنزله على رسول الله لهداية الخلق، والمادي مثل المطر وسماه رزقاً لأنه سببُ الرزق حين ينزل على الأرض فيُحييها بالنبات والثمار.
وكل رزق جاء من جهة العلو الخالقة فهو مُنزَّل، حتى لو كان في باطن الأرض؛ لذلك قال سبحانه عن الحديد: وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ.. [الحديد: ٢٥] لذلك جعله اللهُ أداةً لإثبات قدرته تعالى للمعاندين للدين، فقال في ختام الآية: وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ.. [الحديد: ٢٥].
وقوله: مِنَ ٱلسَّمَآءِ.. [الجاثية: ٥] معلوم أن السماء ليستْ محلاً للماء، الماء في السحاب وهو كما قلنا ضاحية من ضواحي الأرض وتابعٌ لها، أما السماء فشيء آخر أبعد من أن يتصوّره العقل، والمراد: من جهة السماء.
والمتأمل في دورة الماء في الطبيعة يجد أنه في الأرض حيث ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ماء، وغالبه الماء المالح، وهذا لحكمة أنَّ نسبة الملح في الماء تحفظه من التغيُّر والعطن، وبالبخر تتكوَّن السُّحُب وينزل المطر يحمل الماء العَذْب الصالح للشرب وللزراعة وغيرها.
ومن آيات الله في الماء أنْ تتسعَ رقعة الماء المالح لتتسع رقعة البخر، وبالتالي تزيد مساحة تبخُّر الماء العَذْب الذي يكفي بعد ذلك لحياة الأحياء على الأرض، ثم تجد مُلوحة الماء في البحار والمحيطات بالقدر المناسب الذي يحفظ الماء من الفساد ويسمح بمعيشة الأسماك والحيوانات البحرية الأخرى.
ولو زادتْ الملوحة عن هذا الحد لماتتْ فيها الثروة السمكية، كما نجد مثلاً في البحر الميت، حيث تزيد فيه نسبة الملوحة لأنه مُغلَق ولا يأتيه مَددٌ من روافد أخرى تُقلِّل من ملوحته.
ولنعرف قدرة الله في إنزال الماء العذب من السحاب هذا الماء الذي يكفي للشرب ولزراعة الأرض، انظر كم تتكلَّف زجاجة الماء المقطر حين تُعدُّها في المعمل، هذا الماء ينزل لك من السماء عَذْباً صافياً زلالاً دون مجهود منك ودون نفقات.
هذا الماء في حَدِّ ذاته آية من آيات الله، لأن به تكون الحياة، لذلك سمَّاه القرآن رزقاً، البعض قال: يعني سبب في الرزق والبعض قال: لا بل هو نفسه رزق، هو سبب في الرزق حينما نروي به الزرع، لكن هو رزقٌ حينما نشربه أو نُدخله في الطعام.
وقوله: فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.. [الجاثية: ٥] وهذه آية أخرى، والأرض الميتة هي الجرداء القاحلة التي لا نبْتَ فيها، فالله يُحييها بالنبات كما قال في آية أخرى: وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ.. [الحج: ٥].
ثم ينتقل إلى آية أخرى وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ.. [الجاثية: ٥].
تصريف الرياح يعني: تغيير اتجاهها من هنا إلى هناك، أو تغيير أحوالها، فهي مرة نسيم لطيف، ومرة ريح عاصف، ومرة تكون حارة، ومرة باردة، مرة مُعمِّرة ومرة مدمرة. هذه كلها أحوال للرياح يُصرِّفها خالقها عز وجلّ كيف يشاء، ولا يُصرِّفها غيره.
وحين تُدقِّق وتتأمل في عملية تصريف الرياح تجد فيها مظهراً من مظاهر الإعجاز للخالق سبحانه، انظر إلى هذه الأبراج وناطحات السحاب، واسأل نفسك مَنْ يقيم هذه الأبنية العملاقة؟ ومَنْ يسندها فلا تميل رغم هبوب العواصف عليها؟
الذي يسندها هو الهواء الذي يحيط بها من كُلِّ ناحية، ولو فرَّغْتَ جانباً منها من الهواء لانهارتْ في هذا الجانب الفارغ من الهواء.
إذن: الهواء هو الذي يحفظ توازنها، لذلك ساعة تجد القرآن يستعمل كلمة (الريح) بصيغة الجمع فاعلم أنها للعَمَار وللخير، وساعة تكون مفردة فهي للدمار وللخراب.
الريح الواحدة تُدمر، والرياح تسند وتُعمر، لأن هذه تأتي من ناحية واحدة، وهذه تأتي من جميع النواحي فتحدث التوازن المطلوب.
واقرأ هنا في سياق الحديث عن آيات الله وتعداد نعمه: وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ.. [الجاثية: ٥] وفي آية أخرى قال سبحانه: بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا.. [الأحقاف: ٢٥] وقال: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ [الذاريات: ٤١-٤٢].
وقوله: ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الجاثية: ٥] لأن العقل هو الذي يستقبل الأحداث ويناقشها ويُفاضل بين القضايا، ويستخلص منها الحقَّ، ويُلقيه إلى القلب فيصير عقيدةً راسخة لا تقبل الشَّكَّ.
ورحم الله الفخر الرازي الذي أجرى مقارنة علمية دقيقة بين هذه الآيات في الجاثية بداية من قوله تعالى: إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ [الجاثية: ٣] إلى لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الجاثية: ٥] وبين الآية ١٦٤ من سورة البقرة: إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٦٤].
أولاً: وجد الاختلافَ الأول بين الموضعين أن الجاثية فيها إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الجاثية: ٣] أما البقرة إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [البقرة: ١٦٤] وهما بمعنى واحد، لأن الخَلْق حدثُ الإيجاد، فالحدث نفسه يسمى خَلْقاً، ويطلق أيضاً على المخلوق بدليل قوله تعالى: هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ [لقمان: ١١] أي مخلوقه.
إذن: المعنى في الموضعين واحد.
ثانياً: عدَّ الآيات الكونية المذكورة في الجاثية فوجدها ست آيات، وفي البقرة ثماني آيات، فلما بحث الزيادة في البقرة وجدها في قوله تعالى: وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ.. [البقرة: ١٦٤] وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ.. [البقرة: ١٦٤].
فقال: هاتان الآيتان في الفلك وفي السحاب أغنى عنهما قوله تعالى في الجاثية وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ [الجاثية: ٥] لأنهما يجريان بحركة الرياح.
الاختلاف الأخير بين الموضعين أن آية البقرة خُتمتْ بمقطع واحد هو لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٦٤] أما آيات الجاثية ففيها ثلاثة مقاطع هي: لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ [الجاثية: ٣] ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية: ٤] ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الجاثية: ٥].
المؤمن ساعة يسمع من الله يُصدِّق ويؤمن بما أخبر الله به، واليقين يكون لدى طالب الحقيقة الذي يبحث عنها في قضية علمية يريد أن يصل إلى اليقين من خلالها.
والإنسان إذا لم يكُنْ مؤمناً واثقاً ولا طالباً للحقيقة فلا أقلَّ من قَدْر من العقل يُميِّز به بين الأشياء، ويعرف به ماذا يأكل؟ وماذا يشرب؟ وماذا يأخذ؟ وماذا يدع.
إذن: هذه المقاطع الثلاثة تمثل مراحلَ الإدراك السليم. والتعقُّل هو أدْنى مرتبة، لذلك خُتِمَتْ بها آية البقرة.
فالليل والنهار مختلفان من عدَّة وجوه: مختلفان في ظلمة الليل ونور النهار، ومختلفان طولاً وقصَراً، وكذلك مختلفان في المهمة، وهما ظرفان لزمن الأحداث، وقد يطول الليل ويقصر النهار، أو يطول النهار ويقصر الليل، ثم يتساويان في المدة.
فمثلاً نجد الليلَ يطولُ في الشتاء ويقصر في الصيف، وهذا لحكمة، فنحن نعمل طوال يوم الشتاء حيثُ اعتدال الجو الذي يساعد على العمل؛ لذلك نحتاج إلى فترة أطول للراحة، فنجد ذلك في ليل الشتاء الطويل.
ثم لو نظرتَ إلى الليل والنهار بصورة أوسع تشمل الكرةَ الأرضية كلها وجدتَ أنهما مُتداخلان، فالنهار عندك ليلٌ عند غيرك، والليل عندك نهارٌ عند غيرك، فهما موجودان معاً، لكن في أماكن متباعدة من الأرض.
وهكذا تجد كلَّ لحظة من لحظات الزمن يبدأ فيها ليلٌ وينتهي نهار، أو يبدأ فيها نهارٌ وينتهي ليل، إذن: هي حركة دائرة لا تنتهي، مواقيت مختلفة في الزمن كله.
فلو أخذنا مثلاً الأذان لوجدناه يدور في كلِّ لحظة من لحظات الزمن بكلِّ لفظ من ألفاظه، ففي اللحظة التي تقول فيها (الله أكبر) غيرك يقول (أشهد ألا إله إلا الله) وغيرك يقول (أشهد أن محمداً رسول الله) وهكذا.
والأمر كذلك في الصلاة، فحين تُصلي الظهر، غيرُك يصلي العصر، وغيرُك يصلي المغرب، وآخر يُصلي العشاء في اللحظة ذاتها. إذن: نستطيع أنْ نقول بوجود كلِّ الأوقات في كلِّ الأوقات، وأن الحق سبحانه يُعبد في كلِّ لحظة بكلِّ أنواع العبادات، وأن ألفاظ الأذان دائرةٌ في سَمْع الدنيا كلها، تستوعب كلَّ الزمان وكلَّ المكان.
وهذا كلُّه من اختلاف الليل والنهار طُولاً وقِصَراً، والطول والقِصَر ناتج عن حركة الشمس، وهذه مسألة أخرى تحتاج إلى دِقَّة في الملاحظة، فالشمس حين تشرق عندك تغيب عند غيرك، فكلُّ مشرق عند قوم مغربٌ عند آخرين.
وهذه تفسر لنا قوله تعالى: رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧] فقال مشرقين ومغربين، لأن المشرق عندك مغرب عند غيرك في نفس الوقت.
فإذا نظرتَ إلى امتداد الزمان في جزئياته الدقيقة بالثانية وجدتَ مشارق ومغارب، كما قال سبحانه: بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ.. [المعارج: ٤٠] فإذا نظرتَ إلى المكان الواحد وجدتَ مشرقاً ومغرباً، وقد قال سبحانه رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ.. [المزمل: ٩] إذن: فهو صادق في كلِّ ما أخبرنا به سبحانه.
ومن آيات الليل والنهار أيضاً أن الله جعلهما خلْفةً، يعني: الليل يخلُف النهارَ والنهارُ يخلُف الليلَ، قال تعالى: وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان: ٦٢].
وقد فهمنا من هذه الآية أن الأرض كُروية، فهذه النظرية العلمية الحديثة أثبتها القرآنُ وسبق بها، فمعنى أن الليلَ والنهار خلفةٌ أن الأرض مثل الكرة بحيث في الخَلْق الأول خُلقت الأرض مواجهةً في ناحية منها للشمس.
فكانت هذه الناحية النهار والمقابلة لها الليل، إذن: خُلِقَ الليل والنهار معاً، ووُلِدا معاً، ثم لما دارتْ الأرضُ خلفَ الليلُ النهارَ، وخلفَ النهارُ الليلَ، ولو لم تكن الأرض مُكوَّرَة ما حدث هذا.
وهذه الحقيقة أكَّدها الحق سبحانه بصورة أوضح في قوله تعالى: لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠] لأن العرب كانوا يعتقدون أن الليل أسبقُ من النهار، لذلك كانوا يُؤرِّخون للمناسك بدورة القمر، فالشمس نعرف منها اليوم، والقمر نعرف منه الشهر، ومن الشهر تكون السنة.
كذلك رمضان يثبتُ بليله لا بنهاره، لأنه يعتمد على ظهور الهلال؛ لذلك اعتقدوا أن الليلَ أسبقُ من النهار فصوَّب لهم القرآن هذا الاعتقاد فقال: وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ.. [يس: ٤٠] فوافقهم في أن النهار لا يسبق الليل وعدَّل لهم وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ.. [يس: ٤٠].
إذن: خُلِقا في وقت واحد، وهذا لا يكون أبداً إلا إذا كانتْ الأرضُ مكوَّرة. فلا سبْقَ لأحدهما على الآخر.
وقوله سبحانه: وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.. [الجاثية: ٥] أنزل الله من السماء آياتٍ كثيرة منها المادي ومنها المعنوي، المعنوي هو الكتاب الذي أنزله على رسول الله لهداية الخلق، والمادي مثل المطر وسماه رزقاً لأنه سببُ الرزق حين ينزل على الأرض فيُحييها بالنبات والثمار.
وكل رزق جاء من جهة العلو الخالقة فهو مُنزَّل، حتى لو كان في باطن الأرض؛ لذلك قال سبحانه عن الحديد: وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ.. [الحديد: ٢٥] لذلك جعله اللهُ أداةً لإثبات قدرته تعالى للمعاندين للدين، فقال في ختام الآية: وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ.. [الحديد: ٢٥].
وقوله: مِنَ ٱلسَّمَآءِ.. [الجاثية: ٥] معلوم أن السماء ليستْ محلاً للماء، الماء في السحاب وهو كما قلنا ضاحية من ضواحي الأرض وتابعٌ لها، أما السماء فشيء آخر أبعد من أن يتصوّره العقل، والمراد: من جهة السماء.
والمتأمل في دورة الماء في الطبيعة يجد أنه في الأرض حيث ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ماء، وغالبه الماء المالح، وهذا لحكمة أنَّ نسبة الملح في الماء تحفظه من التغيُّر والعطن، وبالبخر تتكوَّن السُّحُب وينزل المطر يحمل الماء العَذْب الصالح للشرب وللزراعة وغيرها.
ومن آيات الله في الماء أنْ تتسعَ رقعة الماء المالح لتتسع رقعة البخر، وبالتالي تزيد مساحة تبخُّر الماء العَذْب الذي يكفي بعد ذلك لحياة الأحياء على الأرض، ثم تجد مُلوحة الماء في البحار والمحيطات بالقدر المناسب الذي يحفظ الماء من الفساد ويسمح بمعيشة الأسماك والحيوانات البحرية الأخرى.
ولو زادتْ الملوحة عن هذا الحد لماتتْ فيها الثروة السمكية، كما نجد مثلاً في البحر الميت، حيث تزيد فيه نسبة الملوحة لأنه مُغلَق ولا يأتيه مَددٌ من روافد أخرى تُقلِّل من ملوحته.
ولنعرف قدرة الله في إنزال الماء العذب من السحاب هذا الماء الذي يكفي للشرب ولزراعة الأرض، انظر كم تتكلَّف زجاجة الماء المقطر حين تُعدُّها في المعمل، هذا الماء ينزل لك من السماء عَذْباً صافياً زلالاً دون مجهود منك ودون نفقات.
هذا الماء في حَدِّ ذاته آية من آيات الله، لأن به تكون الحياة، لذلك سمَّاه القرآن رزقاً، البعض قال: يعني سبب في الرزق والبعض قال: لا بل هو نفسه رزق، هو سبب في الرزق حينما نروي به الزرع، لكن هو رزقٌ حينما نشربه أو نُدخله في الطعام.
وقوله: فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.. [الجاثية: ٥] وهذه آية أخرى، والأرض الميتة هي الجرداء القاحلة التي لا نبْتَ فيها، فالله يُحييها بالنبات كما قال في آية أخرى: وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ.. [الحج: ٥].
ثم ينتقل إلى آية أخرى وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ.. [الجاثية: ٥].
تصريف الرياح يعني: تغيير اتجاهها من هنا إلى هناك، أو تغيير أحوالها، فهي مرة نسيم لطيف، ومرة ريح عاصف، ومرة تكون حارة، ومرة باردة، مرة مُعمِّرة ومرة مدمرة. هذه كلها أحوال للرياح يُصرِّفها خالقها عز وجلّ كيف يشاء، ولا يُصرِّفها غيره.
وحين تُدقِّق وتتأمل في عملية تصريف الرياح تجد فيها مظهراً من مظاهر الإعجاز للخالق سبحانه، انظر إلى هذه الأبراج وناطحات السحاب، واسأل نفسك مَنْ يقيم هذه الأبنية العملاقة؟ ومَنْ يسندها فلا تميل رغم هبوب العواصف عليها؟
الذي يسندها هو الهواء الذي يحيط بها من كُلِّ ناحية، ولو فرَّغْتَ جانباً منها من الهواء لانهارتْ في هذا الجانب الفارغ من الهواء.
إذن: الهواء هو الذي يحفظ توازنها، لذلك ساعة تجد القرآن يستعمل كلمة (الريح) بصيغة الجمع فاعلم أنها للعَمَار وللخير، وساعة تكون مفردة فهي للدمار وللخراب.
الريح الواحدة تُدمر، والرياح تسند وتُعمر، لأن هذه تأتي من ناحية واحدة، وهذه تأتي من جميع النواحي فتحدث التوازن المطلوب.
واقرأ هنا في سياق الحديث عن آيات الله وتعداد نعمه: وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ.. [الجاثية: ٥] وفي آية أخرى قال سبحانه: بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا.. [الأحقاف: ٢٥] وقال: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ [الذاريات: ٤١-٤٢].
وقوله: ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الجاثية: ٥] لأن العقل هو الذي يستقبل الأحداث ويناقشها ويُفاضل بين القضايا، ويستخلص منها الحقَّ، ويُلقيه إلى القلب فيصير عقيدةً راسخة لا تقبل الشَّكَّ.
ورحم الله الفخر الرازي الذي أجرى مقارنة علمية دقيقة بين هذه الآيات في الجاثية بداية من قوله تعالى: إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ [الجاثية: ٣] إلى لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الجاثية: ٥] وبين الآية ١٦٤ من سورة البقرة: إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٦٤].
أولاً: وجد الاختلافَ الأول بين الموضعين أن الجاثية فيها إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الجاثية: ٣] أما البقرة إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [البقرة: ١٦٤] وهما بمعنى واحد، لأن الخَلْق حدثُ الإيجاد، فالحدث نفسه يسمى خَلْقاً، ويطلق أيضاً على المخلوق بدليل قوله تعالى: هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ [لقمان: ١١] أي مخلوقه.
إذن: المعنى في الموضعين واحد.
ثانياً: عدَّ الآيات الكونية المذكورة في الجاثية فوجدها ست آيات، وفي البقرة ثماني آيات، فلما بحث الزيادة في البقرة وجدها في قوله تعالى: وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ.. [البقرة: ١٦٤] وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ.. [البقرة: ١٦٤].
فقال: هاتان الآيتان في الفلك وفي السحاب أغنى عنهما قوله تعالى في الجاثية وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ [الجاثية: ٥] لأنهما يجريان بحركة الرياح.
الاختلاف الأخير بين الموضعين أن آية البقرة خُتمتْ بمقطع واحد هو لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٦٤] أما آيات الجاثية ففيها ثلاثة مقاطع هي: لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ [الجاثية: ٣] ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية: ٤] ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الجاثية: ٥].
المؤمن ساعة يسمع من الله يُصدِّق ويؤمن بما أخبر الله به، واليقين يكون لدى طالب الحقيقة الذي يبحث عنها في قضية علمية يريد أن يصل إلى اليقين من خلالها.
والإنسان إذا لم يكُنْ مؤمناً واثقاً ولا طالباً للحقيقة فلا أقلَّ من قَدْر من العقل يُميِّز به بين الأشياء، ويعرف به ماذا يأكل؟ وماذا يشرب؟ وماذا يأخذ؟ وماذا يدع.
إذن: هذه المقاطع الثلاثة تمثل مراحلَ الإدراك السليم. والتعقُّل هو أدْنى مرتبة، لذلك خُتِمَتْ بها آية البقرة.
آية رقم ٦
تَلْكَ.. [الجاثية: ٦] إشارةٌ إلى آيات القرآن، أو إلى الآيات الكونية التي سبقتْ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ.. [الجاثية: ٦] والحق كما قلنا هو الشيء الثابت الذي لا يتغيَّر ويقابله الباطل، الحق هو الحكم بقضية مطابقة للواقع، والباطل الحكم بقضية مخالفة للواقع.
لذلك قلنا: إن شاهد الحق لا تتغيَّر أقواله مهما أعدْتَ عليه السؤال، أما شاهد الزور فهو لا بدَّ أنْ يُغيِّر في أقواله، ذلك لأن شاهد الحق يُصوِّر واقعاً فيأتي واحداً لا يتغير، وشاهد الزور يُصوِّر أوهاماً وتخيُّلات فلا بدَّ أنْ تتغيَّر.
لذلك الحق سبحانه يريد منَّا أنْ نأخذَ بالحقِّ، وأن نجعله مقياساً للأشياء كلها كما نتخذ المتر مثلاً وحدةَ للقياس ولا نخرج عنها.
يريد منا أنْ نحكم بالحقِّ وأنْ نجعله أساساً في بناء الأشياء، فالساعة لا تضبط لك التوقيت إلا إذا كانتْ هي في ذاتها منضبطة.
لذلك قال تعالى في آيتي الشمس والقمر: ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن: ٥] يعني: مخلوقان بحساب دقيق، ولأنهما خُلِقا بحسبان جعلهما الله تعالى آلةً لحساب الزمن، فالشيء الذي تعتبره مقياساً لا بدَّ أنْ تقيسه أولاً على الحق وتُقيمه على الحق.
لذلك أخبر سبحانه أنه خلق السماوات والأرض بالحقِّ، فهي تسير بميزان دقيق محكم لا يتخلف أبداً منذ خلق اللهُ هذا الكونَ وإلى قيام الساعة.
وقلنا: لأن الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغيَّر فهو الباقي، وهو المنتصر، وهو الذي يعلو في نهاية الصراع، وإنْ علاَ الباطل فلحين وليعطيَ فرصةً للباطل حتى يعضَّ الناس ويَِشْقى به المجتمع فيعود الناسُ إلى ساحة الحق.
لذلك نقول: إن الباطل جنديٌّ من جنود الحق، وإذا كان الإسلامُ قد عَلاَ في جزيرة العرب لإعجاز القرآن، فكيف علاَ وانتشر في بلاد فارس والروم.
قالوا: لأنهم كانوا في ذلك الوقت مقهورين بالباطل، فلما رأوا عدل الإسلام وسماحته أسرعوا إليه؛ لذلك فتح الإسلامُ نصف الدنيا في نصف قرن من الزمان، لأن الناسَ كانت مُتشوِّقة إلى مثل هذا الدين الحق.
والحق سبحانه يريد أنْ يعطينا صورة محسوسة تُصوِّر الحق وتصور الباطل في لوحة واحدة، فيقول عز وجل: أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ [الرعد: ١٧].
وقوله سبحانه: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية: ٦] يعني: إذا لم تقنعهم كلُّ هذه الآيات الكونية وكلُّ هذا الإعجاز، وإذا لم يقنعهم كلام الله فبأيِّ شيء يؤمنون بعد ذلك. إذن: المسألة بالنسبة لهم عناد ولَدد، فإذا لم يُقنعهم حديثُ الله فأيُّ حديث بعده يقنعهم.
ونسألهم: أهناك حديث أصدق من حديث الله؟ أو إخبار أصدق من إخباره؟ إنه سبحانه يتودَّد إليكم ببيان آياته في كونه لتؤمنوا وليأخذ بأيديكم إلى ساحة الإيمان وهو الغني عنكم، فقط يحرص عليكم لأنكم عباده وصَنْعته ويريدكم في أحسن حال.
لذلك أرسل لكم الرسل، وأنزل لكم الكتب، وبيَّن لكم الحلال والحرام والحق والباطل فَلِمَ اللدد؟ ولِمَ العناد في الإيمان؟
مع أن الإيمان بالله شَرَفٌ، والعبودية له سبحانه عزة، كلمة عبودية كلمة ممقوتة تدل على الذلة والانكسار، أما مع الله فهي شرف وكرامة وعزة.
لذلك قلنا: إن شاهد الحق لا تتغيَّر أقواله مهما أعدْتَ عليه السؤال، أما شاهد الزور فهو لا بدَّ أنْ يُغيِّر في أقواله، ذلك لأن شاهد الحق يُصوِّر واقعاً فيأتي واحداً لا يتغير، وشاهد الزور يُصوِّر أوهاماً وتخيُّلات فلا بدَّ أنْ تتغيَّر.
لذلك الحق سبحانه يريد منَّا أنْ نأخذَ بالحقِّ، وأن نجعله مقياساً للأشياء كلها كما نتخذ المتر مثلاً وحدةَ للقياس ولا نخرج عنها.
يريد منا أنْ نحكم بالحقِّ وأنْ نجعله أساساً في بناء الأشياء، فالساعة لا تضبط لك التوقيت إلا إذا كانتْ هي في ذاتها منضبطة.
لذلك قال تعالى في آيتي الشمس والقمر: ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن: ٥] يعني: مخلوقان بحساب دقيق، ولأنهما خُلِقا بحسبان جعلهما الله تعالى آلةً لحساب الزمن، فالشيء الذي تعتبره مقياساً لا بدَّ أنْ تقيسه أولاً على الحق وتُقيمه على الحق.
لذلك أخبر سبحانه أنه خلق السماوات والأرض بالحقِّ، فهي تسير بميزان دقيق محكم لا يتخلف أبداً منذ خلق اللهُ هذا الكونَ وإلى قيام الساعة.
وقلنا: لأن الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغيَّر فهو الباقي، وهو المنتصر، وهو الذي يعلو في نهاية الصراع، وإنْ علاَ الباطل فلحين وليعطيَ فرصةً للباطل حتى يعضَّ الناس ويَِشْقى به المجتمع فيعود الناسُ إلى ساحة الحق.
لذلك نقول: إن الباطل جنديٌّ من جنود الحق، وإذا كان الإسلامُ قد عَلاَ في جزيرة العرب لإعجاز القرآن، فكيف علاَ وانتشر في بلاد فارس والروم.
