قوله تعالى : وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [ البقرة : ١٠٢ ] أي من السِّحر، فهو معطوف على السِّحر قبله، وسوّغ عليه تغايرهما لفظا، والملكان أنزلهما الله تعالى لتعليم السّحر، ابتلاء منه للناس( (١) ).
فإن قلتَ : هذا يدلّ على جواز تعليم السحر، فلا يكون حراما ! ؟
قلتُ : الحرام تعليمه ليُعمل به، لا ليُجتنب فإنه جائز، كما لو سُئل إنسان عن الزّنا، لزمه بيانه للسائل ليعرفه فيجتنبه( (٢) ).
قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ إلى : لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [ البقرة : ١٠٢ ].
إن قلتَ : كيف أثبت لهم العلم أولا مؤكدا بلام القسم، ونفاه عنهم آخرا ؟
قلتُ : المثبت لهم علمهم بأن من اختار السِّحر، ماله في الآخرة من نصيب، والمنفيّ عنهم علمهم بحقيقة ما يصيرون إليه فيها.
أو المثبت لهم العلم مطلقا، والمنفيّ عنهم العقل، لأنه أصل العلم، فإذا انتفى انتفى( (٣) ).
٢ - هذا كما قال الشاعر:
عرفت الشـرَّ لا للشـرِّ لـكـن لـتـوقّـيـه
ومن لا يعرفِ الشرَّ من الـنـاس يقـعُ فـيـهِ.
٣ - أي إذا انتفى عنهم العقل انتفى عنهم العلم، والآية جارية على الأسلوب المعروف في فنون البلاغة، من أن العالم بالشيء إذا لم يعمل به، ينزّل منزلة الجاهل به..
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي المصري الشافعي