قالوا: لأنهم كانوا في ذلك الوقت مقهورين بالباطل، فلما رأوا عدل الإسلام وسماحته أسرعوا إليه؛ لذلك فتح الإسلامُ نصف الدنيا في نصف قرن من الزمان، لأن الناسَ كانت مُتشوِّقة إلى مثل هذا الدين الحق.
والحق سبحانه يريد أنْ يعطينا صورة محسوسة تُصوِّر الحق وتصور الباطل في لوحة واحدة، فيقول عز وجل: أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ [الرعد: ١٧].
وقوله سبحانه: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية: ٦] يعني: إذا لم تقنعهم كلُّ هذه الآيات الكونية وكلُّ هذا الإعجاز، وإذا لم يقنعهم كلام الله فبأيِّ شيء يؤمنون بعد ذلك. إذن: المسألة بالنسبة لهم عناد ولَدد، فإذا لم يُقنعهم حديثُ الله فأيُّ حديث بعده يقنعهم.
ونسألهم: أهناك حديث أصدق من حديث الله؟ أو إخبار أصدق من إخباره؟ إنه سبحانه يتودَّد إليكم ببيان آياته في كونه لتؤمنوا وليأخذ بأيديكم إلى ساحة الإيمان وهو الغني عنكم، فقط يحرص عليكم لأنكم عباده وصَنْعته ويريدكم في أحسن حال.
لذلك أرسل لكم الرسل، وأنزل لكم الكتب، وبيَّن لكم الحلال والحرام والحق والباطل فَلِمَ اللدد؟ ولِمَ العناد في الإيمان؟
مع أن الإيمان بالله شَرَفٌ، والعبودية له سبحانه عزة، كلمة عبودية كلمة ممقوتة تدل على الذلة والانكسار، أما مع الله فهي شرف وكرامة وعزة.
آية رقم ٧
ﮎﮏﮐﮑ
ﮒ
كلمة (ويل) قالوا: وَادٍ في جهنم، أو هلاك لا مفرَّ منه ولا نجاة، وكلمة الويل تختلف حَسب قائلها المنذِر بها، فحين يقول لك واحد مثلك: ويلٌ لك. تتوقع أن يكون الويل على قدره، ويتناسب مع قدرته عليك، وتمكّنه من تنفيذ ما هدَّدك به من بطشه وفتكه.
فإذا كان المتكلم بذلك التهديد هو الحق سبحانه فهمنا أنه هلاكٌ مُحتَّم لا قِبَلَ لأحد به، ويل كبير لا يُردُّ ولا يُدفع.
فلمَن هذا التهديد؟ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ.. الأفَّاك من الإفك، وهو قَلْب الشيء على وجهه أو قلْب الحقائق عَمْداً، ومن ذلك قوله تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣] وهي القرى التي قَلَبها الله تعالى رأساً على عقب وجعل أعلاها سافلها.
ومن ذلك أيضاً قصة الإفك في حَقِّ السيدة عائشة إِنَّ الَّذِينَ جَآءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ.. [النور: ١١] إذن: الإفك هو أفظع أنواع الكذب؛ لأنه كذب متعمد يصرف الناسَ عن الحق إلى الباطل.
وهو لا يضر واحداً، إنما يقع ضرره على جَمْع من الناس فشرُّه يتعدَّى ويلزمه عقوبة تناسب هذا التعدِّي على الخَلْق، لذلك ساعة تسمع كلمة (ويل) فاعلم أنها لذنب كبير.
وكلمة أَفَّاكٍ.. صيغة مبالغة على وزن فعَّال، ولو كذب مرة واحدة لكان (آفِك) إنما تكرر منه هذا الذنب حتى بالغ فيه ومثله في المبالغة أَثِيمٍ يعني: كثير الإثم. فهي صيغة مبالغة أيضاً على وزن فعيل. أي: مُبالغ في الآثام.
فإذا كان المتكلم بذلك التهديد هو الحق سبحانه فهمنا أنه هلاكٌ مُحتَّم لا قِبَلَ لأحد به، ويل كبير لا يُردُّ ولا يُدفع.
فلمَن هذا التهديد؟ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ.. الأفَّاك من الإفك، وهو قَلْب الشيء على وجهه أو قلْب الحقائق عَمْداً، ومن ذلك قوله تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣] وهي القرى التي قَلَبها الله تعالى رأساً على عقب وجعل أعلاها سافلها.
ومن ذلك أيضاً قصة الإفك في حَقِّ السيدة عائشة إِنَّ الَّذِينَ جَآءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ.. [النور: ١١] إذن: الإفك هو أفظع أنواع الكذب؛ لأنه كذب متعمد يصرف الناسَ عن الحق إلى الباطل.
وهو لا يضر واحداً، إنما يقع ضرره على جَمْع من الناس فشرُّه يتعدَّى ويلزمه عقوبة تناسب هذا التعدِّي على الخَلْق، لذلك ساعة تسمع كلمة (ويل) فاعلم أنها لذنب كبير.
وكلمة أَفَّاكٍ.. صيغة مبالغة على وزن فعَّال، ولو كذب مرة واحدة لكان (آفِك) إنما تكرر منه هذا الذنب حتى بالغ فيه ومثله في المبالغة أَثِيمٍ يعني: كثير الإثم. فهي صيغة مبالغة أيضاً على وزن فعيل. أي: مُبالغ في الآثام.
آية رقم ٨
كلمة (ويل) قالوا: وَادٍ في جهنم، أو هلاك لا مفرَّ منه ولا نجاة، وكلمة الويل تختلف حَسب قائلها المنذِر بها، فحين يقول لك واحد مثلك: ويلٌ لك. تتوقع أن يكون الويل على قدره، ويتناسب مع قدرته عليك، وتمكّنه من تنفيذ ما هدَّدك به من بطشه وفتكه.
فإذا كان المتكلم بذلك التهديد هو الحق سبحانه فهمنا أنه هلاكٌ مُحتَّم لا قِبَلَ لأحد به، ويل كبير لا يُردُّ ولا يُدفع.
فلمَن هذا التهديد؟ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ.. [الجاثية: ٧] الأفَّاك من الإفك، وهو قَلْب الشيء على وجهه أو قلْب الحقائق عَمْداً، ومن ذلك قوله تعالى: وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣] وهي القرى التي قَلَبها الله تعالى رأساً على عقب وجعل أعلاها سافلها.
ومن ذلك أيضاً قصة الإفك في حَقِّ السيدة عائشة إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ.. [النور: ١١] إذن: الإفك هو أفظع أنواع الكذب؛ لأنه كذب متعمد يصرف الناسَ عن الحق إلى الباطل.
وهو لا يضر واحداً، إنما يقع ضرره على جَمْع من الناس فشرُّه يتعدَّى ويلزمه عقوبة تناسب هذا التعدِّي على الخَلْق، لذلك ساعة تسمع كلمة (ويل) فاعلم أنها لذنب كبير.
وكلمة أَفَّاكٍ.. [الجاثية: ٧] صيغة مبالغة على وزن فعَّال، ولو كذب مرة واحدة لكان (آفِك) إنما تكرر منه هذا الذنب حتى بالغ فيه ومثله في المبالغة أَثِيمٍ [الجاثية: ٧] يعني: كثير الإثم. فهي صيغة مبالغة أيضاً على وزن فعيل. أي: مُبالغ في الآثام. تقول: آثم وأثيم. مثل: عالم وعليم.
فالمرء لو فهم علماً من العلوم سُمِّي عالم، أما عليم فيعني العلم في ذاته، لذلك لا تُقال إلا لله تعالى وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف: ٧٦] فكأن هذا الآثِم قد تمرَّس في الإثم حتى صار طبعاً له وديدناً.
ثم يصف الحق سبحانه هذا الأفاك الأثيم، فيقول: يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا.. [الجاثية: ٨] كأن الحق سبحانه يريد أنْ يُعرفنا الإفك على حقيقته، فالكذاب يكذب على مثله، أو يكذب على أسرة أو جماعة، لكن هذا يكذب على الدنيا كلها حين يُزوِّر الحقائق ويقلبها وهو متعمد.
وهذا معنى يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً.. [الجاثية: ٨] ولذلك في القانون يقولون مع سَبْق الإصرار والترصُّد مُسْتَكْبِراً.. [الجاثية: ٨] أي: متعالياً على الحق.
وفي الحديث الشريف "الكبر بَطر الحقِّ، وغَمْط الناس" فهو يتكبَّر لأنها تأتي له أي الآيات بواسطة من كان يعتقد أنه دونه، وبذلك اعتدى على الحق واعتدى على مُحقٍّ، كما حكى القرآن عنهم: وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
إذن: المشكلة عندهم ليستْ في القرآن، لأنهم أهل فصاحة وبلاغة ويعلمون إعجاز القرآن وصِدْقه لكن يحسدون الرجل الذي جاء القرآنُ على يديه، يقيسونه بمقاييس الجاه والثراء عندهم.
فالرسالة في نظرهم ينبغي أنْ تأتيَ على يد رجل غني من عظماء القوم وأهل السيادة، وهذا عجيبٌ منهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له مكانة عظيمة بينهم قبل البعثة، وكانوا يتحدثون بصدقه وأمانته، بدليل أنهم حكَّموه في أمر الحجر الأسود حينما أرادوا وضعه في مكانه واختلفوا عليه، فالتناقض في مواقفهم نحوه ظاهر، كانوا يقولون عنه ساحر وكاهن وكذاب وشاعر، فلما فَتَر عنه الوحي قالوا: إن رب محمد قلاه.
وقوله تعالى: فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الجاثية: ٨] معلوم أن البشارة إخبارٌ بخير قبل أوانه، وسمَّاها بشارة لأنها تُظهر البشْر والسعادة على الوجوه ساعة تسمع خبراً يسرُّك، فاستخدام البشارة في العذاب تكون على سبيل التهكُّم والسخرية وهي لَوْنٌ من ألوان العذاب والإهانة، مثل رجل كان يحثُّ ولده على المذاكرة والجد، ولكن الولد خالف أوامر أبيه، فلما ظهرتْ النتيجة وجد ولده راسباً فقال له: أبشر لقد رسبت، يريد أنْ يتهكَّم به ويعاقبه على إهماله.
فإذا كان المتكلم بذلك التهديد هو الحق سبحانه فهمنا أنه هلاكٌ مُحتَّم لا قِبَلَ لأحد به، ويل كبير لا يُردُّ ولا يُدفع.
فلمَن هذا التهديد؟ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ.. [الجاثية: ٧] الأفَّاك من الإفك، وهو قَلْب الشيء على وجهه أو قلْب الحقائق عَمْداً، ومن ذلك قوله تعالى: وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣] وهي القرى التي قَلَبها الله تعالى رأساً على عقب وجعل أعلاها سافلها.
ومن ذلك أيضاً قصة الإفك في حَقِّ السيدة عائشة إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ.. [النور: ١١] إذن: الإفك هو أفظع أنواع الكذب؛ لأنه كذب متعمد يصرف الناسَ عن الحق إلى الباطل.
وهو لا يضر واحداً، إنما يقع ضرره على جَمْع من الناس فشرُّه يتعدَّى ويلزمه عقوبة تناسب هذا التعدِّي على الخَلْق، لذلك ساعة تسمع كلمة (ويل) فاعلم أنها لذنب كبير.
وكلمة أَفَّاكٍ.. [الجاثية: ٧] صيغة مبالغة على وزن فعَّال، ولو كذب مرة واحدة لكان (آفِك) إنما تكرر منه هذا الذنب حتى بالغ فيه ومثله في المبالغة أَثِيمٍ [الجاثية: ٧] يعني: كثير الإثم. فهي صيغة مبالغة أيضاً على وزن فعيل. أي: مُبالغ في الآثام. تقول: آثم وأثيم. مثل: عالم وعليم.
فالمرء لو فهم علماً من العلوم سُمِّي عالم، أما عليم فيعني العلم في ذاته، لذلك لا تُقال إلا لله تعالى وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف: ٧٦] فكأن هذا الآثِم قد تمرَّس في الإثم حتى صار طبعاً له وديدناً.
ثم يصف الحق سبحانه هذا الأفاك الأثيم، فيقول: يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا.. [الجاثية: ٨] كأن الحق سبحانه يريد أنْ يُعرفنا الإفك على حقيقته، فالكذاب يكذب على مثله، أو يكذب على أسرة أو جماعة، لكن هذا يكذب على الدنيا كلها حين يُزوِّر الحقائق ويقلبها وهو متعمد.
وهذا معنى يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً.. [الجاثية: ٨] ولذلك في القانون يقولون مع سَبْق الإصرار والترصُّد مُسْتَكْبِراً.. [الجاثية: ٨] أي: متعالياً على الحق.
وفي الحديث الشريف "الكبر بَطر الحقِّ، وغَمْط الناس" فهو يتكبَّر لأنها تأتي له أي الآيات بواسطة من كان يعتقد أنه دونه، وبذلك اعتدى على الحق واعتدى على مُحقٍّ، كما حكى القرآن عنهم: وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
إذن: المشكلة عندهم ليستْ في القرآن، لأنهم أهل فصاحة وبلاغة ويعلمون إعجاز القرآن وصِدْقه لكن يحسدون الرجل الذي جاء القرآنُ على يديه، يقيسونه بمقاييس الجاه والثراء عندهم.
فالرسالة في نظرهم ينبغي أنْ تأتيَ على يد رجل غني من عظماء القوم وأهل السيادة، وهذا عجيبٌ منهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له مكانة عظيمة بينهم قبل البعثة، وكانوا يتحدثون بصدقه وأمانته، بدليل أنهم حكَّموه في أمر الحجر الأسود حينما أرادوا وضعه في مكانه واختلفوا عليه، فالتناقض في مواقفهم نحوه ظاهر، كانوا يقولون عنه ساحر وكاهن وكذاب وشاعر، فلما فَتَر عنه الوحي قالوا: إن رب محمد قلاه.
وقوله تعالى: فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الجاثية: ٨] معلوم أن البشارة إخبارٌ بخير قبل أوانه، وسمَّاها بشارة لأنها تُظهر البشْر والسعادة على الوجوه ساعة تسمع خبراً يسرُّك، فاستخدام البشارة في العذاب تكون على سبيل التهكُّم والسخرية وهي لَوْنٌ من ألوان العذاب والإهانة، مثل رجل كان يحثُّ ولده على المذاكرة والجد، ولكن الولد خالف أوامر أبيه، فلما ظهرتْ النتيجة وجد ولده راسباً فقال له: أبشر لقد رسبت، يريد أنْ يتهكَّم به ويعاقبه على إهماله.
آية رقم ٩
لأنه بعد أنْ أصرَّ على الإعراض عن آيات الله، وبعد أنِ استكبر عليها لا بدّ أنْ يعود في لحظة ما إلى نفسه ويُعمل عقله فيما يسمع فيصله بعض العلم عن آيات الله وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً.. [الجاثية: ٩] جعلها مجالاً للسخرية والاستهزاء أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [الجاثية: ٩] وقبل ذلك بشَّره رب العزة بأن له عذاباً أليماً.
وهذه ألوان مختلفة من العذاب والعياذ بالله، فالعذاب الأليم الذي يُؤلم الحواسَّ ويُوجع وتتألم له المادة والأعضاء، وهذا غير العذاب المهين، فالجهة كما يقولون مُنفكَّة، والعذاب المهين هو عذاب النفس حيث يُهينها ويُذلّها ويهدم كرامتها، لأن بعض الناس قد لا يُؤلمه الضرب الحسِّي ولكن يُؤلمه أنْ تجرح كرامته ولو بكلمة.
وهناك في آيات أخرى (عذابٍ عظيم) يعني: مبالغ فيه، وهكذا جمع عليهم الحق سبحانه كلَّ ألوان العذاب جزاء استكبارهم ولددهم وعنادهم في آيات الله، وهي أوضح من أنْ ينكرها منكر.
وهنا استخدم المصدر هُزُواً [الجاثية: ٩] ليدل على المبالغ، وأن الاستهزاء أصبح صفةً لازمة له لاصقة فيه كما نقول: فلان عادل، وفلان عدل كأنك جعلْتَه هو والعدل شيئاً واحداً.
وفي الآية دليلٌ على أن الإنسان إذا تجرَّد للحق وأخْلى فكره ثم فكَّر بعقله في الأشياء بموضوعية لا بدَّ أنْ يصلَ إلى الخيط الذي يُوصِّله إلى الحق، فالعودة الصادقة إلى النفس تُؤدي إلى الحق.
لذلك الحق سبحانه يُعلِّم الناس كيفية التفكير السليم وكيفية البحث عن الحق، فيقول: إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ.. [سبأ: ٤٦] يعني: اتركوا تفكير الجماهير وتعصُّبهم لأنه غير مُنظم، يؤدي إلى فوضى يتوه فيها الحق.
والفكر عمل العقل، والعقل هو السلطان الذي يعصمك من الآراء الضالة ويُرشدك ويأخذ بيدك إلى الحق، والعقل حتى في اسمه من العقال الذي يعقل الدابة حتى لا تشرد من صاحبها، كذلك العقل يعقل صاحبه.
إذن: هؤلاء لما عادوا إلى أنفسهم واستعملوا عقولهم عقلوا ووصلوا إلى شيء من الحق، لكن كبرياءهم وعنادهم منعهم من اتباعه، وأدلُّ شيء على ذلك قول بعضهم لبعض: لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦].
ولولا أنهم واثقون من صدق القرآن وتأثيره في النفوس ما قالوا هذا الكلام، لكن أسلوب القرآن أسَرهم وتغلغل في أعماقهم، ولو تركوا أنفسهم على طبيعتها لآمنوا، لكنهم استقبلوا القرآن بنفوس تملؤها نوازع الشر وحُب الانفلات من قيود المنهج الحق الذي أتى به هذا القرآن.
وهذه ألوان مختلفة من العذاب والعياذ بالله، فالعذاب الأليم الذي يُؤلم الحواسَّ ويُوجع وتتألم له المادة والأعضاء، وهذا غير العذاب المهين، فالجهة كما يقولون مُنفكَّة، والعذاب المهين هو عذاب النفس حيث يُهينها ويُذلّها ويهدم كرامتها، لأن بعض الناس قد لا يُؤلمه الضرب الحسِّي ولكن يُؤلمه أنْ تجرح كرامته ولو بكلمة.
وهناك في آيات أخرى (عذابٍ عظيم) يعني: مبالغ فيه، وهكذا جمع عليهم الحق سبحانه كلَّ ألوان العذاب جزاء استكبارهم ولددهم وعنادهم في آيات الله، وهي أوضح من أنْ ينكرها منكر.
وهنا استخدم المصدر هُزُواً [الجاثية: ٩] ليدل على المبالغ، وأن الاستهزاء أصبح صفةً لازمة له لاصقة فيه كما نقول: فلان عادل، وفلان عدل كأنك جعلْتَه هو والعدل شيئاً واحداً.
وفي الآية دليلٌ على أن الإنسان إذا تجرَّد للحق وأخْلى فكره ثم فكَّر بعقله في الأشياء بموضوعية لا بدَّ أنْ يصلَ إلى الخيط الذي يُوصِّله إلى الحق، فالعودة الصادقة إلى النفس تُؤدي إلى الحق.
لذلك الحق سبحانه يُعلِّم الناس كيفية التفكير السليم وكيفية البحث عن الحق، فيقول: إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ.. [سبأ: ٤٦] يعني: اتركوا تفكير الجماهير وتعصُّبهم لأنه غير مُنظم، يؤدي إلى فوضى يتوه فيها الحق.
والفكر عمل العقل، والعقل هو السلطان الذي يعصمك من الآراء الضالة ويُرشدك ويأخذ بيدك إلى الحق، والعقل حتى في اسمه من العقال الذي يعقل الدابة حتى لا تشرد من صاحبها، كذلك العقل يعقل صاحبه.
إذن: هؤلاء لما عادوا إلى أنفسهم واستعملوا عقولهم عقلوا ووصلوا إلى شيء من الحق، لكن كبرياءهم وعنادهم منعهم من اتباعه، وأدلُّ شيء على ذلك قول بعضهم لبعض: لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦].
ولولا أنهم واثقون من صدق القرآن وتأثيره في النفوس ما قالوا هذا الكلام، لكن أسلوب القرآن أسَرهم وتغلغل في أعماقهم، ولو تركوا أنفسهم على طبيعتها لآمنوا، لكنهم استقبلوا القرآن بنفوس تملؤها نوازع الشر وحُب الانفلات من قيود المنهج الحق الذي أتى به هذا القرآن.
آية رقم ١٠
كلمة (وراء) في اللغة لها معانٍ متعددة، أوضحها في المعنى قوله فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ.. [آل عمران: ١٨٧] يعني: خلف ظهورهم. وهذا هو المعنى المشهور لكلمة وراء؟
لكن تأتي بمعنى الشيء الذي سيأتيك في المستقبل كما في هذه الآية مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ.. [الجاثية: ١٠] فهي تنتظرهم في المستقبل.
وتأتي (وراء) بمعنى أمام كما في قوله تعالى في آية الكهف: وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف: ٧٩] فأحداث القصة تقول أن الملك كان ينتظرهم على الشاطئ ليستولي على كل سفينة صالحة فهو أمامهم لا وراءهم.
والوراء هو الشيء الذي يوجد دونه ما يُواريه، والذي يُواري العلم إما حجاب الزمان وإما حجاب المكان، فنحن مثلاً نجلس الآن في مكان واحد، ويرى كلٌّ منا الآخر لكنَّا لا نرى مَنْ هو خارج هذا المكان، فالذي يواريه عنا إذن حجاب المكان.
ولما أحدثك عن المستقبل تجد الزمن المستقبل أيضاً محجوباً عنك بحجاب الزمن المستقبل، كذلك في الزمن الماضي حجبه عنك حجاب الزمن الماضي.
وعِلْم الحق سبحانه يخرق كلَّ هذه الحجُب، والزمن عنده سواء الماضي أو الحاضر أو المستقبل، لذلك يأتي بالماضي، ويتحدث عنه كأنه حاضر، ويقول سبحانه مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤].
لذلك يخرق حجاب الزمن المستقبل كما في قوله سبحانه في الصراع بين فارس والروم: الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ.. [الروم: ١-٤] لأن المسلمين حزنوا لانتصار فارس على الروم.
فالفرس كانوا مجوساً ليس لهم علاقة بالسماء، أما الروم فكانوا أهلَ كتاب، ويؤمنون بالرسل، فكان حَظُّ الإسلام أنْ ينتصر الرومُ فبشَّرهم الله بذلك الانتصار قبل أنْ يحدث ببضع سنين، والبضع في اللغة من ثلاث إلى تسع سنين.
فالحق يخبر نبيه بأحداث المستقبل في قرآن يُتلَى ويُتعبَّد به في كلِّ صلاة، فكيف يُعلن الرسولُ هذه البشارة ويسمعها الناسُ في فارس وفي الروم؟ إذن: يعلنها وهو واثق أنها حَقٌّ وصِدق، ولا بدَّ أنْ تتحقق.
هذا خَرْق لحجاب المستقبل، وفعلاً بعد بضع سنين انتصر الروم على فارس، وصادف ذلك انتصارَ المسلمين على الكافرين في بدر، فقال سبحانه: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ.. [الروم: ٤-٥].
فقوله سبحانه: مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ.. [الجاثية: ١٠] يعني: تنتظرهم في المستقبل، فهي أمامهم وهذا من خَرْق حجاب الزمن المستقبل.
وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً.. [الجاثية: ١٠] يعني: لا يدفع عنهم شر ما هم فيه بسبب ما اكتسبوه في الماضي من عبادة الأصنام وتأليه لخَلْق الله، وهل يغني الصنم عن عابده وهو الذي صنعه؟ وهو الذي يقيمه إذا قلبه الهواء وأطاح به؟ كذلك مَنْ عبدوهم من البشر سوف يسبقونهم إلى جهنم. إذن: لا ناصرَ لهم ولا دافعَ عنهم.
واستخدم هذا الفعل المجرد (كسب) في الشر، ولم يقل اكتسبوا. وسبق أنْ بينَّا أنَّ كسب للخير واكتسب للشر، لأن الخير والطاعة تأتي طبيعية لا افتعال فيها، على عكس المعصية فهي تحتاج إلى افتعال واحتيال.
ولا تُستخدم (كسب) في الشر إلا إذا أصبح الشرُّ عادة وأخذ عند صاحبه حكم الكسب، فلم يَعُد يأنف منه وهَانَ عليه أنْ يقع فيه مرة بعد مرة حتى أصبح الشر عادته.
فقال: مَّا كَسَبُواْ.. [الجاثية: ١٠] أي: من الشر وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الجاثية: ١٠] أي: الآلهة التي عبدوها من دون الله، كذلك هي لا تُغني عنهم وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الجاثية: ١٠] فالأمر لا ينتهي عند خذلانهم وعدم الدفاع عنهم، بل ولهم عذاب عظيم. يعني: شديد ومُبالغ في الإيلام.
لكن تأتي بمعنى الشيء الذي سيأتيك في المستقبل كما في هذه الآية مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ.. [الجاثية: ١٠] فهي تنتظرهم في المستقبل.
وتأتي (وراء) بمعنى أمام كما في قوله تعالى في آية الكهف: وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف: ٧٩] فأحداث القصة تقول أن الملك كان ينتظرهم على الشاطئ ليستولي على كل سفينة صالحة فهو أمامهم لا وراءهم.
والوراء هو الشيء الذي يوجد دونه ما يُواريه، والذي يُواري العلم إما حجاب الزمان وإما حجاب المكان، فنحن مثلاً نجلس الآن في مكان واحد، ويرى كلٌّ منا الآخر لكنَّا لا نرى مَنْ هو خارج هذا المكان، فالذي يواريه عنا إذن حجاب المكان.
ولما أحدثك عن المستقبل تجد الزمن المستقبل أيضاً محجوباً عنك بحجاب الزمن المستقبل، كذلك في الزمن الماضي حجبه عنك حجاب الزمن الماضي.
وعِلْم الحق سبحانه يخرق كلَّ هذه الحجُب، والزمن عنده سواء الماضي أو الحاضر أو المستقبل، لذلك يأتي بالماضي، ويتحدث عنه كأنه حاضر، ويقول سبحانه مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤].
لذلك يخرق حجاب الزمن المستقبل كما في قوله سبحانه في الصراع بين فارس والروم: الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ.. [الروم: ١-٤] لأن المسلمين حزنوا لانتصار فارس على الروم.
فالفرس كانوا مجوساً ليس لهم علاقة بالسماء، أما الروم فكانوا أهلَ كتاب، ويؤمنون بالرسل، فكان حَظُّ الإسلام أنْ ينتصر الرومُ فبشَّرهم الله بذلك الانتصار قبل أنْ يحدث ببضع سنين، والبضع في اللغة من ثلاث إلى تسع سنين.
فالحق يخبر نبيه بأحداث المستقبل في قرآن يُتلَى ويُتعبَّد به في كلِّ صلاة، فكيف يُعلن الرسولُ هذه البشارة ويسمعها الناسُ في فارس وفي الروم؟ إذن: يعلنها وهو واثق أنها حَقٌّ وصِدق، ولا بدَّ أنْ تتحقق.
هذا خَرْق لحجاب المستقبل، وفعلاً بعد بضع سنين انتصر الروم على فارس، وصادف ذلك انتصارَ المسلمين على الكافرين في بدر، فقال سبحانه: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ.. [الروم: ٤-٥].
فقوله سبحانه: مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ.. [الجاثية: ١٠] يعني: تنتظرهم في المستقبل، فهي أمامهم وهذا من خَرْق حجاب الزمن المستقبل.
وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً.. [الجاثية: ١٠] يعني: لا يدفع عنهم شر ما هم فيه بسبب ما اكتسبوه في الماضي من عبادة الأصنام وتأليه لخَلْق الله، وهل يغني الصنم عن عابده وهو الذي صنعه؟ وهو الذي يقيمه إذا قلبه الهواء وأطاح به؟ كذلك مَنْ عبدوهم من البشر سوف يسبقونهم إلى جهنم. إذن: لا ناصرَ لهم ولا دافعَ عنهم.
واستخدم هذا الفعل المجرد (كسب) في الشر، ولم يقل اكتسبوا. وسبق أنْ بينَّا أنَّ كسب للخير واكتسب للشر، لأن الخير والطاعة تأتي طبيعية لا افتعال فيها، على عكس المعصية فهي تحتاج إلى افتعال واحتيال.
ولا تُستخدم (كسب) في الشر إلا إذا أصبح الشرُّ عادة وأخذ عند صاحبه حكم الكسب، فلم يَعُد يأنف منه وهَانَ عليه أنْ يقع فيه مرة بعد مرة حتى أصبح الشر عادته.
فقال: مَّا كَسَبُواْ.. [الجاثية: ١٠] أي: من الشر وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الجاثية: ١٠] أي: الآلهة التي عبدوها من دون الله، كذلك هي لا تُغني عنهم وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الجاثية: ١٠] فالأمر لا ينتهي عند خذلانهم وعدم الدفاع عنهم، بل ولهم عذاب عظيم. يعني: شديد ومُبالغ في الإيلام.
آية رقم ١١
هَـٰذَا.. إشارة إلى الهدى، وهو المنهج الذي جاء به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القرآن، والهدى هو الذي يهديك يعني يدلُّك على الطريق الموصِّل للغاية من أقرب الطرق وأسهلها وأكثرها أمناً دون مشقة على النفس.
وفي أول سورة البقرة: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.. [البقرة: ٥] فكأن الهدى مركب يحملك إلى غايتك، ودابة تسير بك حتى تنجيك.
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ.. قال (ربهم) مع أنهم كافرون به، لأنه تعالى رَبُّ يتودَّد إليهم حتى مع كفرهم وجحودهم، وهذا كما قلنا عطاء الربوبية الذي لا يُفرِّق بين مؤمن وكافر فيعطي الكل ويتحنَّن إلى الجميع، فهم جميعاً عباده وصَنْعته.
لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ مرة يقول: عذاب أليم، ومرة لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ والرجز هو أشد ألوان العذاب، والعذاب إيلام الحيِّ...
ومعنى كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ.. يعني: ستروها وجحدوها، إذن: هي موجودة لكنهم أخفوْهَا، ومثله كفروا بالله يعني: ستروا وجوده سبحانه، فالسَّتْر لا يكون إلا لموجود أولاً ثم يُستر، فكأن الإيمانَ موجودٌ وأصله في النفس، ثم يأتي الكفر فيستره.
وفي أول سورة البقرة: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.. [البقرة: ٥] فكأن الهدى مركب يحملك إلى غايتك، ودابة تسير بك حتى تنجيك.
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ.. قال (ربهم) مع أنهم كافرون به، لأنه تعالى رَبُّ يتودَّد إليهم حتى مع كفرهم وجحودهم، وهذا كما قلنا عطاء الربوبية الذي لا يُفرِّق بين مؤمن وكافر فيعطي الكل ويتحنَّن إلى الجميع، فهم جميعاً عباده وصَنْعته.
لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ مرة يقول: عذاب أليم، ومرة لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ والرجز هو أشد ألوان العذاب، والعذاب إيلام الحيِّ...
ومعنى كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ.. يعني: ستروها وجحدوها، إذن: هي موجودة لكنهم أخفوْهَا، ومثله كفروا بالله يعني: ستروا وجوده سبحانه، فالسَّتْر لا يكون إلا لموجود أولاً ثم يُستر، فكأن الإيمانَ موجودٌ وأصله في النفس، ثم يأتي الكفر فيستره.
آية رقم ١٢
التسخير يعني التذليل وأن يكون المسخّر رَهْناً لخدمة المسخّر له... والتسخير تكليف الشيء تكليفاً قهرياً أنْ يكونَ في خدمة الخليفة وهو الإنسان، فالكون كله مُسخَّر له. يعني: يطيعه ويأتمر بأمره... وقوله: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أمر بالشكر على النعمة، فكلما رأيتَ مظهراً من مظاهر نعمة الله قُلِ الحمد لله واعترف لله بالفضل، لذلك علَّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء الركوب للسُّفن أو غيرها، ومن هذا الدعاء:"سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنَّا إلى ربنا لمنقلبون".
آية رقم ١٣
الحق سبحانه وتعالى ينقلنا من تسخير البحر إلى تسخير السماوات والأرض، فهي مسخَّرة للإنسان منذ خلقها الله، لكن لم يعلم الإنسان وجوه هذا التسخير مرة واحدة، إنما يعلمها بمرور الزمن وتطوُّر العلوم.
كما قال سبحانه: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. [فصلت: ٥٣].
فأنت مثلاً حين تقرأ قوله تعالى في الفُلْك وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ [الرحمن: ٢٤] لا بد أنْ تُعمِلَ العقل وتسأل كما سألنا: متى عرف الناس السفن ذات الأدوار؟ فكلمة المنشآت تدل على البناء، وكالأعلام يعني: عالية ومرتفعة كالجبال، قالوا: عرف الإنسانُ السفنَ ذات الأدوار في أواخر القرن الثامن عشر، وكانت قبل ذلك عبارةً عن سطح لا شيءَ عليه.
فمَنْ أخبر سيدنا رسول الله بأن السفن سيكون منها منشآت كالأعلام، كذلك في قوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣].
والمعارج جمع معراج، وهو بلغة اليوم (الأسنسير) والحضارة الحديثة لم تعرف (الأسنسير) إلا في أواخر القرن العشرين، إذن: هذه مظاهر لإعجاز القرآن وصِدْقه وصِدْق المبلِّغ للقرآن، فصدق اللهُ وصدق رسوله.
وهذا يدلُّ على أن هذه المستحدثات موجودة في علمه تعالى ولها (ماكيت) قبل أنْ يصل إليها فكر البشر، والله يظهرها لعباده حسْب حاجتهم ومع مرور الزمن وتطور العلوم، وهذا معنى سَنُرِيهِمْ.. [فصلت: ٥٣].
قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. [الجاثية: ١٣] قلنا: كلٌّ من السماوات والأرض ظَرْف لأشياء كثيرة، منها ما نعلمه، ومنها ما لم نتوصل إليه حتى الآن، فالسماء ننظر إليها من جهة العلو، ولا نرى من مخلوقات الله فيها إلا الشمس والقمر والنجوم والسحاب، وهذا كله في السماء الدنيا.
لذلك قال سبحانه: وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ.. [فصلت: ١٢] أما السماوات السبع فشيء آخر لا نعرف عنه شيئاً، ويكفي أنْ تعرف أن بينك وبين الشمس ثمانيَ دقائق ضوئية، وهناك مخلوقات بينك وبينها مائة سنة ضوئية اضربها في ٣٦٥ يوماً في ٢٤ ساعة في ٦٠ دقيقة في سرعة الضوء.
إذن: فوقك عالم آخر فوق ما يتصوَّره عقلك، لذلك قال تعالى: وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات: ٤٧] بأيد، أي بقوة.
فيكفي أنْ تتأمل في مجال تسخير الكون لك أنْ تنظر إلى الشمس، وكيف سخَّرها الخالق لك فتعطيك النور والدفء والطاقة والأشعة المختلفة دون أنْ تبذل في سبيل ذلك شيئاً، ودون صيانة، ودون وقود، ودون أنْ تصلَ إليها أصلاً.
فهي تعمل في خدمتك منذ خلقها الله وإلى أنْ تقوم الساعة لا تحتاج منك إلى شيء، فقط عليك أنْ تستفيد منها، وأنْ تفكر في طبيعتها وكيفية استغلالها فيما ينفعك، ومثلها القمر يعطيك النور الحالم الهادئ، وبه نهتدي في ظلمة الليل: وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦].
والشمس والقمر خلقهما الله على هيئة الحركة، فهما متحركان منذ خلقهما الله وإلى قيام الساعة، يتحركان دون وقود وبلا طاقة بقانون العطالة كما قلنا، وهو أنْ يظلَّ المتحركُ متحركاً ما لم تُسكنه، ويظل الساكن ساكناً ما لم تحركه. وهذه الحركة قلنا بحساب دقيق محكم ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن: ٥].
والأرض كذلك ظرف لأشياء كثيرة وأجناس متعددة، ففيها الجماد وهو أدنى الأجناس، فإذا أضيفَ إليه النمو كان النبات، فإذا أضيف إليه الإحساسُ كان الحيوان، فإذا أضيف إليه العقل كان الإنسان وهو أعلى هذه الأجناس وأكرمها على الله.
لذلك سخَّر الله له كلّ هذه الأجناس وجعلها في خدمته، وجعله سيداً عليها وخليفة له في أرضه.
والحق سبحانه عندما تكلم عن الجماد قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ [فاطر: ٢٧] فقدَّم الثمار وهي من النبات قدَّمها على الجماد، لأننا لا نأكل الجماد وإنما نأكل النبات والثمار هي محصلته وما يهمني منه، وهي من مُقوِّمات الحياة.
ثم تكلم عن الجبال وهي مصدر الخيرات والثروات والمعادن والأحجار الكريمة؛ لذلك قال عنها في آية أخرى: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠] أي: في الجبال.
وسبق أنْ بيَّنا أن الجبال هي مصادر القوت ومخازنه في الأرض، ذلك لأنها مصدر التربة الغنية الخِصْبة التي تنساب مع ماء المطر، وتنتشر في أنحاء الأرض فتزيد من خصوبتها: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر: ٢١].
فأجناس الخلق كلها فيها آيات، فالجماد انظر مثلاً إلى الجبال وما فيها من خيرات وألوان شتَّى فيها الرخام والجرانيت والمرمر وغيرها، والنبات ويمثل المصدر الأساسي للقوت، انظر مثلاً إلى النخلة العربية وقارنها بالنخلة الأفرنجي، فالنخلة عندنا مصدرٌ للقوت وننتفع بكل شيء فيها بحيث لا يُرمى منها شيء أبداً.
لذلك تجد لها درجاً يمكنك من الصعود عليها لتقليم جريدها أو جمع ثمارها، أما النخلة الأفرنجي فهي للزينة، لذلك تجدها ملساء يصعب الصعود عليها، هذا من حكمة الخلق ودقته، فتبارك الله أحسن الخالقين.
تأمل جريدة النخيل تجدها عريضة من أصلها ونحيفة رفيعة من طرفها، والورق فيها على عكس ذلك فهو مسطَّح منبسط من أعلى، ثم يأخذ (ينبرم) إلى أنْ يصيرَ شوكاً عند أصل الجريدة، القريب من الثمر، وذلك لأن هذه الأشواك تحمي الثمار من الفئران، ثم تأمل أن هذه الأشواك تنتهي عند أصل الجريدة، ولا تمتد إلى الشماريخ التي تحمل الثمار.
ثم تأمل الساق فهي في النخلة طويلة مستقيمة على خلاف الأشجار الأخرى تجدها قصيرة ومتفرعة، لأن الثمار عليها صغيرة يسهل حملُها على الفروع، أما ثمرة البطيخ مثلاً فهي على ساق رفيع لولبيٍّ يتمدد على الأرض، لأن الثمرة ثقيلة.
إذن: المسألة قدرة ليست (ميكانيكا)، وفي الأكل تأكل مثلاً قشرة المشمش وتترك اللبّ بعكس اللوز فتأكل اللب وتترك القشرة، هذه طلاقة قدرة وحكمة عالية للخالق عز وجل، ثمرة التين تأكلها كلها فليس لها قشرة، أما البرتقال أو اليوسفي فله قشرة، ثم تأمل اختلاف الألوان والطعوم في النباتات وهي تُسقى بماء واحد. وقُلْ: سبحان الخالق.
تأمل الأشجار تجد منها أشجاراً خضراء ليس لها ثمار وتظن أنها لا فائدة منها، لكن لا بدَّ أن يكون لها فائدة إما لك وإما لغيرك من المخلوقات، ويكفي أنها زينة وجمال ومصدر للأكسوجين وربما كانت لها فوائد أنت لا تعرفها، تجد مثلاً من هذه الأشجار لها أزهار مختلفة الأشكال والألوان والروائح.
وهذا عالم آخر من الإبداع الجمالي في الطبيعة، ولهذه الألوان والروائح المختلفة حكمة لأنها تجذب الفراشات والحشرات التي تقوم بعملية التلقيح للمزروعات، ولكل فراشة أو حشرة مزاج في اللون وفي الرائحة.
لذلك لما انتشرت المبيدات الحشرية قلَّتْ هذه الظاهرة ولم نعُد نرى الأزهار في الحقول لماذا؟ لأن المبيدات قتلتْ الفراشات التي تقوم بمهمة التلقيح.
وحين تتأمل عملية التلقيح ذاتها تجد فيها آية من آيات الخَلْق وبديع صُنْع الله تعالى، فمن المزروعات ما نعرف كيفية تلقيحه كالنخيل مثلاً، ونعرف أن منه الذكر ومنه الأنثى، وهذا واضح في شكل الشجرة لكن شجرة المانجو مثلاً لا نعرف كيف تتم فيها عملية التلقيح؟
وحين ترى كل هذا الجمال في الخَلْق، عليك أنْ تذكر الخالق وتقول: تبارك الله أحسن الخالقين. وأجمل من الحُسْن مَنْ خلق الحُسْن.
وكلمة جَمِيعاً مِّنْهُ.. [الجاثية: ١٣] كلمة جميع من كلمات التوكيد، فهي تعني كل ما في السماوات وما في الأرض من الله بلا استثناء، فكل صغيرة وكل كبيرة من الذرَّة إلى المجرَّة من فضل الله، ما تعرفه وما لم يُحط به علمك.
وكلمة (مِنْهُ) قرأها بعضهم (منة) والمعنى لم يبعد عن المراد فهي من الله، وهي منة من الله.
وأنتم تعرفون أن القرآن أول ما جُمع جُمعَ بدون نقاط وبدون تشكيل اعتماداً على المَلَكة العربية في فهم المعاني واستنباطها، ويُروى أن حماداً الراوية كان لا يحفظ القرآن، فلما جاءوا له بالمصحف قرأ: عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ.. [الأعراف: ١٥٦] وبالسين يظل المعنى صحيحاً، لكن لفظ القرآن (أشاء).
وقرأ: صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة. فنطق الغين عيناً وهي نفس المعنى.
إذن: عطاء القرآن عطاء ممتد، ويستطيع المتذوّق للعربية أنْ يصلَ إلى معانيه وحكمه. لكن لما فسدتْ الملَكات اضطروا للنَّقْط والتشكيل ليتضح المعنى، مع أنهم كانوا زمان يعتبرون تشكيلَ الكتاب سُوءَ ظنٍّ بالمكتوب له، لأن في ذلك اتهاماً له بعدم الفهم.
ثم يقول سبحانه: إِنَّ فِي ذَلِكَ.. [الجاثية: ١٣] أي: في هذه المخلوقات المسخّرة لكم لأيَٰتٍ.. [الجاثية: ١٣] عجائب ودلائل لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الجاثية: ١٣].
إذن: هذه دعوة للإيمان، فالحق سبحانه يعرض علينا صنعته وإبداعه في الكون، ويدعونا أنْ نتأمل فيه، وأنْ نُعملَ فيه عقولنا، والصانع لا يفعل هذا بصنعته إلا إذا كان واثقاً من جودتها.
قلنا: لو أنك ذهبتَ إلى بائع القماش تشتري منه مثلاً بدلة صوف فتراه يعرض عليك أثوابَ القماش، ويُبيِّن لك جودتها، ثم يأخذ منها (فتلة) ويشعل فيها النار أمامك ليظهر لك حقيقة هذه الجودة، وهو لا يفعل ذلك إلا لثقته في بضاعته.
أما الآخر صاحب البضاعة الفاسدة المغشوشة (فيُدوّك) عليك ويُوهمك بالكلام والتدليس والزور، ولا يجرؤ أنْ يبينَ لك حقيقة ما عنده.
إذن: حينما يخاطبك ربك: اعقل، تدبَّر، تذكَّر، فهذا يعني أنك لو أعملتَ الفكر في هذه الآية لأوصلتْكَ إلى الحق وإلى مراده منك، لذلك يحذر الحق عباده من الإعراض عن الآيات وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف: ١٠٥].
ثم يقول الحق سبحانه:
قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ... .
كما قال سبحانه: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. [فصلت: ٥٣].
فأنت مثلاً حين تقرأ قوله تعالى في الفُلْك وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ [الرحمن: ٢٤] لا بد أنْ تُعمِلَ العقل وتسأل كما سألنا: متى عرف الناس السفن ذات الأدوار؟ فكلمة المنشآت تدل على البناء، وكالأعلام يعني: عالية ومرتفعة كالجبال، قالوا: عرف الإنسانُ السفنَ ذات الأدوار في أواخر القرن الثامن عشر، وكانت قبل ذلك عبارةً عن سطح لا شيءَ عليه.
فمَنْ أخبر سيدنا رسول الله بأن السفن سيكون منها منشآت كالأعلام، كذلك في قوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣].
والمعارج جمع معراج، وهو بلغة اليوم (الأسنسير) والحضارة الحديثة لم تعرف (الأسنسير) إلا في أواخر القرن العشرين، إذن: هذه مظاهر لإعجاز القرآن وصِدْقه وصِدْق المبلِّغ للقرآن، فصدق اللهُ وصدق رسوله.
وهذا يدلُّ على أن هذه المستحدثات موجودة في علمه تعالى ولها (ماكيت) قبل أنْ يصل إليها فكر البشر، والله يظهرها لعباده حسْب حاجتهم ومع مرور الزمن وتطور العلوم، وهذا معنى سَنُرِيهِمْ.. [فصلت: ٥٣].
قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. [الجاثية: ١٣] قلنا: كلٌّ من السماوات والأرض ظَرْف لأشياء كثيرة، منها ما نعلمه، ومنها ما لم نتوصل إليه حتى الآن، فالسماء ننظر إليها من جهة العلو، ولا نرى من مخلوقات الله فيها إلا الشمس والقمر والنجوم والسحاب، وهذا كله في السماء الدنيا.
لذلك قال سبحانه: وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ.. [فصلت: ١٢] أما السماوات السبع فشيء آخر لا نعرف عنه شيئاً، ويكفي أنْ تعرف أن بينك وبين الشمس ثمانيَ دقائق ضوئية، وهناك مخلوقات بينك وبينها مائة سنة ضوئية اضربها في ٣٦٥ يوماً في ٢٤ ساعة في ٦٠ دقيقة في سرعة الضوء.
إذن: فوقك عالم آخر فوق ما يتصوَّره عقلك، لذلك قال تعالى: وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات: ٤٧] بأيد، أي بقوة.
فيكفي أنْ تتأمل في مجال تسخير الكون لك أنْ تنظر إلى الشمس، وكيف سخَّرها الخالق لك فتعطيك النور والدفء والطاقة والأشعة المختلفة دون أنْ تبذل في سبيل ذلك شيئاً، ودون صيانة، ودون وقود، ودون أنْ تصلَ إليها أصلاً.
فهي تعمل في خدمتك منذ خلقها الله وإلى أنْ تقوم الساعة لا تحتاج منك إلى شيء، فقط عليك أنْ تستفيد منها، وأنْ تفكر في طبيعتها وكيفية استغلالها فيما ينفعك، ومثلها القمر يعطيك النور الحالم الهادئ، وبه نهتدي في ظلمة الليل: وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦].
والشمس والقمر خلقهما الله على هيئة الحركة، فهما متحركان منذ خلقهما الله وإلى قيام الساعة، يتحركان دون وقود وبلا طاقة بقانون العطالة كما قلنا، وهو أنْ يظلَّ المتحركُ متحركاً ما لم تُسكنه، ويظل الساكن ساكناً ما لم تحركه. وهذه الحركة قلنا بحساب دقيق محكم ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن: ٥].
والأرض كذلك ظرف لأشياء كثيرة وأجناس متعددة، ففيها الجماد وهو أدنى الأجناس، فإذا أضيفَ إليه النمو كان النبات، فإذا أضيف إليه الإحساسُ كان الحيوان، فإذا أضيف إليه العقل كان الإنسان وهو أعلى هذه الأجناس وأكرمها على الله.
لذلك سخَّر الله له كلّ هذه الأجناس وجعلها في خدمته، وجعله سيداً عليها وخليفة له في أرضه.
والحق سبحانه عندما تكلم عن الجماد قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ [فاطر: ٢٧] فقدَّم الثمار وهي من النبات قدَّمها على الجماد، لأننا لا نأكل الجماد وإنما نأكل النبات والثمار هي محصلته وما يهمني منه، وهي من مُقوِّمات الحياة.
ثم تكلم عن الجبال وهي مصدر الخيرات والثروات والمعادن والأحجار الكريمة؛ لذلك قال عنها في آية أخرى: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ١٠] أي: في الجبال.
وسبق أنْ بيَّنا أن الجبال هي مصادر القوت ومخازنه في الأرض، ذلك لأنها مصدر التربة الغنية الخِصْبة التي تنساب مع ماء المطر، وتنتشر في أنحاء الأرض فتزيد من خصوبتها: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر: ٢١].
فأجناس الخلق كلها فيها آيات، فالجماد انظر مثلاً إلى الجبال وما فيها من خيرات وألوان شتَّى فيها الرخام والجرانيت والمرمر وغيرها، والنبات ويمثل المصدر الأساسي للقوت، انظر مثلاً إلى النخلة العربية وقارنها بالنخلة الأفرنجي، فالنخلة عندنا مصدرٌ للقوت وننتفع بكل شيء فيها بحيث لا يُرمى منها شيء أبداً.
لذلك تجد لها درجاً يمكنك من الصعود عليها لتقليم جريدها أو جمع ثمارها، أما النخلة الأفرنجي فهي للزينة، لذلك تجدها ملساء يصعب الصعود عليها، هذا من حكمة الخلق ودقته، فتبارك الله أحسن الخالقين.
تأمل جريدة النخيل تجدها عريضة من أصلها ونحيفة رفيعة من طرفها، والورق فيها على عكس ذلك فهو مسطَّح منبسط من أعلى، ثم يأخذ (ينبرم) إلى أنْ يصيرَ شوكاً عند أصل الجريدة، القريب من الثمر، وذلك لأن هذه الأشواك تحمي الثمار من الفئران، ثم تأمل أن هذه الأشواك تنتهي عند أصل الجريدة، ولا تمتد إلى الشماريخ التي تحمل الثمار.
ثم تأمل الساق فهي في النخلة طويلة مستقيمة على خلاف الأشجار الأخرى تجدها قصيرة ومتفرعة، لأن الثمار عليها صغيرة يسهل حملُها على الفروع، أما ثمرة البطيخ مثلاً فهي على ساق رفيع لولبيٍّ يتمدد على الأرض، لأن الثمرة ثقيلة.
إذن: المسألة قدرة ليست (ميكانيكا)، وفي الأكل تأكل مثلاً قشرة المشمش وتترك اللبّ بعكس اللوز فتأكل اللب وتترك القشرة، هذه طلاقة قدرة وحكمة عالية للخالق عز وجل، ثمرة التين تأكلها كلها فليس لها قشرة، أما البرتقال أو اليوسفي فله قشرة، ثم تأمل اختلاف الألوان والطعوم في النباتات وهي تُسقى بماء واحد. وقُلْ: سبحان الخالق.
تأمل الأشجار تجد منها أشجاراً خضراء ليس لها ثمار وتظن أنها لا فائدة منها، لكن لا بدَّ أن يكون لها فائدة إما لك وإما لغيرك من المخلوقات، ويكفي أنها زينة وجمال ومصدر للأكسوجين وربما كانت لها فوائد أنت لا تعرفها، تجد مثلاً من هذه الأشجار لها أزهار مختلفة الأشكال والألوان والروائح.
وهذا عالم آخر من الإبداع الجمالي في الطبيعة، ولهذه الألوان والروائح المختلفة حكمة لأنها تجذب الفراشات والحشرات التي تقوم بعملية التلقيح للمزروعات، ولكل فراشة أو حشرة مزاج في اللون وفي الرائحة.
لذلك لما انتشرت المبيدات الحشرية قلَّتْ هذه الظاهرة ولم نعُد نرى الأزهار في الحقول لماذا؟ لأن المبيدات قتلتْ الفراشات التي تقوم بمهمة التلقيح.
وحين تتأمل عملية التلقيح ذاتها تجد فيها آية من آيات الخَلْق وبديع صُنْع الله تعالى، فمن المزروعات ما نعرف كيفية تلقيحه كالنخيل مثلاً، ونعرف أن منه الذكر ومنه الأنثى، وهذا واضح في شكل الشجرة لكن شجرة المانجو مثلاً لا نعرف كيف تتم فيها عملية التلقيح؟
وحين ترى كل هذا الجمال في الخَلْق، عليك أنْ تذكر الخالق وتقول: تبارك الله أحسن الخالقين. وأجمل من الحُسْن مَنْ خلق الحُسْن.
وكلمة جَمِيعاً مِّنْهُ.. [الجاثية: ١٣] كلمة جميع من كلمات التوكيد، فهي تعني كل ما في السماوات وما في الأرض من الله بلا استثناء، فكل صغيرة وكل كبيرة من الذرَّة إلى المجرَّة من فضل الله، ما تعرفه وما لم يُحط به علمك.
وكلمة (مِنْهُ) قرأها بعضهم (منة) والمعنى لم يبعد عن المراد فهي من الله، وهي منة من الله.
وأنتم تعرفون أن القرآن أول ما جُمع جُمعَ بدون نقاط وبدون تشكيل اعتماداً على المَلَكة العربية في فهم المعاني واستنباطها، ويُروى أن حماداً الراوية كان لا يحفظ القرآن، فلما جاءوا له بالمصحف قرأ: عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ.. [الأعراف: ١٥٦] وبالسين يظل المعنى صحيحاً، لكن لفظ القرآن (أشاء).
وقرأ: صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة. فنطق الغين عيناً وهي نفس المعنى.
إذن: عطاء القرآن عطاء ممتد، ويستطيع المتذوّق للعربية أنْ يصلَ إلى معانيه وحكمه. لكن لما فسدتْ الملَكات اضطروا للنَّقْط والتشكيل ليتضح المعنى، مع أنهم كانوا زمان يعتبرون تشكيلَ الكتاب سُوءَ ظنٍّ بالمكتوب له، لأن في ذلك اتهاماً له بعدم الفهم.
ثم يقول سبحانه: إِنَّ فِي ذَلِكَ.. [الجاثية: ١٣] أي: في هذه المخلوقات المسخّرة لكم لأيَٰتٍ.. [الجاثية: ١٣] عجائب ودلائل لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الجاثية: ١٣].
إذن: هذه دعوة للإيمان، فالحق سبحانه يعرض علينا صنعته وإبداعه في الكون، ويدعونا أنْ نتأمل فيه، وأنْ نُعملَ فيه عقولنا، والصانع لا يفعل هذا بصنعته إلا إذا كان واثقاً من جودتها.
قلنا: لو أنك ذهبتَ إلى بائع القماش تشتري منه مثلاً بدلة صوف فتراه يعرض عليك أثوابَ القماش، ويُبيِّن لك جودتها، ثم يأخذ منها (فتلة) ويشعل فيها النار أمامك ليظهر لك حقيقة هذه الجودة، وهو لا يفعل ذلك إلا لثقته في بضاعته.
أما الآخر صاحب البضاعة الفاسدة المغشوشة (فيُدوّك) عليك ويُوهمك بالكلام والتدليس والزور، ولا يجرؤ أنْ يبينَ لك حقيقة ما عنده.
إذن: حينما يخاطبك ربك: اعقل، تدبَّر، تذكَّر، فهذا يعني أنك لو أعملتَ الفكر في هذه الآية لأوصلتْكَ إلى الحق وإلى مراده منك، لذلك يحذر الحق عباده من الإعراض عن الآيات وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف: ١٠٥].
ثم يقول الحق سبحانه:
قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ... .
آية رقم ١٤
كلمة (قُلْ) دلَّتْ على دقَّة رسول الله في البلاغ عن الله، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يأتي بشيء من عند نفسه ولا يبلغ كلام الله بالمعنى إنما بالحرف، وإلا فقد كان بإمكانه في قوله تعالى: قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١] أنْ يقول للناس: الله أحد.
وأنت مثلاً حين ترسل ولدك إلى عمه وتقول له: قُلْ لعمِّك: أبي يريدك، فالولد يذهب ويقول لعمه: أبي يريدك، فالمعنى وصل بهذا اللفظ وتم التعبير عنه بدون قُلْ.
أما رسول الله فينطق بما نطق الله به، ولا يتدخل في نصِّ ما أُلقي إليه، كأنه يقول لنا: هذا الكلام ليس من عندي إنما هو كلام الله يبلغه كما سمعه.
والعجيب أنْ نسمع مَنْ ينادي بحذف هذه الكلمة من المصحف ويدَّعي أنها لا تضيف شيئاً للمعنى: ونقول له: يكفي أن الله نطق بها ونطق بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم إن لها مهمةً كما بيَّنا.
قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ.. [الجاثية: ١٤] أي: يصفحوا ويتجاوزوا ولا يؤاخذوهم على التفاهات ما دام أنها لا تتجاوز القول إلى الفعل.
لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ.. [الجاثية: ١٤] أي: الذين لا يخافون أيام الله ولا يعتبرون بها ولا يعملون لها حساباً، والرجاء نوع من الطلب، وفيه معنى تمنٍّ والطمع في حصول ما ترجوه، فالرجاء طلب الشيء المتوقَّع الحدوث.
والممكن على خلاف التمنِّي، وهو طلب المحال البعيد المنال، كما قال الشاعر:
أَلاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْماً فَأُخبرُه بمَا فَعَلَ المشيبُ
أما الرجاء فهو مظنة أنْ يتحقق، تقول: أرجو أنْ أُوفق أو أسافر.
ومعنى أَيَّامَ ٱللَّهِ.. [الجاثية: ١٤] كما نقول مثلاً أيام العرب يعني: وقائعهم والأحداث الكبار التي مرَّتْ بهم، فأيام الله يعني وقائعه بأعدائه، فأيام الله على المؤمنين نَصْره لهم وعلى الكافرين هزيمتهم، فهم لا يقفون عند هذه الأحداث ولا يتأملونها ولا يأخذون منها عبرةً ويمرُّون عليها مَرَّ الكرام أو مرورَ الغافل عن حكم الأشياء، وهؤلاء هم المنافقون.
ولهذه الآية قصة، ففي غزوة بني المصطلق كان هناك بئر يشربون منه اسمه المريسيع، وعلى هذا البئر اجتمع غلامٌ لعمر بن الخطاب وغلام لعبد الله بن أُبيٍّ رأس المنافقين، فغلام عمر منع الآخر، وقال: لا حتى أسقي لرسول الله أولاً، فقال الآخر: أفرغتَ؟ قال: لا، لا يزال دَلْو أبي بكر، ثم دَلْو عمر، قال: هذا لعلمه أنه منافق.
فأبطأ العبد على عبد الله بن أُبيٍّ فقال: ما أبطأك؟ قال: مولىً لعمر بن الخطاب فعل كذا وكذا، فهزّ رأسه هزَّة المنافق وقال: إنّا وإياهم كما قال القائل: سَمِّنْ كلبك يأكلك، قال هذه الكلمة ليشفى بها ما في صدره، ووصلتْ هذه الكلمة إلى عمر فأخذ سيفه وأراد أنْ يقتله فأنزل الله هذه الآية: قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ.. [الجاثية: ١٤].
نعم يغفرون لهم ويتجاوزون عن هذه الهفوات لأنها في حَيِّز القول ولم تصل إلى مستوى الأفعال، فإذا وصلتْ إلى الفعل كان لها شأنٌ آخر كما حدث في مسألة المرأة المسلمة في بني قَيْنقاع لما رفع واحد منهم ذيْلَ ثوبها إلى أعلى، فلما قامت انكشفتْ عورتها فكان لا بدَّ من قول يؤدبهم.
أما الكلام فلا بأسَ من التسامح فيه مع هؤلاء المنافقين، وحسبك في المنافق أنه يذل نفسه بالنفاق لأنه يفعل ما لا يعتقده ولا يؤمن به. ثم إن النفاق في حَدِّ ذاته دليلٌ على قوة الإيمان، حيث أصبح الإيمان قوةً تُنافَق، وهذه من عزة الإيمان وذلة النفاق.
ولذلك حكى القرآن قولهم: لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ.. [المنافقون: ٨] فصدَّق الله على قولهم أنْ يُخرج الأعز الأذل، لكن مَن الأعز ومَن الأذل؟ فقال سبحانه: وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.. [المنافقون: ٨].
يكفي أن هؤلاء المنافقين كانوا يقفون في الصلاة في الصف الأول ليَستروا بذلك نفاقهم، ففي داخلهم تناقض وتردد، وهذه ذلة أمام أنفسهم أولاً.
ورُوي أن فنحاص اليهودي لما نزل قوله تعالى: مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.. [البقرة: ٢٤٥] ضحك وقال: افتقر رب محمد ويطلب منا السلف، وهي كلمة شفى بها ما في صدره من غِلٍّ، ومع ذلك كانوا في كل معركة وفي كل صلاة في الصف الأول.
فالحق سبحانه وتعالى حين أمر المؤمنين أنْ يغفروا لهؤلاء المنافقين إنما ليُذلَّ المنافق أمام نفسه، لذلك أثار المستشرقون ضجة حول قوله تعالى: إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ.. [المنافقون: ١] فكيف يقول بعدها وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١].
ذلك لأن هناك فرقاً بين القول ومقول القول، فهم صادقون في مقول القول، وهو إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ.. [المنافقون: ١] لكنهم كاذبون في القول لأنهم منافقون.
فالحق سبحانه لم يُكذِّبهم في إنك رسول الله. إنما كذَّبهم في قولهم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ.. [المنافقون: ١] لأن الشهادة تعني موافقة القلب للسان، والمنافق قلبه في وَادٍ ولسانه في وادٍ آخر.
إذن: معنى أَيَّامَ ٱللَّهِ.. [الجاثية: ١٤] الأحداث المشهورة مثل يوم بدر وأُحُد والحديبية، وهذه الأيام فيها نصْر للمسلمين يُفرحهم ويُثلج صدورهم، وفيها هزيمة للكافرين تحزنهم وتكدر حياتهم، ومثلها الوقائع التي حدثت في الأمم المكذِّبة للرسل.
وهؤلاء المنافقون لا يخافون هذه الوقائع بمعنى لا يعتبرون بها، لذلك لم تصرفهم عن اللدد والجدال والعناد، وهذه المسألة شرحها الحق سبحانه في قوله: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا.. [العنكبوت: ٤٠].
وقوله سبحانه: لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الجاثية: ١٤] فكأن الحق سبحانه يقول لنبيه: اتركهم لي. إذن: الأمر بالمغفرة لهؤلاء ليس إكراماً لهم ولا رحمةً بهم إنما ليُوقع بهم عذاباً أكبر وأشدّ، وليتولى الحق سبحانه تأديبهم بقوته سبحانه.
إذن: خلوا ساحتهم لانتقام الله منهم، لأنهم في واقع الأمر لا يقفون ضدكم، إنما يقفون ضد الحق سبحانه.
ثم إن المغفرة لها أصولٌ ولها حدودٌ، فأنت تغفر لمن أساء وتغفر وتغفر، ولا تجد في المقابل إلا اللدد والجحود، وعندها لا بدَّ أنْ تتحول من الحلم إلى الجهل فهو أنفع وأنسب في هذا الموقف.
وقد فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى: فقال:
مِنَ الحِلْم أنْ تستعملَ الجَهْل دُونَهُ إذَا اتسَعتْ في الحِلْم طُرْقُ المظالم
وقال الآخر:
صَفَحْنا عَنْ بَني ذُهْلٍ وقُلْنَا القَوْمُ إخْوانُ
عَسَى الأيامُ أنْ يرجعْنَ قوْماً كالذي كَانُوا
فلمّا صرّح الشرّ وَأَمْسَى وهْوَ عرْيانُ
مشيْنا مِشْيةَ الليْثِ غَدَا وَالليْثُ غضبانُ
بضربٍ فيه تَوْهِينٌ وإضعافٌ وإقرانُ
وطعْنٍ كفم الزِّقِّ غَدَا والزِّقُّ مَلآنُ
وبعْضُ الحِلْم عِنْدَ الجَهْل لِلذلَّة إذْعَانُ
وفي الشرِّ نجاةٌ حينَ لا يُنجيكَ إحسَانُ
وقوله تعالى بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الجاثية: ١٤] سبق أنْ أوضحنا أن كسب تُقال في الخير واكتسب للشر، لأن فيها افتعالاً، فالخير يأتي من فاعله طبيعياً لا تكلّف فيه والكسب في اللغة هو الزيادة في ثمن البيع عن ثمن الشراء، وهذا أمر محمود.
لكن قد يتعود المرء المعصية ويألفها، ولا يأنف من ارتكابها، وربما تباهي بها فتصير في حقه كسباً فيفعل المعصية كما تفعل أنت الطاعة، يعني لا يندم على فعلها ولا تُؤنبه نفسه عليها، فكأن هؤلاء يعتبرون المعصية كسباً يفرحون به، لذلك قال: بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الجاثية: ١٤] ولم يقُل: يكتسبون.
إذن: أمر الحق سبحانه المؤمنين أنْ يغفروا الزَلَّة الخفيفة دفعاً بالتي هي أحسن لعل المقابل يرتدع، قال تعالى: ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤].
فالشارع الحكيم يحرص كل الحرص على الإبقاء على الروابط بين الناس، حتى في أعنف معارك العداوة وهي القتل تراه يبيح القصاص وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ.. [البقرة: ١٧٩].
وفي ذات الوقت يدعو إلى العفو: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ.. [البقرة: ١٧٨] تأمل كلمة (أخيه) هنا، فرغم العداوة هم إخوة: فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ.. [البقرة: ١٧٨].
وكثيراً ما نسمع مَنْ يقول: دفعتُ بالتي هي أحسن ولم أجد النتيجة التي أخبر الله بها، نقول له: أنت في الواقع لم تدفع بالتي هي أحسن لأنك لو فعلتَ لوجدتَ الجواب كما أخبر الله، لكنك تخيلت أنك دفعتَ بالتي هي أحسن وجعلتها تجربة مع الله، والتجربة مع الله شكّ.
ثم يرتقي الحق سبحانه بالنفس الإنسانية إلى مرتبة أعلى من الغفر، لأنك قد تغفر لمن أساء إليك، لكن يبقى في نفسك منه شيء فيدعوك إلى أنْ تتخلص من آثار الإساءة ثم ينقلك إلى مرتبة أعلى، وهي أنْ تحسن لمن أساء إليك: وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٣٤].
وقد سُئل الحسن البصري فقال: لأن الذي يسيئ إليك يجعل ربك في جانبك، والذي يجعل ربي في جانبي يستحق أنْ يُكافأ، ثم هو بعد ذلك نقل إليَّ حسناته.
لذلك الرجل الصوفي لمَّا بلغه أن رجلاً سبّه في مجلس أرسل إليه هدية طبقاً من الرطب وقال لخادمه: اذهب به إلى فلان وقُل له: سيدي يُهديك هذا لأنك أهديتَ إليه حسناته بالأمس.
ونحن نرى في واقع حياتنا العملية حينما يضرب أحدُ الأولاد أخاه تجد الوالد يعطف على المضروب و (يطبطب) عليه وينهر الضارب ويُؤنِّبه، فكأن الضرب جاء في مصلحة المضروب.
إذن: الحق سبحانه يريد أنْ يُحنِّن الخلق بعضهم على بعض، ومعنى ذلك أن الحياة تُبنى على المودة والمحبة لا على البغضاء والشحناء، تُبنى على التساند ولا على التعاند.
لذلك العلماء لما عالجوا هذه المسألة جعلوا المصيبة التي تصيب المرء على قسمين: مصيبة تصيبك ولك فيها خصمٌ، ومصيبة ليس لك فيها خصم، الأولى يتسبّب فيها شخص فتأخذه خصماً لك، وهذه تكون أشد على النفس لأنها تدعوك إلى الانتقام.
والأخرى هي التي تكون من الله لا دخلَ لإنسان فيها، وهذه أهون وأخفّ على النفس حيث لا خصم فيها، فالخصم من شأنه أنْ يحرِّك في نفسك نوازع الانتقام كلما رأيته.
لذلك جاء في وصية لقمان لولده: وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [لقمان: ١٧] والمراد هنا المصيبة تصيبك من الله، لذلك لم يأت أمر بالمغفرة والتسامح، وحينما يتكلم عن المصيبة تصيبك من البشر يقول: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ.. [الشورى: ٤٣] أي: غفر للخصم. إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [الشورى: ٤٣] فزاد هنا التأكيد باللام في لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [الشورى: ٤٣] لأن الصبر في هذه الحالة أشقّ، ويحتاج إلى مجهود ومجاهدة أكثر من الأولى.
وقوله تعالى في آخر الآية: لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الجاثية: ١٤] دلَّ على عدالة الجزاء، وأنه من جنس العمل، وقد أوضح الحق سبحانه هذه المسألة في الآية بعدها:
مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ... .
وأنت مثلاً حين ترسل ولدك إلى عمه وتقول له: قُلْ لعمِّك: أبي يريدك، فالولد يذهب ويقول لعمه: أبي يريدك، فالمعنى وصل بهذا اللفظ وتم التعبير عنه بدون قُلْ.
أما رسول الله فينطق بما نطق الله به، ولا يتدخل في نصِّ ما أُلقي إليه، كأنه يقول لنا: هذا الكلام ليس من عندي إنما هو كلام الله يبلغه كما سمعه.
والعجيب أنْ نسمع مَنْ ينادي بحذف هذه الكلمة من المصحف ويدَّعي أنها لا تضيف شيئاً للمعنى: ونقول له: يكفي أن الله نطق بها ونطق بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم إن لها مهمةً كما بيَّنا.
قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ.. [الجاثية: ١٤] أي: يصفحوا ويتجاوزوا ولا يؤاخذوهم على التفاهات ما دام أنها لا تتجاوز القول إلى الفعل.
لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ.. [الجاثية: ١٤] أي: الذين لا يخافون أيام الله ولا يعتبرون بها ولا يعملون لها حساباً، والرجاء نوع من الطلب، وفيه معنى تمنٍّ والطمع في حصول ما ترجوه، فالرجاء طلب الشيء المتوقَّع الحدوث.
والممكن على خلاف التمنِّي، وهو طلب المحال البعيد المنال، كما قال الشاعر:
أَلاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْماً فَأُخبرُه بمَا فَعَلَ المشيبُ
أما الرجاء فهو مظنة أنْ يتحقق، تقول: أرجو أنْ أُوفق أو أسافر.
ومعنى أَيَّامَ ٱللَّهِ.. [الجاثية: ١٤] كما نقول مثلاً أيام العرب يعني: وقائعهم والأحداث الكبار التي مرَّتْ بهم، فأيام الله يعني وقائعه بأعدائه، فأيام الله على المؤمنين نَصْره لهم وعلى الكافرين هزيمتهم، فهم لا يقفون عند هذه الأحداث ولا يتأملونها ولا يأخذون منها عبرةً ويمرُّون عليها مَرَّ الكرام أو مرورَ الغافل عن حكم الأشياء، وهؤلاء هم المنافقون.
ولهذه الآية قصة، ففي غزوة بني المصطلق كان هناك بئر يشربون منه اسمه المريسيع، وعلى هذا البئر اجتمع غلامٌ لعمر بن الخطاب وغلام لعبد الله بن أُبيٍّ رأس المنافقين، فغلام عمر منع الآخر، وقال: لا حتى أسقي لرسول الله أولاً، فقال الآخر: أفرغتَ؟ قال: لا، لا يزال دَلْو أبي بكر، ثم دَلْو عمر، قال: هذا لعلمه أنه منافق.
فأبطأ العبد على عبد الله بن أُبيٍّ فقال: ما أبطأك؟ قال: مولىً لعمر بن الخطاب فعل كذا وكذا، فهزّ رأسه هزَّة المنافق وقال: إنّا وإياهم كما قال القائل: سَمِّنْ كلبك يأكلك، قال هذه الكلمة ليشفى بها ما في صدره، ووصلتْ هذه الكلمة إلى عمر فأخذ سيفه وأراد أنْ يقتله فأنزل الله هذه الآية: قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ.. [الجاثية: ١٤].
نعم يغفرون لهم ويتجاوزون عن هذه الهفوات لأنها في حَيِّز القول ولم تصل إلى مستوى الأفعال، فإذا وصلتْ إلى الفعل كان لها شأنٌ آخر كما حدث في مسألة المرأة المسلمة في بني قَيْنقاع لما رفع واحد منهم ذيْلَ ثوبها إلى أعلى، فلما قامت انكشفتْ عورتها فكان لا بدَّ من قول يؤدبهم.
أما الكلام فلا بأسَ من التسامح فيه مع هؤلاء المنافقين، وحسبك في المنافق أنه يذل نفسه بالنفاق لأنه يفعل ما لا يعتقده ولا يؤمن به. ثم إن النفاق في حَدِّ ذاته دليلٌ على قوة الإيمان، حيث أصبح الإيمان قوةً تُنافَق، وهذه من عزة الإيمان وذلة النفاق.
ولذلك حكى القرآن قولهم: لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ.. [المنافقون: ٨] فصدَّق الله على قولهم أنْ يُخرج الأعز الأذل، لكن مَن الأعز ومَن الأذل؟ فقال سبحانه: وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.. [المنافقون: ٨].
يكفي أن هؤلاء المنافقين كانوا يقفون في الصلاة في الصف الأول ليَستروا بذلك نفاقهم، ففي داخلهم تناقض وتردد، وهذه ذلة أمام أنفسهم أولاً.
ورُوي أن فنحاص اليهودي لما نزل قوله تعالى: مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.. [البقرة: ٢٤٥] ضحك وقال: افتقر رب محمد ويطلب منا السلف، وهي كلمة شفى بها ما في صدره من غِلٍّ، ومع ذلك كانوا في كل معركة وفي كل صلاة في الصف الأول.
فالحق سبحانه وتعالى حين أمر المؤمنين أنْ يغفروا لهؤلاء المنافقين إنما ليُذلَّ المنافق أمام نفسه، لذلك أثار المستشرقون ضجة حول قوله تعالى: إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ.. [المنافقون: ١] فكيف يقول بعدها وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١].
ذلك لأن هناك فرقاً بين القول ومقول القول، فهم صادقون في مقول القول، وهو إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ.. [المنافقون: ١] لكنهم كاذبون في القول لأنهم منافقون.
فالحق سبحانه لم يُكذِّبهم في إنك رسول الله. إنما كذَّبهم في قولهم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ.. [المنافقون: ١] لأن الشهادة تعني موافقة القلب للسان، والمنافق قلبه في وَادٍ ولسانه في وادٍ آخر.
إذن: معنى أَيَّامَ ٱللَّهِ.. [الجاثية: ١٤] الأحداث المشهورة مثل يوم بدر وأُحُد والحديبية، وهذه الأيام فيها نصْر للمسلمين يُفرحهم ويُثلج صدورهم، وفيها هزيمة للكافرين تحزنهم وتكدر حياتهم، ومثلها الوقائع التي حدثت في الأمم المكذِّبة للرسل.
وهؤلاء المنافقون لا يخافون هذه الوقائع بمعنى لا يعتبرون بها، لذلك لم تصرفهم عن اللدد والجدال والعناد، وهذه المسألة شرحها الحق سبحانه في قوله: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا.. [العنكبوت: ٤٠].
وقوله سبحانه: لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الجاثية: ١٤] فكأن الحق سبحانه يقول لنبيه: اتركهم لي. إذن: الأمر بالمغفرة لهؤلاء ليس إكراماً لهم ولا رحمةً بهم إنما ليُوقع بهم عذاباً أكبر وأشدّ، وليتولى الحق سبحانه تأديبهم بقوته سبحانه.
إذن: خلوا ساحتهم لانتقام الله منهم، لأنهم في واقع الأمر لا يقفون ضدكم، إنما يقفون ضد الحق سبحانه.
ثم إن المغفرة لها أصولٌ ولها حدودٌ، فأنت تغفر لمن أساء وتغفر وتغفر، ولا تجد في المقابل إلا اللدد والجحود، وعندها لا بدَّ أنْ تتحول من الحلم إلى الجهل فهو أنفع وأنسب في هذا الموقف.
وقد فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى: فقال:
مِنَ الحِلْم أنْ تستعملَ الجَهْل دُونَهُ إذَا اتسَعتْ في الحِلْم طُرْقُ المظالم
وقال الآخر:
صَفَحْنا عَنْ بَني ذُهْلٍ وقُلْنَا القَوْمُ إخْوانُ
عَسَى الأيامُ أنْ يرجعْنَ قوْماً كالذي كَانُوا
فلمّا صرّح الشرّ وَأَمْسَى وهْوَ عرْيانُ
مشيْنا مِشْيةَ الليْثِ غَدَا وَالليْثُ غضبانُ
بضربٍ فيه تَوْهِينٌ وإضعافٌ وإقرانُ
وطعْنٍ كفم الزِّقِّ غَدَا والزِّقُّ مَلآنُ
وبعْضُ الحِلْم عِنْدَ الجَهْل لِلذلَّة إذْعَانُ
وفي الشرِّ نجاةٌ حينَ لا يُنجيكَ إحسَانُ
وقوله تعالى بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الجاثية: ١٤] سبق أنْ أوضحنا أن كسب تُقال في الخير واكتسب للشر، لأن فيها افتعالاً، فالخير يأتي من فاعله طبيعياً لا تكلّف فيه والكسب في اللغة هو الزيادة في ثمن البيع عن ثمن الشراء، وهذا أمر محمود.
لكن قد يتعود المرء المعصية ويألفها، ولا يأنف من ارتكابها، وربما تباهي بها فتصير في حقه كسباً فيفعل المعصية كما تفعل أنت الطاعة، يعني لا يندم على فعلها ولا تُؤنبه نفسه عليها، فكأن هؤلاء يعتبرون المعصية كسباً يفرحون به، لذلك قال: بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الجاثية: ١٤] ولم يقُل: يكتسبون.
إذن: أمر الحق سبحانه المؤمنين أنْ يغفروا الزَلَّة الخفيفة دفعاً بالتي هي أحسن لعل المقابل يرتدع، قال تعالى: ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤].
فالشارع الحكيم يحرص كل الحرص على الإبقاء على الروابط بين الناس، حتى في أعنف معارك العداوة وهي القتل تراه يبيح القصاص وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ.. [البقرة: ١٧٩].
وفي ذات الوقت يدعو إلى العفو: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ.. [البقرة: ١٧٨] تأمل كلمة (أخيه) هنا، فرغم العداوة هم إخوة: فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ.. [البقرة: ١٧٨].
وكثيراً ما نسمع مَنْ يقول: دفعتُ بالتي هي أحسن ولم أجد النتيجة التي أخبر الله بها، نقول له: أنت في الواقع لم تدفع بالتي هي أحسن لأنك لو فعلتَ لوجدتَ الجواب كما أخبر الله، لكنك تخيلت أنك دفعتَ بالتي هي أحسن وجعلتها تجربة مع الله، والتجربة مع الله شكّ.
ثم يرتقي الحق سبحانه بالنفس الإنسانية إلى مرتبة أعلى من الغفر، لأنك قد تغفر لمن أساء إليك، لكن يبقى في نفسك منه شيء فيدعوك إلى أنْ تتخلص من آثار الإساءة ثم ينقلك إلى مرتبة أعلى، وهي أنْ تحسن لمن أساء إليك: وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٣٤].
وقد سُئل الحسن البصري فقال: لأن الذي يسيئ إليك يجعل ربك في جانبك، والذي يجعل ربي في جانبي يستحق أنْ يُكافأ، ثم هو بعد ذلك نقل إليَّ حسناته.
لذلك الرجل الصوفي لمَّا بلغه أن رجلاً سبّه في مجلس أرسل إليه هدية طبقاً من الرطب وقال لخادمه: اذهب به إلى فلان وقُل له: سيدي يُهديك هذا لأنك أهديتَ إليه حسناته بالأمس.
ونحن نرى في واقع حياتنا العملية حينما يضرب أحدُ الأولاد أخاه تجد الوالد يعطف على المضروب و (يطبطب) عليه وينهر الضارب ويُؤنِّبه، فكأن الضرب جاء في مصلحة المضروب.
إذن: الحق سبحانه يريد أنْ يُحنِّن الخلق بعضهم على بعض، ومعنى ذلك أن الحياة تُبنى على المودة والمحبة لا على البغضاء والشحناء، تُبنى على التساند ولا على التعاند.
لذلك العلماء لما عالجوا هذه المسألة جعلوا المصيبة التي تصيب المرء على قسمين: مصيبة تصيبك ولك فيها خصمٌ، ومصيبة ليس لك فيها خصم، الأولى يتسبّب فيها شخص فتأخذه خصماً لك، وهذه تكون أشد على النفس لأنها تدعوك إلى الانتقام.
والأخرى هي التي تكون من الله لا دخلَ لإنسان فيها، وهذه أهون وأخفّ على النفس حيث لا خصم فيها، فالخصم من شأنه أنْ يحرِّك في نفسك نوازع الانتقام كلما رأيته.
لذلك جاء في وصية لقمان لولده: وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [لقمان: ١٧] والمراد هنا المصيبة تصيبك من الله، لذلك لم يأت أمر بالمغفرة والتسامح، وحينما يتكلم عن المصيبة تصيبك من البشر يقول: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ.. [الشورى: ٤٣] أي: غفر للخصم. إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [الشورى: ٤٣] فزاد هنا التأكيد باللام في لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [الشورى: ٤٣] لأن الصبر في هذه الحالة أشقّ، ويحتاج إلى مجهود ومجاهدة أكثر من الأولى.
وقوله تعالى في آخر الآية: لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الجاثية: ١٤] دلَّ على عدالة الجزاء، وأنه من جنس العمل، وقد أوضح الحق سبحانه هذه المسألة في الآية بعدها:
مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ... .
آية رقم ١٥
فتأمل فَلِنَفْسِهِ.. [الجاثية: ١٥] في العمل الصالح وعليها في الإساءة ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [الجاثية: ١٥] فكأن الجزاء السابق له وعليه قبل الرجوع إلى الله في الآخرة.
نعم هذا في الدنيا ليعتدلَ ميزانُ حركة الحياة، لأن الجزاء كله لو أُخِّر إلى الآخرة لاستسهل الناسُ الذنبَ، وهان عليهم الوقوع فيه فاستشرى الباطل وزاد الشر.
لذلك لا بدّ من حدوث شيء من العقاب الدنيوي لتستقيم الأمور؛ لذلك يقول تعالى: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ.. [الطور: ٤٧].
وقال عن عذاب أهل النار: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ.. [السجدة: ٢١] يعني: القريب في الدنيا دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة: ٢١] أي: في الآخرة.
وهذا المبدأ واضح في سورة الكهف في قول ذي القرنين: أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً [الكهف: ٨٧].
نعم هذا في الدنيا ليعتدلَ ميزانُ حركة الحياة، لأن الجزاء كله لو أُخِّر إلى الآخرة لاستسهل الناسُ الذنبَ، وهان عليهم الوقوع فيه فاستشرى الباطل وزاد الشر.
لذلك لا بدّ من حدوث شيء من العقاب الدنيوي لتستقيم الأمور؛ لذلك يقول تعالى: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ.. [الطور: ٤٧].
وقال عن عذاب أهل النار: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ.. [السجدة: ٢١] يعني: القريب في الدنيا دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة: ٢١] أي: في الآخرة.
وهذا المبدأ واضح في سورة الكهف في قول ذي القرنين: أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً [الكهف: ٨٧].
آية رقم ١٦
هذه تسلية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت عانى فيه أشد المعاناة من المعاصرين له من صناديد الكفر عناداً وجحوداً واستكباراً وإيذاءً بالقول وبالفعل وبالمكر والتآمر، فلم يتركوا شيئاً يؤذي رسول الله إلا فعلوه.
لذلك يُسلِّيه ربه يقول له: لستَ بدْعاً في ذلك، فقد واجه إخوانك الأنبياء السابقون مثل هذا العنت والتكذيب، فخُذْ من تاريخ الدعوة قبلك سَلْوى، لأنك جئتهم بالحق وهم يريدون الباطل، فلا بدَّ أنْ يصادموك.
يقول تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ.. [الجاثية: ١٦] أي: التوراة كما أنزل عليك القرآن وَٱلْحُكْمَ.. [الجاثية: ١٦] أي: مقاييس العدل التي بها تستقيم أمور الخلق.
والحكم في بني إسرائيل مثل السُّنة عندنا مثلاً؛ لذلك خاطب الحق سبحانه نساء النبي بقوله: وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ.. [الأحزاب: ٣٤] أي: القرآن وَٱلْحِكْـمَةِ أي: أحاديث رسول الله.
وَٱلنُّبُوَّةَ.. [الجاثية: ١٦] حيث جعل الحق سبحانه النبوة في بني إسرائيل أكثر من أيِّ أمة أخرى، حتى إنهم ليفتخرون على باقي الأمم بهذه المسألة، والواقع أنها ليستْ مجالاً للفخر بل دلتْ على عيب فيهم ومأخذ يُؤخذ عليهم، لأن كثرة الأنبياء تدل على فساد الخلق، فالأمة لا تحتاج إلى رسول جديد إلا إذا استشرى فيها الفساد.
إذن: كثرة الأنبياء دلتْ دلتْ على كثرة الفساد فيهم. إذن: كثرة الأنبياء فيهم ليست شهادة لهم، بل عليهم، لذلك وجدناهم يكثرون من قتْل الأنبياء بما لم يحدث في أي أمة أخرى، لذلك وجدناهم يتآمرون لقتل محمد هو الآخر لكن هيهات.
الحق سبحانه وتعالى بيَّن لهم أن هذه المسألة خاصة بكم أنتم ومقتصرة على أنبيائكم فقط فحبسها عليهم، فقال تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ.. [البقرة: ٩١] يعني: هذا الكلام كان زمان، أما الآن فلا ولن تتمكنوا منه أبداً.
وقوله تعالى: وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ.. [الجاثية: ١٦] ومن هذه الطيبات المنّ والسّلْوى التي أنزلها الله عليهم في فترة التيه، حيث لا استقرار ولا أرض تُزرع، فأنزل الله عليهم المنّ وهو سائلٌ يشبه العسل ينزل على أوراق الشجر حبيبات شفافة تتساقط في الصباح، طعمه حلو كأنه خليط من العسل والقشدة.
أما السلوى فهو طائر مهاجر مثل السمان ويتوافر فيه البروتين، إذن: من المن والسلوى أعطاهم الغذاء الكامل، ومع ذلك غلبت عليهم ماديتهم، وأرادوا أنْ يأكلوا مما تحت أيديهم مما تُخرج الأرض، يقولون إن هذا الطعام الجاهز قد لا يأتي، فقد لا ينزل المنّ ولا يأتيهم السلوى.
لذلك قالوا لموسى: لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا.. [البقرة: ٦١].
بل وصلتْ بهم مادّيتهم إلى أن طلبوا من موسى عليه السلام رؤية الحق سبحانه فقالوا: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً.. [البقرة: ٥٥].
وقوله سبحانه: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ [الجاثية: ١٦] قالوا: عالَمِي زمانهم، ليست على إطلاقها، لأن بني إسرائيل عاشوا في زمن ساد فيه الكفر والوثنية، وكانوا هم أهلَ كتاب يؤمنون بالله، فكانوا هم أفضلَ ممَّنْ عاصرهم.
لذلك يُسلِّيه ربه يقول له: لستَ بدْعاً في ذلك، فقد واجه إخوانك الأنبياء السابقون مثل هذا العنت والتكذيب، فخُذْ من تاريخ الدعوة قبلك سَلْوى، لأنك جئتهم بالحق وهم يريدون الباطل، فلا بدَّ أنْ يصادموك.
يقول تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ.. [الجاثية: ١٦] أي: التوراة كما أنزل عليك القرآن وَٱلْحُكْمَ.. [الجاثية: ١٦] أي: مقاييس العدل التي بها تستقيم أمور الخلق.
والحكم في بني إسرائيل مثل السُّنة عندنا مثلاً؛ لذلك خاطب الحق سبحانه نساء النبي بقوله: وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ.. [الأحزاب: ٣٤] أي: القرآن وَٱلْحِكْـمَةِ أي: أحاديث رسول الله.
وَٱلنُّبُوَّةَ.. [الجاثية: ١٦] حيث جعل الحق سبحانه النبوة في بني إسرائيل أكثر من أيِّ أمة أخرى، حتى إنهم ليفتخرون على باقي الأمم بهذه المسألة، والواقع أنها ليستْ مجالاً للفخر بل دلتْ على عيب فيهم ومأخذ يُؤخذ عليهم، لأن كثرة الأنبياء تدل على فساد الخلق، فالأمة لا تحتاج إلى رسول جديد إلا إذا استشرى فيها الفساد.
إذن: كثرة الأنبياء دلتْ دلتْ على كثرة الفساد فيهم. إذن: كثرة الأنبياء فيهم ليست شهادة لهم، بل عليهم، لذلك وجدناهم يكثرون من قتْل الأنبياء بما لم يحدث في أي أمة أخرى، لذلك وجدناهم يتآمرون لقتل محمد هو الآخر لكن هيهات.
الحق سبحانه وتعالى بيَّن لهم أن هذه المسألة خاصة بكم أنتم ومقتصرة على أنبيائكم فقط فحبسها عليهم، فقال تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ.. [البقرة: ٩١] يعني: هذا الكلام كان زمان، أما الآن فلا ولن تتمكنوا منه أبداً.
وقوله تعالى: وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ.. [الجاثية: ١٦] ومن هذه الطيبات المنّ والسّلْوى التي أنزلها الله عليهم في فترة التيه، حيث لا استقرار ولا أرض تُزرع، فأنزل الله عليهم المنّ وهو سائلٌ يشبه العسل ينزل على أوراق الشجر حبيبات شفافة تتساقط في الصباح، طعمه حلو كأنه خليط من العسل والقشدة.
أما السلوى فهو طائر مهاجر مثل السمان ويتوافر فيه البروتين، إذن: من المن والسلوى أعطاهم الغذاء الكامل، ومع ذلك غلبت عليهم ماديتهم، وأرادوا أنْ يأكلوا مما تحت أيديهم مما تُخرج الأرض، يقولون إن هذا الطعام الجاهز قد لا يأتي، فقد لا ينزل المنّ ولا يأتيهم السلوى.
لذلك قالوا لموسى: لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا.. [البقرة: ٦١].
بل وصلتْ بهم مادّيتهم إلى أن طلبوا من موسى عليه السلام رؤية الحق سبحانه فقالوا: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً.. [البقرة: ٥٥].
وقوله سبحانه: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ [الجاثية: ١٦] قالوا: عالَمِي زمانهم، ليست على إطلاقها، لأن بني إسرائيل عاشوا في زمن ساد فيه الكفر والوثنية، وكانوا هم أهلَ كتاب يؤمنون بالله، فكانوا هم أفضلَ ممَّنْ عاصرهم.
آية رقم ١٧
قد يسأل سائل: ما مناسبة هذا الحديث عن اليهود هنا؟
قالوا: يريد الحق سبحانه أنْ يقول: اذكر يا محمد أن أمتك قريش وغيرها عندهم شيء من طباع اليهود، وفعلوا كثيراً من أفعالهم، فأنزلَ الله بهم مثل ما أنزل بسابقيهم.
قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.. [العنكبوت: ٦٧].
فكان أيّ واحد يخرج فقط عن مكة يخطفونه ويغتالونه ويأخذون ماله ومتاعه، لكن أهل مكة لم يجرؤوا على هذا لمكانتهم من البيت، وحرصاً على سلامة قوافلهم التجارية التي تسافر بين اليمن والشام وتمر بمعظم القبائل.
ثم إن خدمة قريش للبيت وزواره أمَّنت تجارتهم وحمتْ قوافلهم، ولم لا وهم يستقبلون عندهم في مكة ضيوفَ الرحمن ويقومون على خدمتهم.
لذلك نجد أن هذه المسألة هي الرابط بين سورة الفيل وسورة قريش، اقرأ: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ [الفيل: ١-٥].
فلو قلت: لماذا ردّ الله أصحابَ الفيل وجعلهم كعصف مأكول نجد الجواب في أول سورة قريش: لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ [قريش: ١-٢] فلو هُدم البيت لهدمتْ معه مكانة قريش، ولضاعت مهابتها من قلوب أهل الجزيرة العربية، فلم يتمكَّنوا من رحلة الشتاء والصيف.
فكأن الحق سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: أنا عملتُ مع هؤلاء كذا وكذا، ودافعتُ عنهم، وجعلتُ لهم مكانة ومنزلة، ومع ذلك يقفون من دعوتك موقفَ العداء، لأنك ستسلبهم السيادة المتجبرة والسيادة الطاغية التي اعتادوا عليها.
فقوله تعالى: وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ.. [الجاثية: ١٧] أي: دلائل وعلامات في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فما ذهب اليهود إلى مدينة رسول الله إلا لعلمهم بقدومه، وعلمهم بصفاته وبزمن بعثته، وكانوا يفتخرون بقدومه ويستفتحون به على الكفار والوثنيين.
يقولون: لقد أظلَّ زمانُ نبيٍّ من العرب، سنتبعه ونقتلكم به قتلَ عاد وإرم، فلما بُعث رسول الله صادموه وكفروا بدعوته، كما قال تعالى: وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ.. [البقرة: ٨٩].
وقال تعالى عن معرفتهم لرسول الله: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ.. [الأنعام: ٢٠].
لذلك رأينا عبد الله بن سلام وهو أحد أحبار اليهود، يقول: والله لقد عرفتُه حين رأيته كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشدّ، ومع هذه المعرفة أنكروا رسالته وكفروا به، وأغفلوا ما عندهم من علاماته ودلائل نبوته. وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً.. [النمل: ١٤].
لذلك لما هدى اللهُ عبد الله بن سلام للإسلام ذهب إلى سيدنا رسول الله وقال له: يا رسول الله لقد شرح الله صدري للإسلام لكني أخشى إنْ أسلمت أنْ يذمني اليهود ويتهموني عندما يعلمون ذلك؛ فاسألهم عني يا رسول الله قبل أنْ يعلموا بإسلامي.
وفعلاً سألهم رسول الله: ماذا تقولون في ابن سلام؟ فقالوا: هو سيدنا وابن سيدنا وحَبْرنا وابن حَبْرنا، وعندها نطق عبد الله بن سلام بالشهادتين وقال: أشهد أنْ لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقالوا: بل هو كذا وكذا وأخذوا يسبُّونه ويشتمونه، فقال عبد الله: ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بُهْت؟
ومن العجيب أن كفار مكة حين سألوا اليهود: أنحن أهدى أم محمد؟ قالوا: بل أنتم أهدى من محمد، كل هذا لأن لهم سلطة زمنية يريدون الاحتفاظ بها، وقبل أنْ يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا يُعدون ابن أبيّ ليكون ملكاً عليهم، وقد جهزوا له تاج الملْك، لكن سبقه رسول الله، وما إنْ وصل إلى قباء واستقبله أهل المدينة لم يجدوا مجالاً لذلك، وظل ابن أبيّ يكظمها في قلبه إلى أنْ مات.
وقوله: فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ.. [الجاثية: ١٧] أي: في رسول الله إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ.. [الجاثية: ١٧] برسول الله بَغْياً بَيْنَهُمْ.. [الجاثية: ١٧] لأن بعضهم صدَّق برسول الله وأسلم، وبعضهم كذَّبه وأنكره.
وكان منهم مَنْ أثنى عليه رسول الله، فقال: نِعْمَ اليهود (مخيريق) وهو رجل شرح الله صدره للإسلام، وصادف ذلك خروج الرسول لغزوة من الغزوات فخرج مع رسول الله، ووهب له كلَّ ما يملك دون أنْ يعلن عن ذلك، وفي هذه الغزوة قُتِل (مخيريق) دون أنْ يصلي لله ركعة.
وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الجاثية: ١٧] أي: في قضية الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالوا: يريد الحق سبحانه أنْ يقول: اذكر يا محمد أن أمتك قريش وغيرها عندهم شيء من طباع اليهود، وفعلوا كثيراً من أفعالهم، فأنزلَ الله بهم مثل ما أنزل بسابقيهم.
قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.. [العنكبوت: ٦٧].
فكان أيّ واحد يخرج فقط عن مكة يخطفونه ويغتالونه ويأخذون ماله ومتاعه، لكن أهل مكة لم يجرؤوا على هذا لمكانتهم من البيت، وحرصاً على سلامة قوافلهم التجارية التي تسافر بين اليمن والشام وتمر بمعظم القبائل.
ثم إن خدمة قريش للبيت وزواره أمَّنت تجارتهم وحمتْ قوافلهم، ولم لا وهم يستقبلون عندهم في مكة ضيوفَ الرحمن ويقومون على خدمتهم.
لذلك نجد أن هذه المسألة هي الرابط بين سورة الفيل وسورة قريش، اقرأ: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ [الفيل: ١-٥].
فلو قلت: لماذا ردّ الله أصحابَ الفيل وجعلهم كعصف مأكول نجد الجواب في أول سورة قريش: لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ [قريش: ١-٢] فلو هُدم البيت لهدمتْ معه مكانة قريش، ولضاعت مهابتها من قلوب أهل الجزيرة العربية، فلم يتمكَّنوا من رحلة الشتاء والصيف.
فكأن الحق سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: أنا عملتُ مع هؤلاء كذا وكذا، ودافعتُ عنهم، وجعلتُ لهم مكانة ومنزلة، ومع ذلك يقفون من دعوتك موقفَ العداء، لأنك ستسلبهم السيادة المتجبرة والسيادة الطاغية التي اعتادوا عليها.
فقوله تعالى: وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ.. [الجاثية: ١٧] أي: دلائل وعلامات في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فما ذهب اليهود إلى مدينة رسول الله إلا لعلمهم بقدومه، وعلمهم بصفاته وبزمن بعثته، وكانوا يفتخرون بقدومه ويستفتحون به على الكفار والوثنيين.
يقولون: لقد أظلَّ زمانُ نبيٍّ من العرب، سنتبعه ونقتلكم به قتلَ عاد وإرم، فلما بُعث رسول الله صادموه وكفروا بدعوته، كما قال تعالى: وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ.. [البقرة: ٨٩].
وقال تعالى عن معرفتهم لرسول الله: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ.. [الأنعام: ٢٠].
لذلك رأينا عبد الله بن سلام وهو أحد أحبار اليهود، يقول: والله لقد عرفتُه حين رأيته كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشدّ، ومع هذه المعرفة أنكروا رسالته وكفروا به، وأغفلوا ما عندهم من علاماته ودلائل نبوته. وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً.. [النمل: ١٤].
لذلك لما هدى اللهُ عبد الله بن سلام للإسلام ذهب إلى سيدنا رسول الله وقال له: يا رسول الله لقد شرح الله صدري للإسلام لكني أخشى إنْ أسلمت أنْ يذمني اليهود ويتهموني عندما يعلمون ذلك؛ فاسألهم عني يا رسول الله قبل أنْ يعلموا بإسلامي.
وفعلاً سألهم رسول الله: ماذا تقولون في ابن سلام؟ فقالوا: هو سيدنا وابن سيدنا وحَبْرنا وابن حَبْرنا، وعندها نطق عبد الله بن سلام بالشهادتين وقال: أشهد أنْ لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقالوا: بل هو كذا وكذا وأخذوا يسبُّونه ويشتمونه، فقال عبد الله: ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بُهْت؟
ومن العجيب أن كفار مكة حين سألوا اليهود: أنحن أهدى أم محمد؟ قالوا: بل أنتم أهدى من محمد، كل هذا لأن لهم سلطة زمنية يريدون الاحتفاظ بها، وقبل أنْ يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا يُعدون ابن أبيّ ليكون ملكاً عليهم، وقد جهزوا له تاج الملْك، لكن سبقه رسول الله، وما إنْ وصل إلى قباء واستقبله أهل المدينة لم يجدوا مجالاً لذلك، وظل ابن أبيّ يكظمها في قلبه إلى أنْ مات.
وقوله: فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ.. [الجاثية: ١٧] أي: في رسول الله إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ.. [الجاثية: ١٧] برسول الله بَغْياً بَيْنَهُمْ.. [الجاثية: ١٧] لأن بعضهم صدَّق برسول الله وأسلم، وبعضهم كذَّبه وأنكره.
وكان منهم مَنْ أثنى عليه رسول الله، فقال: نِعْمَ اليهود (مخيريق) وهو رجل شرح الله صدره للإسلام، وصادف ذلك خروج الرسول لغزوة من الغزوات فخرج مع رسول الله، ووهب له كلَّ ما يملك دون أنْ يعلن عن ذلك، وفي هذه الغزوة قُتِل (مخيريق) دون أنْ يصلي لله ركعة.
وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الجاثية: ١٧] أي: في قضية الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم.
آية رقم ١٨
أي: جعلناك يا محمد على الطريق المستقيم، والشريعة هي الطريق الموصل إلى الماء الذي هو أصل الحياة وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ.. [الأنبياء: ٣٠] فسمَّى الدين شريعة.
فكما أن الماءَ حياةُ الأبدان، فالدين حياةُ الأرواح والقلوب، وهو الذي يمنحهم الحياة الأخرى الباقية، حيث لا يفوتهم النعيم ولا يفوتونه، وهذه هي الحياة الحقيقية التي قال الله عنها: يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ.. [الأنفال: ٢٤]...
فكما أن الماءَ حياةُ الأبدان، فالدين حياةُ الأرواح والقلوب، وهو الذي يمنحهم الحياة الأخرى الباقية، حيث لا يفوتهم النعيم ولا يفوتونه، وهذه هي الحياة الحقيقية التي قال الله عنها: يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ.. [الأنفال: ٢٤]...
آية رقم ١٩
أي: كفار مكة لأنهم ذهبوا إلى عمه أبي طالب وقالوا: لو كان ابن أخيك يريد المال جمعنا له من أموالنا حتى يصير أغنانا، وإنْ كان يريد الملْك ملّكناه علينا، فقال سيدنا رسول الله قولته المشهورة: وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ.. [الجاثية: ١٩] أي: يعين بعضهم بعضاً ويساند بعضهم بعضاً، فقد جمعهم الظلم ووحّد أهدافهم وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ [الجاثية: ١٩] أي: في المقابل الله، هو وليُّ المتقين يُعينهم ويُؤيِّدهم وينصرهم، فهذه من المقابلات التي تزيد المعنى وضوحاً.
آية رقم ٢٠
كلمة بَصَائِرُ.. جمع بصيرة، وهي ما يُوجد في وجدان الإنسان من نور الحق، فالبصر يرى الماديات، والبصيرة ترى المعنويات والقيم وتميزها.
إذن: محلها القلب، فهي نور يقذفه الله تعالى في قلب عبده، نقول: فلان عنده بصيرة، يعني: نظر ثاقب للأمور، ويمكنه أنْ يتنبأ بالشيء فيأتي وفْقَ تنبؤه.
والهدى أو الهداية أنْ تصلَ إلى الحق من أقرب طريق وأيسره عليك، فليس في الهدى مشقَّة، لذلك وصف اللهُ المؤمنين بقوله: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.. [البقرة: ٥] فهم على الهدى كأنه دابةٌ تحملهم إلى غايتهم، وإلى مراد الحق منهم.
وَرَحْمَةٌ.. هذه كلها أوصاف للقرآن الكريم، فهو بصائر للناس وهو هدى وهو رحمة، وفي آية أخرى قال سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ.. [الإسراء: ٨٢].
وقلنا: هناك فَرْق بين الشفاء والرحمة، فالشفاء يعني وجودَ داءٍ يعالجه القرآن أو اعوجاج يُقوِّمه القرآن ويُصحِّح مساره، فالقرآن يجبر ما فينا من نقص، ومن تقصير، ومن غفلة، ومن انحراف ويُعدل مسارنا إلى الطريق الصحيح وإلى الحركة البناءة.
مثل التلميذ حين ينصرف عن دروسه، فإنه يرسب ويفشل فإنْ عاد إلى الصواب وذاكر ينجح كذلك، فنحن إنْ غفلنا عن كتاب ربنا وعن منهجه أصابتنا الأمراض فإنْ عُدْنا إليه شفانا. أما الرحمة فتعني ألاَّ يأتي الداءُ أصلاً.
وقوله سبحانه: هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي: أن هذا الأثر للقرآن لا يكون إلا للموقنين المؤمنين به وبصدقه، وأنه هو المنهج الحق الذي يحوي النور والهداية والشفاء والرحمة.
إذن: محلها القلب، فهي نور يقذفه الله تعالى في قلب عبده، نقول: فلان عنده بصيرة، يعني: نظر ثاقب للأمور، ويمكنه أنْ يتنبأ بالشيء فيأتي وفْقَ تنبؤه.
والهدى أو الهداية أنْ تصلَ إلى الحق من أقرب طريق وأيسره عليك، فليس في الهدى مشقَّة، لذلك وصف اللهُ المؤمنين بقوله: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.. [البقرة: ٥] فهم على الهدى كأنه دابةٌ تحملهم إلى غايتهم، وإلى مراد الحق منهم.
وَرَحْمَةٌ.. هذه كلها أوصاف للقرآن الكريم، فهو بصائر للناس وهو هدى وهو رحمة، وفي آية أخرى قال سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ.. [الإسراء: ٨٢].
وقلنا: هناك فَرْق بين الشفاء والرحمة، فالشفاء يعني وجودَ داءٍ يعالجه القرآن أو اعوجاج يُقوِّمه القرآن ويُصحِّح مساره، فالقرآن يجبر ما فينا من نقص، ومن تقصير، ومن غفلة، ومن انحراف ويُعدل مسارنا إلى الطريق الصحيح وإلى الحركة البناءة.
مثل التلميذ حين ينصرف عن دروسه، فإنه يرسب ويفشل فإنْ عاد إلى الصواب وذاكر ينجح كذلك، فنحن إنْ غفلنا عن كتاب ربنا وعن منهجه أصابتنا الأمراض فإنْ عُدْنا إليه شفانا. أما الرحمة فتعني ألاَّ يأتي الداءُ أصلاً.
وقوله سبحانه: هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي: أن هذا الأثر للقرآن لا يكون إلا للموقنين المؤمنين به وبصدقه، وأنه هو المنهج الحق الذي يحوي النور والهداية والشفاء والرحمة.
آية رقم ٢١
الفعل حَسِبَ.. [الجاثية: ٢١] بكسر السين يعني: ظنَّ، وهناك حسب بالفتح من الحساب والعَدِّ. ومعنى ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ.. [الجاثية: ٢١] يعني: فعلوها واكتسبوها لذلك نُسمِّي الجوارح من الطيور (الكاسبات) لأنها تُستخدم للصيد، فهي كواسب. والسيئة هي كل ما يسوء صاحبه، يسوءه عقاباً أو ذماً.
وفي الآية استفهامٌ يفيد الإنكار والتعجب من هذا الظن، فكيف نُسوِّي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين الطائعين والعاصين، فالذين انصرفوا عن دعوتك يا محمد، وظنوا أنْ نُسوِّيهم بالذين آمنوا ظنهم خاطئ.
فشتَّان بين هذا وذاك، ولن نعاملهم كما نعاملكم، بل نعاملهم في الدنيا بالهزيمة، ونعاملكم بالنصْرة والتمكين، ونعاملهم في الآخرة بالعذاب، ونعاملكم بالنعيم والثواب.
سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ.. [الجاثية: ٢١] يعني: لا نُسوِّي بينكم وبينهم، لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية: ٢١] فمَنْ يحكم بالمساواة هنا ساء حكمه وبطل، لأنه حُكْم جائر مُنافٍ للحق وللعدل.
فكأن ظنهم هذا هو الذي أرداهم وأغراهم بعدم الإيمان بك، وإلا لو أيقنوا أن الغاية مختلفة، وأن الجزاء مختلف لآمنوا وعملوا الصالحات.
وفي الآية استفهامٌ يفيد الإنكار والتعجب من هذا الظن، فكيف نُسوِّي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين الطائعين والعاصين، فالذين انصرفوا عن دعوتك يا محمد، وظنوا أنْ نُسوِّيهم بالذين آمنوا ظنهم خاطئ.
فشتَّان بين هذا وذاك، ولن نعاملهم كما نعاملكم، بل نعاملهم في الدنيا بالهزيمة، ونعاملكم بالنصْرة والتمكين، ونعاملهم في الآخرة بالعذاب، ونعاملكم بالنعيم والثواب.
سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ.. [الجاثية: ٢١] يعني: لا نُسوِّي بينكم وبينهم، لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية: ٢١] فمَنْ يحكم بالمساواة هنا ساء حكمه وبطل، لأنه حُكْم جائر مُنافٍ للحق وللعدل.
فكأن ظنهم هذا هو الذي أرداهم وأغراهم بعدم الإيمان بك، وإلا لو أيقنوا أن الغاية مختلفة، وأن الجزاء مختلف لآمنوا وعملوا الصالحات.
آية رقم ٢٢
بعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه أن الظن الجائر والخاطئ من الكافرين، وهو أنْ نُسوِّيهم بالذين آمنوا.
وبعد أنْ بيَّن سبحانه وجه الظلم في هذا الظن يُحدِّثنا هنا عن عدله سبحانه، وعن ميزان الحق الذي به قامتْ السماوات والأرض بداية، وقبل أنْ يخلقَ الإنسان، وقبل أنْ يوجد المؤمن والكافر.
فبالحق خلق الله السماوات والأرض، وأنشأهما بحساب دقيق وعدل مطلق، فعدالة السماء لا تقتصر على جزاء الآخرة كُلٌّ بعمله، إنما هي عدالة أزلية بها قامتْ عملية الخلق.
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الجاثية: ٢٢] والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، ونحن نرى آيات الله في الكون سمائه وأرضه نجدها آيات ثابتة تسير بنظام محكم دقيق لا يتخلف أبداً ولا يتبدل، لأنها بُنيت بدايةً على الحق.
وكأن الله تعالى يعطينا إشارة ويلفت أنظارنا إلى أن حركة حياتنا في هذه الدنيا لن تستقيم ولن تسير في سلام إلا إذا قامتْ على الحق وبُنيت بميزان الحق، الذي به قامتْ السماوات والأرض.
اقرأ مثلاً: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن: ٥] أي: خُلِقَتْ بحساب دقيق
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ [الرحمن: ٦-٧].
وتأمل ختام الآية: وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الجاثية: ٢٢] فما دام الأمر قائماً على الحق، فلا بدَّ أنْ تتحقق العدالة في الجزاء، وأنْ ينتفي الظلم.
وبعد أنْ بيَّن سبحانه وجه الظلم في هذا الظن يُحدِّثنا هنا عن عدله سبحانه، وعن ميزان الحق الذي به قامتْ السماوات والأرض بداية، وقبل أنْ يخلقَ الإنسان، وقبل أنْ يوجد المؤمن والكافر.
فبالحق خلق الله السماوات والأرض، وأنشأهما بحساب دقيق وعدل مطلق، فعدالة السماء لا تقتصر على جزاء الآخرة كُلٌّ بعمله، إنما هي عدالة أزلية بها قامتْ عملية الخلق.
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الجاثية: ٢٢] والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، ونحن نرى آيات الله في الكون سمائه وأرضه نجدها آيات ثابتة تسير بنظام محكم دقيق لا يتخلف أبداً ولا يتبدل، لأنها بُنيت بدايةً على الحق.
وكأن الله تعالى يعطينا إشارة ويلفت أنظارنا إلى أن حركة حياتنا في هذه الدنيا لن تستقيم ولن تسير في سلام إلا إذا قامتْ على الحق وبُنيت بميزان الحق، الذي به قامتْ السماوات والأرض.
اقرأ مثلاً: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن: ٥] أي: خُلِقَتْ بحساب دقيق
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ [الرحمن: ٦-٧].
وتأمل ختام الآية: وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الجاثية: ٢٢] فما دام الأمر قائماً على الحق، فلا بدَّ أنْ تتحقق العدالة في الجزاء، وأنْ ينتفي الظلم.
آية رقم ٢٣
ثم يقول الحق سبحانه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ....
الإله هو المعبود الذي تكرَّس كلّ حياتك لخدمة مراده منك، وكلمة المعبود كلمة عامة تُطلق على المعبود بحق، وهو الله تعالى الخالق الرازق المبدع لهذا الكون، وتُطلق على المعبودات بالباطل كالذين عبدوا الأصنام أو الشمس أو القمر.
هذه وغيرها معبودات باطلة لا تضر ولا تنفع، وما عبدها الجهلاء إلا لإرضاء عاطفة التدين عندهم، فهم يريدون ديناً بلا تكاليف، وإلهاً بلا أوامر ولا نَواهٍ.
ومن هذه الآلهة الباطلة الهوى، فمن الناس مَنْ يتخذ إلهه هواه، والهوى في حدِّ ذاته مذموم، لذلك قالوا: آفة الرأي الهوى.
ولما مدح الحق سبحانه رسول الله قال: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ [النجم: ٣]...
ثم يُبيِّن الحق سبحانه أن الذي اتخذ إلهه هواه إنسانٌ ضال وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ.. أي: حكم بضلاله لأنه جعله مختاراً، فاختار هواه، ولو جعله مقهوراً كالسماء والأرض ما استطاع المخالفة، وقلنا: إن الله يريد منا القلب لا القالب، يريدنا أنْ نذهب إليه طواعية.
يقول الحق سبحانه: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٧-٨] إذن: لما اختار الضلال ووجده الله تعالى ضالاً حكم عليه أزلاً بأنه ضالّ، وجاء الواقع كما حكم الحق سبحانه، وكما علم الله منه.
لذلك قلنا: إن الملائكة تظلّ تتعجَّب حينما يروْنَ واقع الحياة وفْق ما كتب في اللوح المحفوظ فيقولون: نِعْم الرب.
معنى أَفَرَأَيْتَ.. يعني: أعلمتَ سَواء أكنتَ رأيت بعينك أو لم تَرَ، كما في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل: ١] أي: ألم تعلم، لأن رسول الله وُلد في هذا العام ولم يَرَ حادثة الفيل.
وقوله تعالى: وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً معنى ختم يعني: ضرب وطمس، وهنا جمع كل وسائل الإدراك في النفس الإنسانية، الأذن التي تسمع آيات الله تسمع بلاغة كلام الله ووعده ووعيده، والبصر الذي يرى الآيات الكونية ويتأملها ويستدل بها على خالقها ومُبدعها، والقلب محل الاعتقاد.
وما ختم الله على كل هذه الوسائل إلا لأن صاحبها أحبَّ الكفر وارتاح إلى الضلال، فأعانه الله على ما يحب، وختم على هذه الجوارح حتى لا يخرج منها الكفر ولا يدخلها الإيمان، وكيف يؤمن مَنْ لا يسمع كلام الله ولا يرى آياته في الكون ولا يميل قلبُه إلى لذة الإيمان بالله.
لذلك قال في ختام الآية: فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ لا أحد يملك هدايته كما قال في موضع آخر: وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر: ٣٣].
الإله هو المعبود الذي تكرَّس كلّ حياتك لخدمة مراده منك، وكلمة المعبود كلمة عامة تُطلق على المعبود بحق، وهو الله تعالى الخالق الرازق المبدع لهذا الكون، وتُطلق على المعبودات بالباطل كالذين عبدوا الأصنام أو الشمس أو القمر.
هذه وغيرها معبودات باطلة لا تضر ولا تنفع، وما عبدها الجهلاء إلا لإرضاء عاطفة التدين عندهم، فهم يريدون ديناً بلا تكاليف، وإلهاً بلا أوامر ولا نَواهٍ.
ومن هذه الآلهة الباطلة الهوى، فمن الناس مَنْ يتخذ إلهه هواه، والهوى في حدِّ ذاته مذموم، لذلك قالوا: آفة الرأي الهوى.
ولما مدح الحق سبحانه رسول الله قال: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ [النجم: ٣]...
ثم يُبيِّن الحق سبحانه أن الذي اتخذ إلهه هواه إنسانٌ ضال وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ.. أي: حكم بضلاله لأنه جعله مختاراً، فاختار هواه، ولو جعله مقهوراً كالسماء والأرض ما استطاع المخالفة، وقلنا: إن الله يريد منا القلب لا القالب، يريدنا أنْ نذهب إليه طواعية.
يقول الحق سبحانه: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٧-٨] إذن: لما اختار الضلال ووجده الله تعالى ضالاً حكم عليه أزلاً بأنه ضالّ، وجاء الواقع كما حكم الحق سبحانه، وكما علم الله منه.
لذلك قلنا: إن الملائكة تظلّ تتعجَّب حينما يروْنَ واقع الحياة وفْق ما كتب في اللوح المحفوظ فيقولون: نِعْم الرب.
معنى أَفَرَأَيْتَ.. يعني: أعلمتَ سَواء أكنتَ رأيت بعينك أو لم تَرَ، كما في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل: ١] أي: ألم تعلم، لأن رسول الله وُلد في هذا العام ولم يَرَ حادثة الفيل.
وقوله تعالى: وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً معنى ختم يعني: ضرب وطمس، وهنا جمع كل وسائل الإدراك في النفس الإنسانية، الأذن التي تسمع آيات الله تسمع بلاغة كلام الله ووعده ووعيده، والبصر الذي يرى الآيات الكونية ويتأملها ويستدل بها على خالقها ومُبدعها، والقلب محل الاعتقاد.
وما ختم الله على كل هذه الوسائل إلا لأن صاحبها أحبَّ الكفر وارتاح إلى الضلال، فأعانه الله على ما يحب، وختم على هذه الجوارح حتى لا يخرج منها الكفر ولا يدخلها الإيمان، وكيف يؤمن مَنْ لا يسمع كلام الله ولا يرى آياته في الكون ولا يميل قلبُه إلى لذة الإيمان بالله.
لذلك قال في ختام الآية: فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ لا أحد يملك هدايته كما قال في موضع آخر: وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر: ٣٣].
آية رقم ٢٤
هذا إنكار منهم لليوم الآخر، ولكن الحق لا بدّ وأنْ يظهر في (فلتات) الألسنة، فوصفهم للحياة التي يعيشونها بأنها دنيا دليل واعتراف منهم بأن هناك حياة أخرى أشرف وأعلى من هذه.
كما جاء في قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ.. [المنافقون: ٧] فيعترفون أنه صلى الله عليه وسلم رسول الله مع أنهم مُعادون له كافرون بدعوته.
وقولهم: نَمُوتُ وَنَحْيَا.. [الجاثية: ٢٤] يقصدون نموت نحن ويحيا أبناؤنا من بعدنا، وهذا لأنهم لا يؤمنون بالحياة بعد الموت، فالحياة التي يقصدونها هي امتداد أبنائهم من بعدهم.
وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ.. [الجاثية: ٢٤] أي: الزمن هو الذي يميتنا، ومعلوم أن الزمن ظرف للأحداث، وهو مخلوق لله تعالى لا يميت، إنما الذي يميتُ هو الله، وفي الحديث القدسى: أي: خالقه ومالكه.
وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤] وما دام ليس لهم علم بذلك، فلماذا يُعاقبهم الله؟ قالوا: يعاقبهم لأنهم ردُّوا العلم الذي جاءهم من ربهم على ألسنة الرسل إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤] ما هم إلا يظنون أي في قولهم: مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ.. [الجاثية: ٢٤].
ثم يقول الحق سبحانه:
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ... .
كما جاء في قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ.. [المنافقون: ٧] فيعترفون أنه صلى الله عليه وسلم رسول الله مع أنهم مُعادون له كافرون بدعوته.
وقولهم: نَمُوتُ وَنَحْيَا.. [الجاثية: ٢٤] يقصدون نموت نحن ويحيا أبناؤنا من بعدنا، وهذا لأنهم لا يؤمنون بالحياة بعد الموت، فالحياة التي يقصدونها هي امتداد أبنائهم من بعدهم.
وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ.. [الجاثية: ٢٤] أي: الزمن هو الذي يميتنا، ومعلوم أن الزمن ظرف للأحداث، وهو مخلوق لله تعالى لا يميت، إنما الذي يميتُ هو الله، وفي الحديث القدسى: أي: خالقه ومالكه.
وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤] وما دام ليس لهم علم بذلك، فلماذا يُعاقبهم الله؟ قالوا: يعاقبهم لأنهم ردُّوا العلم الذي جاءهم من ربهم على ألسنة الرسل إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤] ما هم إلا يظنون أي في قولهم: مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ.. [الجاثية: ٢٤].
ثم يقول الحق سبحانه:
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ... .
آية رقم ٢٥
لم تستقم للكافرين حجة واحدة، بل كانت لهم حجج كثيرة يسوقونها للتملص من الإيمان بالله ورسوله وقرآنه، لذلك نجدهم عندما تُتلى عليهم آيات الله أي: آيات القرآن نجد لهم حججاً كثيرة متنوعة.
يقول تعالى: وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا.. [الأنفال: ٣١].
وفي آية أخرى يقول: وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ.. [يونس: ١٥].
فهم يطلبون طلبين. الطلب الأول: يريدون قرآناً غير الذي أنزله الله. والطلب الثاني: أنهم يريدون تبديل آية مكان آية. وهم قد طلبوا حذف الآيات التى تهزأ بالأصنام، وكذلك الآيات التي تتوعدهم بسوء المصير.
وكما طعنوا في القرآن وأرادوا تبديله وتغييره طعنوا في رسول الله الذي أُنزل عليه هذا القرآن، فقالوا: وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ [سبأ: ٤٣].
حجج تتلوها حجج، ومقصدهم أن لا يؤمنوا، وهم يعلمون أن كل حججهم ساقطة لا أساس لها، وقد يسأل سائل: إذا كان الله يسوق حججهم في عدة أيات من قرآنه. فلماذا يقول في آية سورة الجاثية: مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ.. [الجاثية: ٢٥].
فلماذا حصر حجتهم هنا بـ (ما كان) و(إلا)؟
ولو تأملنا كل الحجج السابقة سنجدها مجرد (تلاكيك) لأنْ لا يؤمنوا، ولكن حجتهم الرئيسية التي كانت أصيلة فيهم وفي تفكيرهم هي أنهم لم يكونوا يؤمنون بالبعث بعد الموت.
لذلك قال الله تعالى: مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ.. [الجاثية: ٢٥].
وقد قال الحق سبحانه: إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ * فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الدخان: ٣٤-٣٦].
وكان منهم من أمسك عظاماً بالية في يده وفركها حتى أصبحت رماداً ويتطاير وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء: ٤٩].
لقد كانوا يستبعدون البعث بعد الموت، لأنهم غفلوا عن بداية الوجود وبداية خلق الإنسان، ولو أحصينا تعداد العالم لوجدناه يتزايد في الاستقبال ويقل في الماضي، وهكذا إلى أن نصل بأصل الإنسان إلى الأصل الأصيل وهو آدم وحواء، فمن أين أتيا إلى الوجود؟ فهذه قضية غيبية كان لا بد أن يفكروا فيها.
ولقد رد عليهم القرآن إنكارهم للبعث وقولهم: أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء: ٤٩] بقوله تعالى: قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [يونس: ٣٤].
إن الله سبحانه هو وحده القادر على ذلك، فكيف تقلبون الحقائق لأنكم تعرفون الواقع وتُكذِّبونه كذباً متعمداً؟
هؤلاء وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا.. [الجاثية: ٢٥] أي: إذا تُتْلى عليهم آيات القرآن (بينات) واضحات الدلالة.
مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ.. [الجاثية: ٢٥] يعني: لم يجدوا حجة يحتجون بها على عنادهم وإنكارهم إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ.. [الجاثية: ٢٥] أي: الذين ماتوا إن كنتم صادقين.
وهذا طلب يدل على إفلاسهم وعنادهم، فليس عندهم منطق ولا حجة تبرر هذا العناد.
لذلك ردَّ الله عليهم بقوله:
قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ... .
يقول تعالى: وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا.. [الأنفال: ٣١].
وفي آية أخرى يقول: وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ.. [يونس: ١٥].
فهم يطلبون طلبين. الطلب الأول: يريدون قرآناً غير الذي أنزله الله. والطلب الثاني: أنهم يريدون تبديل آية مكان آية. وهم قد طلبوا حذف الآيات التى تهزأ بالأصنام، وكذلك الآيات التي تتوعدهم بسوء المصير.
وكما طعنوا في القرآن وأرادوا تبديله وتغييره طعنوا في رسول الله الذي أُنزل عليه هذا القرآن، فقالوا: وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ [سبأ: ٤٣].
حجج تتلوها حجج، ومقصدهم أن لا يؤمنوا، وهم يعلمون أن كل حججهم ساقطة لا أساس لها، وقد يسأل سائل: إذا كان الله يسوق حججهم في عدة أيات من قرآنه. فلماذا يقول في آية سورة الجاثية: مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ.. [الجاثية: ٢٥].
فلماذا حصر حجتهم هنا بـ (ما كان) و(إلا)؟
ولو تأملنا كل الحجج السابقة سنجدها مجرد (تلاكيك) لأنْ لا يؤمنوا، ولكن حجتهم الرئيسية التي كانت أصيلة فيهم وفي تفكيرهم هي أنهم لم يكونوا يؤمنون بالبعث بعد الموت.
لذلك قال الله تعالى: مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ.. [الجاثية: ٢٥].
وقد قال الحق سبحانه: إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ * فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الدخان: ٣٤-٣٦].
وكان منهم من أمسك عظاماً بالية في يده وفركها حتى أصبحت رماداً ويتطاير وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء: ٤٩].
لقد كانوا يستبعدون البعث بعد الموت، لأنهم غفلوا عن بداية الوجود وبداية خلق الإنسان، ولو أحصينا تعداد العالم لوجدناه يتزايد في الاستقبال ويقل في الماضي، وهكذا إلى أن نصل بأصل الإنسان إلى الأصل الأصيل وهو آدم وحواء، فمن أين أتيا إلى الوجود؟ فهذه قضية غيبية كان لا بد أن يفكروا فيها.
ولقد رد عليهم القرآن إنكارهم للبعث وقولهم: أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء: ٤٩] بقوله تعالى: قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [يونس: ٣٤].
إن الله سبحانه هو وحده القادر على ذلك، فكيف تقلبون الحقائق لأنكم تعرفون الواقع وتُكذِّبونه كذباً متعمداً؟
هؤلاء وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا.. [الجاثية: ٢٥] أي: إذا تُتْلى عليهم آيات القرآن (بينات) واضحات الدلالة.
مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ.. [الجاثية: ٢٥] يعني: لم يجدوا حجة يحتجون بها على عنادهم وإنكارهم إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ.. [الجاثية: ٢٥] أي: الذين ماتوا إن كنتم صادقين.
وهذا طلب يدل على إفلاسهم وعنادهم، فليس عندهم منطق ولا حجة تبرر هذا العناد.
لذلك ردَّ الله عليهم بقوله:
قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ... .
آية رقم ٢٦
أي: قُلْ لهم يا محمد ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ.. [الجاثية: ٢٦] أي: في الدنيا ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ.. [الجاثية: ٢٦] بعد البعث والنشور إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ.. [الجاثية: ٢٦] لا شكَّ فيه وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [الجاثية: ٢٦] فنفى عنهم العلم.
إن علمهم قاصر عن أنْ يدرك حقائق الأمور، فكما أن الخلق آية من آيات الله فكذلك الموت آية من آيات الله نراها ونلمسها كل يوم، وما دُمْت تصدق بآية الخلق وآية الموت وتراهما ولا تشك فيهما.
فحين نقول لك إن بعد هذه الحياة حياة أخرى فصدِّق، لأن صاحب هذه الآيات واحد، والمقدمات التي تحكم أنت بصدقها يجب أن تؤدي إلى نتيجة تحكم أيضاً بصدقها، وها هي المقدمات بين يديك صادقة.
قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ.. [الجاثية: ٢٦] أي: يعطي المحي ما يُحييه قوة يؤدي بها المهمة المخلوق لها، والإحياء الأول في آدم حين خلقه ربه وسوَّاه ونفخ فيه من روحه ثم أوجدنا نحن من ذريته.
وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ.. [البقرة: ٢٨].
فكفركم لا حجةَ لكم فيه ولا منطق، فقضية الإحياء من عدم والخلق قضية لا تحتمل الجدل، فأين كان آدم قبل أن يخلقه الله، وأين كنتم هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً [الإنسان: ١] أي: لم يكن له وجود.
فقضية الحياة والموت لا يمكن لأحد أن يجادل فيها، فالله سبحانه وتعالى خلقنا من عدم، ولم يدَّع أحد قط أنه خلق الناس أو خلق نفسه.
وقوله تعالى ثُمَّ يُمِيتُكُمْ.. [الجاثية: ٢٦] فإن أحداً لا يشك في أنه سيموت، فالموت مُقدَّر على الناس جميعاً، والخَلْق من العدم واقع بالدليل، والموت واقع بالحسِّ والمشاهدة.
ولذلك فمن رحمة الله بالعقل البشري بالنسبة للأحداث الغيبية أن الله سبحانه قرَّبها لنا بشيء مشاهد.. كيف؟ فالحق تبارك وتعالى أخبرنا عن مرحلة في الخلق لم نشهدها، ولكن الموت شيء مشهود لنا جميعاً.
وما دام الموت مشهوداً لنا، فالحق سبحانه يأتي به كدليل على مراحل الخلق التي لم نشهدها، فالموت نقض للحياة.
ثم يقول الحق سبحانه: ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ.. [الجاثية: ٢٦] فالجمع هنا أي بعد البعث والإعادة والإحياء من الموت، إنه يوم الجمع، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ.. [الشورى: ٧] أي: تُخوفهم من هذا اليوم وهو يوم القيامة، والجمع في هذا اليوم يكون من عدة وجوه: البعث حيث يجمع بين الجسم والروح، ويجمع الملائكة في الملأ الأعلى بالبشر، ويجمع الظالم والمظلوم، والتابع والمتبوع.
يقول تعالى: ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً [النساء: ٨٧].
ثم يقول الحق سبحانه:
وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ... .
إن علمهم قاصر عن أنْ يدرك حقائق الأمور، فكما أن الخلق آية من آيات الله فكذلك الموت آية من آيات الله نراها ونلمسها كل يوم، وما دُمْت تصدق بآية الخلق وآية الموت وتراهما ولا تشك فيهما.
فحين نقول لك إن بعد هذه الحياة حياة أخرى فصدِّق، لأن صاحب هذه الآيات واحد، والمقدمات التي تحكم أنت بصدقها يجب أن تؤدي إلى نتيجة تحكم أيضاً بصدقها، وها هي المقدمات بين يديك صادقة.
قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ.. [الجاثية: ٢٦] أي: يعطي المحي ما يُحييه قوة يؤدي بها المهمة المخلوق لها، والإحياء الأول في آدم حين خلقه ربه وسوَّاه ونفخ فيه من روحه ثم أوجدنا نحن من ذريته.
وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ.. [البقرة: ٢٨].
فكفركم لا حجةَ لكم فيه ولا منطق، فقضية الإحياء من عدم والخلق قضية لا تحتمل الجدل، فأين كان آدم قبل أن يخلقه الله، وأين كنتم هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً [الإنسان: ١] أي: لم يكن له وجود.
فقضية الحياة والموت لا يمكن لأحد أن يجادل فيها، فالله سبحانه وتعالى خلقنا من عدم، ولم يدَّع أحد قط أنه خلق الناس أو خلق نفسه.
وقوله تعالى ثُمَّ يُمِيتُكُمْ.. [الجاثية: ٢٦] فإن أحداً لا يشك في أنه سيموت، فالموت مُقدَّر على الناس جميعاً، والخَلْق من العدم واقع بالدليل، والموت واقع بالحسِّ والمشاهدة.
ولذلك فمن رحمة الله بالعقل البشري بالنسبة للأحداث الغيبية أن الله سبحانه قرَّبها لنا بشيء مشاهد.. كيف؟ فالحق تبارك وتعالى أخبرنا عن مرحلة في الخلق لم نشهدها، ولكن الموت شيء مشهود لنا جميعاً.
وما دام الموت مشهوداً لنا، فالحق سبحانه يأتي به كدليل على مراحل الخلق التي لم نشهدها، فالموت نقض للحياة.
ثم يقول الحق سبحانه: ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ.. [الجاثية: ٢٦] فالجمع هنا أي بعد البعث والإعادة والإحياء من الموت، إنه يوم الجمع، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ.. [الشورى: ٧] أي: تُخوفهم من هذا اليوم وهو يوم القيامة، والجمع في هذا اليوم يكون من عدة وجوه: البعث حيث يجمع بين الجسم والروح، ويجمع الملائكة في الملأ الأعلى بالبشر، ويجمع الظالم والمظلوم، والتابع والمتبوع.
يقول تعالى: ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً [النساء: ٨٧].
ثم يقول الحق سبحانه:
وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ... .
آية رقم ٢٧
هنا أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور، أفاد قصر ملكية السماوات والأرض على الله وحده لا شريك له: وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ.. [الجاثية: ٢٧] تقوم القيامة كأنها كانت نائمة وقامتْ، وأبهم الساعة لننتظرها في أيَّ لحظة.
فالإبهام هنا كما قُلنا عَيْن البيان، لأنه يجعلنا دائماً على استعداد لها، كما أبهم الله تعالى أجل الإنسان ليستحضره دائماً في أيِّ وقت ولا يغفل عنه، ومَنْ لا يملك لنفسه البقاء طرفة عيْن جدير ألاَّ يغفل عن آخرته ويحذر أنْ يأتي أجله وهو على معصية الله.
فمَنْ مات على شيء بُعِث عليه خاصة إذا كان الموت لا ينتظر أسباباً. فالموت من دون أسباب هو السبب، مات لأنه يموت وقد حان أجله، وقد تنبه الشعراء لهذا المعنى فقال أحدهم:
فِي الموْتِ مَا أعيَا وَفِي أسْبَابِهِ كلُّ امرئٍ رهْنٌ بطَيِّ كِتَابِهِ
أَسَد لَعْمركَ مَنْ يموتُ بظُفْرِهِ عندَ اللقَاء كَمَنْ يموتُ بنَابهِ
إنْ نامَ عنَكَ فأيُّ طلَب نافعٌ أَوْ لم ينَمْ فالطبُّ من أذْنابه
نعم يدخل غرفة العمليات فلا يخرج منها ويكون الطب هو سبب موته. إذن: الحق سبحانه يبهم لحكمة وهدف. ومن رحمته تعالى بخَلْقه أنه لما أبهم الساعة جعل لها علامات تنبّه الغافل حتى لا تُفاجئ الناس.
من رحمته بنا أن جعل لها علامات صغرى وعلامات كبرى، هذا حنان من الله على خَلْقه: لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً.. [الأعراف: ١٨٧].
وقوله: يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ [الجاثية: ٢٧] أي: المستمرون في الباطل، وكلمة (يخسر) من الخسارة التي يقابلها المكسب، وهذه مسألة يعرفها التجار، فكل تاجر يريد المكسب أي: الزيادة على رأس المال.
إذن: كل عمل من الأعمال يجب أنْ يُحسبَ من حيث المكسب والخسارة، فالكافر في الدنيا يظن أن عمله يعود عليه بالمكسب في الدنيا، لكن سيُفاجأ يوم القيامة حيث انتهى وقت العمل أنَّ عمله عاد عليه بالخسران. يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً.. [آل عمران: ٣٠].
ومعنى الخسارة هنا أن يجد كل أعماله ذهبتْ هباء منثوراً دون فائدة: وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [النور: ٣٩].
لذلك لما سُئلنا عن أصحاب الاختراعات والابتكارات التي خدمت البشرية ويسَّرتْ على الناس حركة الحياة، وخفَّفتْ آلام المتألمين: كيف بعد هذا كله يدخلون النار؟
قلت: نعم، لأنهم عملوا هذه الأعمال لخدمة الإنسانية ولم يكُنْ الله في بالهم، لذلك أخذوا أجورهم من البشرية تكريماً وتخليداً لذكراهم وتمجيداً لهم، فعملوا لهم التماثيل وألفّوا فيهم الكتب.. إلخ.
إذن: لا نصيبَ لهم في ثواب الآخرة، ولو عملوا لله لوجدوا الأجر عند الله، لأن الأجير لا يطلب أجره إلا ممنْ عمل له.
لذلك سيُفاجأ الكافر بهذه الحقيقة، هذه المفاجأة نفهمها من قوله تعالى: وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ.. [النور: ٣٩] فُوجئ بإله لم يكُنْ في باله، أو كان مُنكراً له كافراً به.
فالإبهام هنا كما قُلنا عَيْن البيان، لأنه يجعلنا دائماً على استعداد لها، كما أبهم الله تعالى أجل الإنسان ليستحضره دائماً في أيِّ وقت ولا يغفل عنه، ومَنْ لا يملك لنفسه البقاء طرفة عيْن جدير ألاَّ يغفل عن آخرته ويحذر أنْ يأتي أجله وهو على معصية الله.
فمَنْ مات على شيء بُعِث عليه خاصة إذا كان الموت لا ينتظر أسباباً. فالموت من دون أسباب هو السبب، مات لأنه يموت وقد حان أجله، وقد تنبه الشعراء لهذا المعنى فقال أحدهم:
فِي الموْتِ مَا أعيَا وَفِي أسْبَابِهِ كلُّ امرئٍ رهْنٌ بطَيِّ كِتَابِهِ
أَسَد لَعْمركَ مَنْ يموتُ بظُفْرِهِ عندَ اللقَاء كَمَنْ يموتُ بنَابهِ
إنْ نامَ عنَكَ فأيُّ طلَب نافعٌ أَوْ لم ينَمْ فالطبُّ من أذْنابه
نعم يدخل غرفة العمليات فلا يخرج منها ويكون الطب هو سبب موته. إذن: الحق سبحانه يبهم لحكمة وهدف. ومن رحمته تعالى بخَلْقه أنه لما أبهم الساعة جعل لها علامات تنبّه الغافل حتى لا تُفاجئ الناس.
من رحمته بنا أن جعل لها علامات صغرى وعلامات كبرى، هذا حنان من الله على خَلْقه: لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً.. [الأعراف: ١٨٧].
وقوله: يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ [الجاثية: ٢٧] أي: المستمرون في الباطل، وكلمة (يخسر) من الخسارة التي يقابلها المكسب، وهذه مسألة يعرفها التجار، فكل تاجر يريد المكسب أي: الزيادة على رأس المال.
إذن: كل عمل من الأعمال يجب أنْ يُحسبَ من حيث المكسب والخسارة، فالكافر في الدنيا يظن أن عمله يعود عليه بالمكسب في الدنيا، لكن سيُفاجأ يوم القيامة حيث انتهى وقت العمل أنَّ عمله عاد عليه بالخسران. يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً.. [آل عمران: ٣٠].
ومعنى الخسارة هنا أن يجد كل أعماله ذهبتْ هباء منثوراً دون فائدة: وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [النور: ٣٩].
لذلك لما سُئلنا عن أصحاب الاختراعات والابتكارات التي خدمت البشرية ويسَّرتْ على الناس حركة الحياة، وخفَّفتْ آلام المتألمين: كيف بعد هذا كله يدخلون النار؟
قلت: نعم، لأنهم عملوا هذه الأعمال لخدمة الإنسانية ولم يكُنْ الله في بالهم، لذلك أخذوا أجورهم من البشرية تكريماً وتخليداً لذكراهم وتمجيداً لهم، فعملوا لهم التماثيل وألفّوا فيهم الكتب.. إلخ.
إذن: لا نصيبَ لهم في ثواب الآخرة، ولو عملوا لله لوجدوا الأجر عند الله، لأن الأجير لا يطلب أجره إلا ممنْ عمل له.
لذلك سيُفاجأ الكافر بهذه الحقيقة، هذه المفاجأة نفهمها من قوله تعالى: وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ.. [النور: ٣٩] فُوجئ بإله لم يكُنْ في باله، أو كان مُنكراً له كافراً به.
آية رقم ٢٨
أي: يوم القيامة ترى كل أمة جاثية، من الفعل جثا جثواً أي: برك على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه، وهذا وضْع الخائف الخاضع الذليل، ومنه قوله تعالى: ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً [مريم: ٦٨].
وقريب منه الفعل جثم جثوماً أي: لزم مكانه أو لصق بالأرض، ومنه قوله تعالى: فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود: ٩٤].
إذن: فالموقف موقف عصيب، موقف رعب وهَوْل وهلع بحيث لا يتمكن الناسُ من القعود على مقاعدهم فيقعدون على رُكَبهم، فإنْ اشتدَّ الهول وقفوا على أطراف أصابعهم، وهي وقفة مَنْ ينتظر الخطر والهول، أما القعود الطبيعي فيُمكِّن الإنسان مقعدته من الأرض ويكون في حال الاطمئنان.
وفرْقٌ بين القعود والجلوس وإن كانت المحصلة واحدة، إلا أن القعود يكون بعد الوقوف. نقول: كان قائماً فقعد، أما الجلوس فيكون من حال الاضطجاع. كان مضطجعاً فجلس.
إذن: هنا مسألة فلسفية: القعود يكون من وضع أعلى وهو القيام، والجلوس من وضع أدْنى وهو الاضطجاع، والجلوس أو القعود يضمن للإنسان الراحة حيث يكون معظم جسمه على الأرض فيرتاح على خلاف القائم مثلاً فتحمله قدماه.
لذلك إذا وقفتَ مدة طويلة تتعب وتبادل بين قدميك في الوقوف، ثم يزيد الحِمْل على القدمين إنْ أضفت إلى القيام المشي، ثم يزيد إذا أضفتَ على المشي شيئاً تحمله، وهكذا.
فإذا تعب الإنسانُ فأول شيء يضع الحِملَ الذى يحمله ليخفَ الحمل على القدمين، ثم يتوقف عن المشي ليقلّل المجهود، ثم يقعد، وبعد ذلك يضطجع فيلقي بكل جسمه على الأرض، وهذا الوضع يضمن منتهى الراحة للبدن.
لكن هذا التصوير القرآني في جاثية أو جاثمة لا يدل على الراحة، إنما يدل على الخضوع والذلَة والانكسار وشدة الخوف الذي يجعل الإنسان والعياذ بالله يلتصق بالأرض، أو يجثو على ركبتيه من شدة الخوف.
فالحق سبحانه يُصوِّر هذا الموقف تصويراً لفظياً يُشعرك بفظاعة الموقف وشدة كربه، ولك أنت أنْ تتخيل الموقف، وأنْ تأخذه تجربة مررت بها بالفعل في موقف رهيب ينشغل فيه كل امرىء بنفسه.
فالقيامة قامت، قامت يعني: لن تقعد والأمة جاثية، الكل المؤمن والكافر، الكل جَاثٍ ينتظر ما سيحدث، لا أحدَ هنا فوق القانون (مفيش جستنة) فالفزع والهول يَغشى الجميع، والكل ينتظر كلمة الحق.
كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا.. [الجاثية: ٢٨] فنسب الكتاب إلى الأمة، لذلك وقف المستشرقون عند هذه الآية يعترضون، لأن الحق سبحانه يقول في آية أخرى: هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ.. [الجاثية: ٢٩].
فمرة أسند الكتاب إلى الأمة، ومرة أسنده إليه سبحانه، ولو فهموا عن الله ما وجدوا في ذلك وجهاً للاعتراض.
فمعنى (كتابنا) أي: الذي طلبنا من الحفظة أنْ يكتبوه ليكون حجةً على صاحبه يوم القيامة، فنقول له: ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء: ١٤].
وهو أيضاً كتابهم أي الذي كُتِب عليهم فيه، وسجّل فيه أعمالهم، إذن: لكل لفظ معناه ودلالته، ومعلوم في أسلوب القرآن أنه يستعمل اللفظ هنا بمعنى وهناك بمعنى آخر.
والقرآن مُجمله يحتاج في فهمه إلى تأمل وتدبّر وعلم بأسباب النزول وملابسات الآيات: اقرأ مثلاً قول الله تعالى: وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ.. [النساء: ٥] السّفيه: هو الذي لا يحسن التصرف في ماله، لذلك لم يجعل له الشارع مالاً، إنما المال في حال السَّفه مِلْك لوليه.
لذلك قال أَمْوَالَكُمُ.. [النساء: ٥] مع أنها من حَقِّ هذا السَّفيه، لأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم.
إذن: نأخذ مال السفيه ونحافظ له عليه حتى نأنس منه رُشداً فندفع إليه ماله ليتصرف هو فيه، لذلك قال تعالى في إعادته: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ.. [النساء: ٦] ونسبها إليهم لأنها صارتْ ملكاً لهم، ولهم حرية التصرف فيها.
وقوله سبحانه: ٱلْيَوْمَ.. [الجاثية: ٢٨] أي: يوم القيامة تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٨] فالجزاء من جنس العمل.
وقريب منه الفعل جثم جثوماً أي: لزم مكانه أو لصق بالأرض، ومنه قوله تعالى: فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود: ٩٤].
إذن: فالموقف موقف عصيب، موقف رعب وهَوْل وهلع بحيث لا يتمكن الناسُ من القعود على مقاعدهم فيقعدون على رُكَبهم، فإنْ اشتدَّ الهول وقفوا على أطراف أصابعهم، وهي وقفة مَنْ ينتظر الخطر والهول، أما القعود الطبيعي فيُمكِّن الإنسان مقعدته من الأرض ويكون في حال الاطمئنان.
وفرْقٌ بين القعود والجلوس وإن كانت المحصلة واحدة، إلا أن القعود يكون بعد الوقوف. نقول: كان قائماً فقعد، أما الجلوس فيكون من حال الاضطجاع. كان مضطجعاً فجلس.
إذن: هنا مسألة فلسفية: القعود يكون من وضع أعلى وهو القيام، والجلوس من وضع أدْنى وهو الاضطجاع، والجلوس أو القعود يضمن للإنسان الراحة حيث يكون معظم جسمه على الأرض فيرتاح على خلاف القائم مثلاً فتحمله قدماه.
لذلك إذا وقفتَ مدة طويلة تتعب وتبادل بين قدميك في الوقوف، ثم يزيد الحِمْل على القدمين إنْ أضفت إلى القيام المشي، ثم يزيد إذا أضفتَ على المشي شيئاً تحمله، وهكذا.
فإذا تعب الإنسانُ فأول شيء يضع الحِملَ الذى يحمله ليخفَ الحمل على القدمين، ثم يتوقف عن المشي ليقلّل المجهود، ثم يقعد، وبعد ذلك يضطجع فيلقي بكل جسمه على الأرض، وهذا الوضع يضمن منتهى الراحة للبدن.
لكن هذا التصوير القرآني في جاثية أو جاثمة لا يدل على الراحة، إنما يدل على الخضوع والذلَة والانكسار وشدة الخوف الذي يجعل الإنسان والعياذ بالله يلتصق بالأرض، أو يجثو على ركبتيه من شدة الخوف.
فالحق سبحانه يُصوِّر هذا الموقف تصويراً لفظياً يُشعرك بفظاعة الموقف وشدة كربه، ولك أنت أنْ تتخيل الموقف، وأنْ تأخذه تجربة مررت بها بالفعل في موقف رهيب ينشغل فيه كل امرىء بنفسه.
فالقيامة قامت، قامت يعني: لن تقعد والأمة جاثية، الكل المؤمن والكافر، الكل جَاثٍ ينتظر ما سيحدث، لا أحدَ هنا فوق القانون (مفيش جستنة) فالفزع والهول يَغشى الجميع، والكل ينتظر كلمة الحق.
كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا.. [الجاثية: ٢٨] فنسب الكتاب إلى الأمة، لذلك وقف المستشرقون عند هذه الآية يعترضون، لأن الحق سبحانه يقول في آية أخرى: هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ.. [الجاثية: ٢٩].
فمرة أسند الكتاب إلى الأمة، ومرة أسنده إليه سبحانه، ولو فهموا عن الله ما وجدوا في ذلك وجهاً للاعتراض.
فمعنى (كتابنا) أي: الذي طلبنا من الحفظة أنْ يكتبوه ليكون حجةً على صاحبه يوم القيامة، فنقول له: ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء: ١٤].
وهو أيضاً كتابهم أي الذي كُتِب عليهم فيه، وسجّل فيه أعمالهم، إذن: لكل لفظ معناه ودلالته، ومعلوم في أسلوب القرآن أنه يستعمل اللفظ هنا بمعنى وهناك بمعنى آخر.
والقرآن مُجمله يحتاج في فهمه إلى تأمل وتدبّر وعلم بأسباب النزول وملابسات الآيات: اقرأ مثلاً قول الله تعالى: وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ.. [النساء: ٥] السّفيه: هو الذي لا يحسن التصرف في ماله، لذلك لم يجعل له الشارع مالاً، إنما المال في حال السَّفه مِلْك لوليه.
لذلك قال أَمْوَالَكُمُ.. [النساء: ٥] مع أنها من حَقِّ هذا السَّفيه، لأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم.
إذن: نأخذ مال السفيه ونحافظ له عليه حتى نأنس منه رُشداً فندفع إليه ماله ليتصرف هو فيه، لذلك قال تعالى في إعادته: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ.. [النساء: ٦] ونسبها إليهم لأنها صارتْ ملكاً لهم، ولهم حرية التصرف فيها.
وقوله سبحانه: ٱلْيَوْمَ.. [الجاثية: ٢٨] أي: يوم القيامة تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٨] فالجزاء من جنس العمل.
آية رقم ٢٩
قوله: هَـٰذَا كِتَابُنَا.. [الجاثية: ٢٩] أي: كتاب الأعمال يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ.. [الجاثية: ٢٩] معلوم أن النطق يكون باللسان لأنه وسيلة البيان الأولى، واللسان هنا لسان الحال مع أن الكتاب في الواقع يُقرأ ولا يَنْطِق، لكن هذا الكتاب لشدة إظهاره للحق كأنه ينطق ويشهد على صاحبه.
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩] معنى نستنسخ نثبت، أن نأخذ منه نسخة أخرى نعطيها لصاحب الكتاب ليقرأها وليطلع على ما قدّم في دنياه.
كما نقول مثلاً: أصل وصورة، فنعطيه صورة من كتابه ومن أعماله لتكونَ حجة عليه.
ومن معاني النسخ الإثبات الذي لا يترك شيئاً، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، قال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً.. [آل عمران: ٣٠] وقال: مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨].
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩] معنى نستنسخ نثبت، أن نأخذ منه نسخة أخرى نعطيها لصاحب الكتاب ليقرأها وليطلع على ما قدّم في دنياه.
كما نقول مثلاً: أصل وصورة، فنعطيه صورة من كتابه ومن أعماله لتكونَ حجة عليه.
ومن معاني النسخ الإثبات الذي لا يترك شيئاً، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، قال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً.. [آل عمران: ٣٠] وقال: مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨].
آية رقم ٣٠
ما دمنا بصدد الحديث عن كتاب الأعمال الذي يقرأه الإنسان، فهذه الآية تتحدث عن النوع الاول وهو المؤمن الذي عمل صالحاً، فأخذ كتابه بيمينه ووجده على أحسن صورة ففرح به وتباهى.
فهذه الآية أوضحها الحق سبحانه في آية أخرى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ [الحاقة: ١٩-٢٤].
وتأمل هنا كلمة فِي رَحْمَتِهِ.. [الجاثية: ٣٠] فكأن الرحمة ظرف لهم يُدخلهم فيه ويعمُّهم به، فالرحمة تغمرهم وتحيط بهم من كلِّ جانب، فليس لهم هنا إلا الرحمة لأنهم شَقُوا في الدنيا وتحمَّلوا أعباء العبادة والعمل الصالح وتقلَّبوا بين نعمة وشقاء، ومكسب وخسارة، وصحة ومرض، أما هنا فلن يجدوا إلا رحمة الله تعمُّهم وتشملهم.
وكلمة آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. [الجاثية: ٣٠] دلتْ على أن الإيمان القلبي وحده لا يكفي، بل لا بدَّ له من ثمرة، وثمرة الإيمان وفائدته أنْ توظفه لخدمة امن آمنتَ به.
لذلك دائماً يقرن القرآن بين الإيمان والعمل الصالح، كما في قوله تعالى: وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. [العصر: ١-٣] لأن الإيمان بالله وبالبعث والحساب والقضاء والقدر يجعل الإنسان على يقين من أنه محاسبٌ مسئول عن كلِّ تقصير.
وما دام أنك ستُسأل فلا بدَّ أنْ تكون يقظاً لا تستهين بالذنب مهما كان صغيراً، ولا تزهد في الخير مهما كان يسيراً، فمَنْ كانت نهايته الحساب كان جديراً ألاَّ تُفلتَ منه هذه المسائل إلا سَهْواً أو نسياناً، فالسهو والنسيان يجبرهما الاستغفار والتوبة.
وقلنا: من رحمة الحق بالخلْق أنْ شرع لهم التوبة مجرد مشروعية التوبة، وفَتْح بابها للناس رحمة، رحمةٌ بالمقصِّر المذنب، ورحمة بالمجتمع الذي يَشْقى بذنوب المذنبين.
وقوله سبحانه: ذَلِكَ.. [لجاثية: ٣٠] إشارة إلى دخول أهل الإيمان والعمل الصالح في رحمته هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ [الجاثية: ٣٠] الواضح المحيط بالنفع الكامل، بحيث لا يتسرب إليه شيء يناقض الحق في الرحمة. ثم في المقابل:
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ... .
فهذه الآية أوضحها الحق سبحانه في آية أخرى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ [الحاقة: ١٩-٢٤].
وتأمل هنا كلمة فِي رَحْمَتِهِ.. [الجاثية: ٣٠] فكأن الرحمة ظرف لهم يُدخلهم فيه ويعمُّهم به، فالرحمة تغمرهم وتحيط بهم من كلِّ جانب، فليس لهم هنا إلا الرحمة لأنهم شَقُوا في الدنيا وتحمَّلوا أعباء العبادة والعمل الصالح وتقلَّبوا بين نعمة وشقاء، ومكسب وخسارة، وصحة ومرض، أما هنا فلن يجدوا إلا رحمة الله تعمُّهم وتشملهم.
وكلمة آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. [الجاثية: ٣٠] دلتْ على أن الإيمان القلبي وحده لا يكفي، بل لا بدَّ له من ثمرة، وثمرة الإيمان وفائدته أنْ توظفه لخدمة امن آمنتَ به.
لذلك دائماً يقرن القرآن بين الإيمان والعمل الصالح، كما في قوله تعالى: وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. [العصر: ١-٣] لأن الإيمان بالله وبالبعث والحساب والقضاء والقدر يجعل الإنسان على يقين من أنه محاسبٌ مسئول عن كلِّ تقصير.
وما دام أنك ستُسأل فلا بدَّ أنْ تكون يقظاً لا تستهين بالذنب مهما كان صغيراً، ولا تزهد في الخير مهما كان يسيراً، فمَنْ كانت نهايته الحساب كان جديراً ألاَّ تُفلتَ منه هذه المسائل إلا سَهْواً أو نسياناً، فالسهو والنسيان يجبرهما الاستغفار والتوبة.
وقلنا: من رحمة الحق بالخلْق أنْ شرع لهم التوبة مجرد مشروعية التوبة، وفَتْح بابها للناس رحمة، رحمةٌ بالمقصِّر المذنب، ورحمة بالمجتمع الذي يَشْقى بذنوب المذنبين.
وقوله سبحانه: ذَلِكَ.. [لجاثية: ٣٠] إشارة إلى دخول أهل الإيمان والعمل الصالح في رحمته هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ [الجاثية: ٣٠] الواضح المحيط بالنفع الكامل، بحيث لا يتسرب إليه شيء يناقض الحق في الرحمة. ثم في المقابل:
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ... .
آية رقم ٣١
هؤلاء في مقابل الذين آمنوا، وهؤلاء يأخذون كتابهم بشمالهم، قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ [الحاقة: ٢٥-٢٧].
إذن: جزاء هؤلاء النار، لكن قبل أنْ يدخلوها لا بدّ أنْ يُعاتبهم أو يُؤنِّبهم هذا التأنيب، ويُبيِّن لهم أنه لا عذرَ لهم في عدم الإيمان، فقد جاءتْهم الآيات البينات وجاءتهم الرسل فما قصّرنا في حقِّهم، وما تركناهم هَملاً، ولم نأخذهم على غِرَّة، وطالما دعوناهم وتحنَّنا إليهم.
ونلاحظ أن هؤلاء جمعوا بين الاستكبار عن الحق وبين الإجرام، فالاستكبار يعني ردّ الحق وعدم قبوله من صاحبه الذي جاء به وهو الرسول، ولَيْتَهم وقفوا عند هذا الحد وتركوا الناس في حالهم إنما تجاوزوا ذلك إلى الإجرام، وهو أن تهزأ بمَنْ آمن وتسخر منه.
وهذه المسألة شُرحَتْ في قوله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ [المطففين: ٢٩-٣٠] أي: سُخريةً واستهزاء.
ثم وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] وهذا يدل على أنه وأهله في الإجرام سواء، وأن الفساد يعمُّ الجميع.
ونحن نرى هذا الصنف من البشر في كلِّ زمان نراهم يسخرون ممَّنْ يصلي أو ممَّنْ يتشبَّه بسيدنا رسول الله، ونسمع منهم كلمات السخرية مع أنهم يقرأون معنا هذه الآية.
لكن الحق سبحانه يُطمئن أهل الإيمان ويقول لهم: لا تهتموا بهذا الذي ينالكم منهم في الدنيا، وانتظروا ما يحدث في الآخرة: فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٤-٣٦] نقول: نعم يا رب لقد جازيتهم بما يستحقون.
إذن: جزاء هؤلاء النار، لكن قبل أنْ يدخلوها لا بدّ أنْ يُعاتبهم أو يُؤنِّبهم هذا التأنيب، ويُبيِّن لهم أنه لا عذرَ لهم في عدم الإيمان، فقد جاءتْهم الآيات البينات وجاءتهم الرسل فما قصّرنا في حقِّهم، وما تركناهم هَملاً، ولم نأخذهم على غِرَّة، وطالما دعوناهم وتحنَّنا إليهم.
ونلاحظ أن هؤلاء جمعوا بين الاستكبار عن الحق وبين الإجرام، فالاستكبار يعني ردّ الحق وعدم قبوله من صاحبه الذي جاء به وهو الرسول، ولَيْتَهم وقفوا عند هذا الحد وتركوا الناس في حالهم إنما تجاوزوا ذلك إلى الإجرام، وهو أن تهزأ بمَنْ آمن وتسخر منه.
وهذه المسألة شُرحَتْ في قوله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ [المطففين: ٢٩-٣٠] أي: سُخريةً واستهزاء.
ثم وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] وهذا يدل على أنه وأهله في الإجرام سواء، وأن الفساد يعمُّ الجميع.
ونحن نرى هذا الصنف من البشر في كلِّ زمان نراهم يسخرون ممَّنْ يصلي أو ممَّنْ يتشبَّه بسيدنا رسول الله، ونسمع منهم كلمات السخرية مع أنهم يقرأون معنا هذه الآية.
لكن الحق سبحانه يُطمئن أهل الإيمان ويقول لهم: لا تهتموا بهذا الذي ينالكم منهم في الدنيا، وانتظروا ما يحدث في الآخرة: فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٤-٣٦] نقول: نعم يا رب لقد جازيتهم بما يستحقون.
آية رقم ٣٢
هؤلاء نوع آخر من المكذّبين بالبعث، فالنوع الأول متيقن ومُصدِّق أنه لا يوجد بعْث ولا حساب، وهؤلاء لم يصلوا إلى مرحلة اليقين، إنما هم يظنون أن هناك بعثاً، والظن أنْ ترجح شيئاً على شيء.
وسبق أن أوضحنا: أن النِّسَب خمسة: علم، وجهل، وشَكٌّ، وظنٌّ، ووهم. الظن أنْ تغلب الشيء الذي تظنه. والوهم: أن تغلب الباطل.
فهناك شيء أنت تجزم به، وشيء لا تجزم به، وما تجزم به وتُدلِّل عليه هو علم يقين، أما ما لا تستطيع التدليل عليه فليس علم يقين، بل تقليد، كأن يقول الطفل: قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١].
وهذا حق، لكن الطفل لا يستطيع أن يدلل عليه أو أن يقال شيء ومن يقوله جازم به وهو غير واقع، فذلك هو الجهل.
والعلم هو القضية المجزوم بها، وهى واقعة وعليها دليل على عكس الجهل الذي هو قضية مجزوم بها وليس عليها دليل.
والظن هو تساوي نسبتين في الإيجاب والسلب، بحيث لا تستطيع أن تجزم بأي منهما، لأنه إن رجحت كفة كانت قضية مرجوحة، والقضية المرجوحة هي شك أو ظن أو وهم، فالظن هو ترجيح النِّسب على بعضها، والشك هو تساوي الكفتين.
وسبق أن أوضحنا: أن النِّسَب خمسة: علم، وجهل، وشَكٌّ، وظنٌّ، ووهم. الظن أنْ تغلب الشيء الذي تظنه. والوهم: أن تغلب الباطل.
فهناك شيء أنت تجزم به، وشيء لا تجزم به، وما تجزم به وتُدلِّل عليه هو علم يقين، أما ما لا تستطيع التدليل عليه فليس علم يقين، بل تقليد، كأن يقول الطفل: قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١].
وهذا حق، لكن الطفل لا يستطيع أن يدلل عليه أو أن يقال شيء ومن يقوله جازم به وهو غير واقع، فذلك هو الجهل.
والعلم هو القضية المجزوم بها، وهى واقعة وعليها دليل على عكس الجهل الذي هو قضية مجزوم بها وليس عليها دليل.
والظن هو تساوي نسبتين في الإيجاب والسلب، بحيث لا تستطيع أن تجزم بأي منهما، لأنه إن رجحت كفة كانت قضية مرجوحة، والقضية المرجوحة هي شك أو ظن أو وهم، فالظن هو ترجيح النِّسب على بعضها، والشك هو تساوي الكفتين.
آية رقم ٣٣
يعني: ظهر لهم عملهم السيء في الدنيا وَحَاقَ بِهِم.. [الجاثية: ٣٣] يعني: أحاط بهم فلا يجدون منه مفراً ولا مهرباً مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الجاثية: ٣٣].
آية رقم ٣٤
هنا تأمل لطف الله ورحمته حتى بأعدائه والكافرين به، فالفعل وَقِيلَ.. [الجاثية: ٣٤] مبني للمجهول فلم يقُلْ قال الله، فمن رحمته بهم ألاَّ يُواجههم بهذه الحقيقة ٱلْيَوْمَ.. [الجاثية: ٣٤] أي: يوم القيامة نَنسَاكُمْ.. [الجاثية: ٣٤].
الحق سبحانه وتعالى لا ينسى، فالمعنى نترككم في العذاب مُهملين، ولا نلتفت إليكم بالرحمة، كما يترك الناس الأمر فلا يخطر ببالهم، لأنه لو خطر بباله ربما أخذتْه الرحمة بهم.
ثم يُبين الحق سبحانه علة هذا النسيان كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا.. [الجاثية: ٣٤] يعني: ننساكم في العذاب كما نسيتم هذا اليوم وكما تركتم العمل له وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ.. [الجاثية: ٣٤] المأوى: هو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ليرتاح من التعب، أو يأمن من الخوف، فما بالك إنْ كان مأوى هؤلاء النار ومُستقرهم ونهايتهم، ماذا يكون حالهم؟
وفوق هذا كله وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ [الجاثية: ٣٤] هذا قَطْعٌ للأمل في النجاة، وتيئيس لهم، فهُمْ في هذا المأوى لن يجدوا مَنْ يُخلِّصهم منه أو يعطف عليهم ويخفف عنهم العذاب، بل بالعكس سيتبرأون منكم ويتركونكم في العذاب، بل ويسبقونكم إليه، كما قال في فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ.. [هود: ٩٨].
الحق سبحانه وتعالى لا ينسى، فالمعنى نترككم في العذاب مُهملين، ولا نلتفت إليكم بالرحمة، كما يترك الناس الأمر فلا يخطر ببالهم، لأنه لو خطر بباله ربما أخذتْه الرحمة بهم.
ثم يُبين الحق سبحانه علة هذا النسيان كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا.. [الجاثية: ٣٤] يعني: ننساكم في العذاب كما نسيتم هذا اليوم وكما تركتم العمل له وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ.. [الجاثية: ٣٤] المأوى: هو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ليرتاح من التعب، أو يأمن من الخوف، فما بالك إنْ كان مأوى هؤلاء النار ومُستقرهم ونهايتهم، ماذا يكون حالهم؟
وفوق هذا كله وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ [الجاثية: ٣٤] هذا قَطْعٌ للأمل في النجاة، وتيئيس لهم، فهُمْ في هذا المأوى لن يجدوا مَنْ يُخلِّصهم منه أو يعطف عليهم ويخفف عنهم العذاب، بل بالعكس سيتبرأون منكم ويتركونكم في العذاب، بل ويسبقونكم إليه، كما قال في فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ.. [هود: ٩٨].
آية رقم ٣٥
ذَلِكُم.. [الجاثية: ٣٥] أي: الذي نزل بكم وحاق بكم من العذاب، سببه أعمالكم السيئة في الدنيا، فهو جزاء وفاقٌ ولم نظلمهم مثقال ذرة ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً.. [الجاثية: ٣٥] أي: مهزوءاً بها، فهم أنكروها وكذَّبوا بها وسخروا منها.
وكلمة هُزُواً.. [الجاثية: ٣٥] مبالغة في الاستهزاء كما تقول: فلان عادل وفلان عدل. يعني: هو العدل نفسه.
وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا.. [الجاثية: ٣٥] أي: خدعتكم بزخرفها وبهجتها وبهرجها فعملتم لها ونسيتم العمل للآخرة فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا.. [الجاثية: ٣٥] أي: من النار.
وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ [الجاثية: ٣٥] من الفعل عتب، والعتاب لا يكون إلا بين الأحبَّة، لذلك قالوا: ويبقى الود ما بقي العتاب، فإذا أسأتَ مثلاً إلى صديق لك فيأتي هو إليك ويُعاتبك، ويريد أنْ يسمع منك اعتذاراً أو عذراً ليستديم مودتك، لأنه لا يريد القطيعة بينكما.
فيُقال: استعتب فلان فأعتبه. يعني: أزال سبب عتابه، وهذه الهمزة تسمى همزة الإزالة، قال الشاعر:
أمَّا العتَابُ فَبالأحبَّةِ أخْلَقُ والحُبُّ يصلحُ بالعتَاب ويصْدُقُ
لذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما عاد من الطائف بعد أنْ آذاه أهلها جلس يناجي ربه: إنْ لم يكُنْ بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكنه تذكر فقال: لكن عافيتك هي أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى.
يعني: لك عندي يا رب ما أزيل به عتابك، يعنى: لام على شيء ظنه تقصيراً.
إذن: أعتبه أزال عتابه، مثل: أعجم الحرف يعني أزال عُجْمته، وتعرفون أن الحروف العربية كانت تُكتب أولاً بدون نقط اعتماداً على المَلَكة العربية الصافية التي تستطيع أنْ تستشفّ الحرف المراد. فلما ضعُفَتْ هذه المَلَكة عند الناس احتاجوا إلى النقْط لفهم المعنى المراد.
فالحق سبحانه يقول عن هؤلاء وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ [الجاثية: ٣٥] لا يُقبل منهم عتاب، ولا يُقبل لهم عذرٌ، ولا يُقبل فيهم شفاعة، فإنْ طلبوا إرضاء الله تعالى بأيِّ وسيلة تُرد ولا تُقبل، حتى التوبة لأنها لا تفيد في هذا اليوم.
وكلمة هُزُواً.. [الجاثية: ٣٥] مبالغة في الاستهزاء كما تقول: فلان عادل وفلان عدل. يعني: هو العدل نفسه.
وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا.. [الجاثية: ٣٥] أي: خدعتكم بزخرفها وبهجتها وبهرجها فعملتم لها ونسيتم العمل للآخرة فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا.. [الجاثية: ٣٥] أي: من النار.
وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ [الجاثية: ٣٥] من الفعل عتب، والعتاب لا يكون إلا بين الأحبَّة، لذلك قالوا: ويبقى الود ما بقي العتاب، فإذا أسأتَ مثلاً إلى صديق لك فيأتي هو إليك ويُعاتبك، ويريد أنْ يسمع منك اعتذاراً أو عذراً ليستديم مودتك، لأنه لا يريد القطيعة بينكما.
فيُقال: استعتب فلان فأعتبه. يعني: أزال سبب عتابه، وهذه الهمزة تسمى همزة الإزالة، قال الشاعر:
أمَّا العتَابُ فَبالأحبَّةِ أخْلَقُ والحُبُّ يصلحُ بالعتَاب ويصْدُقُ
لذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما عاد من الطائف بعد أنْ آذاه أهلها جلس يناجي ربه: إنْ لم يكُنْ بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكنه تذكر فقال: لكن عافيتك هي أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى.
يعني: لك عندي يا رب ما أزيل به عتابك، يعنى: لام على شيء ظنه تقصيراً.
إذن: أعتبه أزال عتابه، مثل: أعجم الحرف يعني أزال عُجْمته، وتعرفون أن الحروف العربية كانت تُكتب أولاً بدون نقط اعتماداً على المَلَكة العربية الصافية التي تستطيع أنْ تستشفّ الحرف المراد. فلما ضعُفَتْ هذه المَلَكة عند الناس احتاجوا إلى النقْط لفهم المعنى المراد.
فالحق سبحانه يقول عن هؤلاء وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ [الجاثية: ٣٥] لا يُقبل منهم عتاب، ولا يُقبل لهم عذرٌ، ولا يُقبل فيهم شفاعة، فإنْ طلبوا إرضاء الله تعالى بأيِّ وسيلة تُرد ولا تُقبل، حتى التوبة لأنها لا تفيد في هذا اليوم.
آية رقم ٣٦
أولاً: كلمة (لله الحمد) جملة من مبتدأ وخبر قُدِّم فيها الخبر لإفادة قصر الحمد على الله وحده، فالحمد واجب لله تعالى قبل كل شيء، واجب لله على أنه خَلَقَ من عدم وأمدَّ من عُدم، وهدى الناس بآياته البينات إلى سبيل الحق.
الحمد واجب لله على قيومته، وعلى المنهج الذي هدانا به، وعلى دار الجزاء التي يثيب فيها المؤمن ويعاقب فيها الكافر، الحمد واجب لله على أنْ أحيانا بروح منه أحيت مادتنا في الدنيا، وروح منه أحيَتْ قيمنا في الآخرة.
لذلك خاطبنا ونحن أحياء قال: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ.. [الأنفال: ٢٤] فالمراد بالحياة هنا حياة القيم التي تمنحك الحياة الباقية الخالدة في الآخرة.
وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٦٤].
يعني: الحياة الحقيقة التي تستحق أن نعمل لها.
ومن نِعَمه تعالى التي تستوجب الحمد أنْ علَّمنا كيف نحمده سبحانه بهذه الكلمة الخفيفة على اللسان التي يستوي في نُطْقها العالم والأمي. الكل يقول: الحمد لله. الكل يثني على الله بلفظ واحد، ولَو لم تكُنْ هذه المساواة لَفَاز المتعلمون والبُلغاء وأصحاب الفصاحة والبيان وخسر الأمي الذي لا يحسن الكلام والعيي الذي لا يقدر على التعبير.
لذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نبَّهنا إلى هذه المسألة، حين قال في الثناء على الله تعالى: ومعنى فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ.. [الحاثية: ٣٦] أن الحمد حقٌّ لله دائم لا ينقطع ولا ينتهي، لا من الحامد ولا من المحمود عليه.
ثم يأتي الحق سبحانه بالحيثية على الحمد لله رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [الجاثية: ٣٦] والرب هو المُربِّي والمالك والمعطي، فكيف لا يُحمد؟
الحمد واجب لله على قيومته، وعلى المنهج الذي هدانا به، وعلى دار الجزاء التي يثيب فيها المؤمن ويعاقب فيها الكافر، الحمد واجب لله على أنْ أحيانا بروح منه أحيت مادتنا في الدنيا، وروح منه أحيَتْ قيمنا في الآخرة.
لذلك خاطبنا ونحن أحياء قال: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ.. [الأنفال: ٢٤] فالمراد بالحياة هنا حياة القيم التي تمنحك الحياة الباقية الخالدة في الآخرة.
وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٦٤].
يعني: الحياة الحقيقة التي تستحق أن نعمل لها.
ومن نِعَمه تعالى التي تستوجب الحمد أنْ علَّمنا كيف نحمده سبحانه بهذه الكلمة الخفيفة على اللسان التي يستوي في نُطْقها العالم والأمي. الكل يقول: الحمد لله. الكل يثني على الله بلفظ واحد، ولَو لم تكُنْ هذه المساواة لَفَاز المتعلمون والبُلغاء وأصحاب الفصاحة والبيان وخسر الأمي الذي لا يحسن الكلام والعيي الذي لا يقدر على التعبير.
لذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نبَّهنا إلى هذه المسألة، حين قال في الثناء على الله تعالى: ومعنى فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ.. [الحاثية: ٣٦] أن الحمد حقٌّ لله دائم لا ينقطع ولا ينتهي، لا من الحامد ولا من المحمود عليه.
ثم يأتي الحق سبحانه بالحيثية على الحمد لله رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [الجاثية: ٣٦] والرب هو المُربِّي والمالك والمعطي، فكيف لا يُحمد؟
آية رقم ٣٧
وهذه حيثية أخرى لوجوب الحمد لله، أنْ يتصف سبحانه بصفة الكبرياء، والكبرياء هو العظمة والجلال والقهر، وأيضا الأسلوب هنا أسلوب قَصْر وَلَهُ الْكِبْرِيَآءُ.. يعني: له وحده، وهذه من أعظم نِعَم الله علينا حتى لا نكون عبيداً لغيره.
فالله ما جعلك عبداً له إلا ليكفيك العبودية لغيره، ولولا هذا الكبرياء لله تعالى لكنّا عبيداً لكل ذي قوة ولكل مَنْ نحتاج إليه، حتى الحداد والنجار الذي يقضي لك مصلحة يمكن أنْ يستعبدك.
إذن: معنى وَلَهُ الْكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.. كأنه يقول لك: اطئمن يا عبدي فلن تكون عبداً لغيري، فالعظمة والجلال والكبرياء لي وحدي وأنا لكم جميعاً، والخلق كلهم عيالي، وأحبُّهم إليَّ أرأفهم بعيالي...
والحديث القدسي يؤكد هذه الصفة لله تعالى وحده، فقال سبحانه في الحديث القدسي:"الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمَنْ نازعني واحداً منهما قذفتُه في النار".
لماذا؟ لأنه لم يخلق هذا الخَلْق ولا يُؤتمن عليه، لذلك الإنسان لا يتكبَّر على الخَلْق إلا إذا حُجبت نفسه عن استحضار كبرياء الحق سبحانه: إنما الذي يستحضر في نفسه دائماً كبرياء الله يستحي أنْ يتكبَّر، وأنْ ينازع ربَّه في هذه الصفة...
وقوله: وَهُوَ الْعِزِيزُ الْحَكِيمُ العزيز هو الغالب الذي لا يُغلب، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه، فصفة الكبرياء لله تعالى لا تعني القهر والجبروت والفتونة بلا ضابط، بل هو أيضاً سبحانه حكيم يُصرِّف الأمور وفق حكمة مطلقة.
والمتأمل في سورة الجاثية يجد أنها بدأتْ بقول الله تعالى: حـمۤ * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجاثية: ١-٢] وختمتْ أيضاً بقوله تعالى: وَهُوَ الْعِزِيزُ الْحَكِيمُ.
وكأن السورة وُضعتْ بين قوسين من العزة والحكمة لله تعالى والكبرياء والحمد لله سبحانه، ومن العجيب أن الأحقاف بعدها بدأتْ أيضاً بقول الله تعالى: حـمۤ * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجاثية: ١-٢].
فكأن الله تعالى يؤكد على هذه الصفات ويُرسِّخها في نفوس المؤمنين ليزيدهم اطمئناناً به سبحانه وبمنهجه.
وكأنه سبحانه يقول لهم: اطمئنوا، فالذي أنعم عليكم قديماً بأنْ أوجدكم من عدم وأحيا مادتكم بروح منه، ثم أمدَّكم بمقوِّمات الحياة واستبقائها وهداكم إليه بآياته التي تُحيي قلوبكم وتعطيكم الحياة الباقية يوم القيامة.
فهو سبحانه كما ضمن لكم الماضي يضمن لكم المستقبل، فنِعَمه لا تُسلب، وعطاؤه لا ينفد، لأن له الكبرياء في السماوات والأرض، فلا تُوجد قوة غيره سبحانه تنقض هذا الخير أو تمنعه عنكم.
والحق سبحانه وتعالى حينما يجمع بين صفتي العزة والحكمة إنما ليقول لنا: انتبهوا إذا أصابتكم أحداثٌ تناقض هذه العزة في مشوار الدعوة، فاعلموا أنها ما حدثتْ إلا لحكمة.
فقد يقول قائل مثلاً: إذا كان الله عزيزاً لا يغلب، فلماذا ترك رسوله لأهل الطائف يؤذونه ويسبُّونه ويقذفونه بالحجارة حتى أدموْا قدميه الشريفتين.
نقول: ابحثوا عن الحكمة، فمن الحكمة المرادة لله تعالى حين يعلو الشر أنْ يُمحص أهل الخير، وأنْ يُصفي قاعدة الإسلام بحيث لا يثبت عليه إلا الأشداء في العقيدة الثابتون على الحق، فلا يحيدون عنه، فعلى أكتاف هؤلاء سيُحمل الدين وتنتشر الدعوة، فلا بدَّ من التمحيص وتمييز المؤمنين من المنافقين...
فالله ما جعلك عبداً له إلا ليكفيك العبودية لغيره، ولولا هذا الكبرياء لله تعالى لكنّا عبيداً لكل ذي قوة ولكل مَنْ نحتاج إليه، حتى الحداد والنجار الذي يقضي لك مصلحة يمكن أنْ يستعبدك.
إذن: معنى وَلَهُ الْكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.. كأنه يقول لك: اطئمن يا عبدي فلن تكون عبداً لغيري، فالعظمة والجلال والكبرياء لي وحدي وأنا لكم جميعاً، والخلق كلهم عيالي، وأحبُّهم إليَّ أرأفهم بعيالي...
والحديث القدسي يؤكد هذه الصفة لله تعالى وحده، فقال سبحانه في الحديث القدسي:"الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمَنْ نازعني واحداً منهما قذفتُه في النار".
لماذا؟ لأنه لم يخلق هذا الخَلْق ولا يُؤتمن عليه، لذلك الإنسان لا يتكبَّر على الخَلْق إلا إذا حُجبت نفسه عن استحضار كبرياء الحق سبحانه: إنما الذي يستحضر في نفسه دائماً كبرياء الله يستحي أنْ يتكبَّر، وأنْ ينازع ربَّه في هذه الصفة...
وقوله: وَهُوَ الْعِزِيزُ الْحَكِيمُ العزيز هو الغالب الذي لا يُغلب، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه، فصفة الكبرياء لله تعالى لا تعني القهر والجبروت والفتونة بلا ضابط، بل هو أيضاً سبحانه حكيم يُصرِّف الأمور وفق حكمة مطلقة.
والمتأمل في سورة الجاثية يجد أنها بدأتْ بقول الله تعالى: حـمۤ * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجاثية: ١-٢] وختمتْ أيضاً بقوله تعالى: وَهُوَ الْعِزِيزُ الْحَكِيمُ.
وكأن السورة وُضعتْ بين قوسين من العزة والحكمة لله تعالى والكبرياء والحمد لله سبحانه، ومن العجيب أن الأحقاف بعدها بدأتْ أيضاً بقول الله تعالى: حـمۤ * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجاثية: ١-٢].
فكأن الله تعالى يؤكد على هذه الصفات ويُرسِّخها في نفوس المؤمنين ليزيدهم اطمئناناً به سبحانه وبمنهجه.
وكأنه سبحانه يقول لهم: اطمئنوا، فالذي أنعم عليكم قديماً بأنْ أوجدكم من عدم وأحيا مادتكم بروح منه، ثم أمدَّكم بمقوِّمات الحياة واستبقائها وهداكم إليه بآياته التي تُحيي قلوبكم وتعطيكم الحياة الباقية يوم القيامة.
فهو سبحانه كما ضمن لكم الماضي يضمن لكم المستقبل، فنِعَمه لا تُسلب، وعطاؤه لا ينفد، لأن له الكبرياء في السماوات والأرض، فلا تُوجد قوة غيره سبحانه تنقض هذا الخير أو تمنعه عنكم.
والحق سبحانه وتعالى حينما يجمع بين صفتي العزة والحكمة إنما ليقول لنا: انتبهوا إذا أصابتكم أحداثٌ تناقض هذه العزة في مشوار الدعوة، فاعلموا أنها ما حدثتْ إلا لحكمة.
فقد يقول قائل مثلاً: إذا كان الله عزيزاً لا يغلب، فلماذا ترك رسوله لأهل الطائف يؤذونه ويسبُّونه ويقذفونه بالحجارة حتى أدموْا قدميه الشريفتين.
نقول: ابحثوا عن الحكمة، فمن الحكمة المرادة لله تعالى حين يعلو الشر أنْ يُمحص أهل الخير، وأنْ يُصفي قاعدة الإسلام بحيث لا يثبت عليه إلا الأشداء في العقيدة الثابتون على الحق، فلا يحيدون عنه، فعلى أكتاف هؤلاء سيُحمل الدين وتنتشر الدعوة، فلا بدَّ من التمحيص وتمييز المؤمنين من المنافقين...
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
37 مقطع من التفسير