واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان
تفسير المفردات
كفر : أي سحر، والسحر : لغة كل ما لطف مأخذه وخفي سببه، وسحره : خدعه، وجاء في كلامهم : عين ساحرة وعيون سواحر، وفي الحديث :( إن من البيان لسحرا ) والإنزال : الإلهام، وسمي بذلك لأنهما ألهماه واهتديا إليه من غير معلم، والملكان : رجلان صاحبا هيبة ووقار يجلهما الناس ويحترمونهما، وبابل : بلد بالعراق لها شهرة تاريخية قديمة، والخلاق : النصيب والحظ، وشروا : أي باعوا.
المعنى الجملي :
بين سبحانه في هذه الآيات حالا من أحوالهم هي علة ما يصدر عنهم من جحود وعناد ومعاداة النبي صلى الله عليه وسلم، هي أن فريقا منهم نبذوا كتاب الله الذي به يفخرون، حين جاء الرسول بكتاب مصدق لما بين يديه، فإن ما في كتابهم من البشارة بنبي يجيء من ولد إسماعيل لا ينطبق إلا على هذا النبي الكريم.
وليس المراد أنهم نبذوا الكتاب جملة وتفصيلا، بل نبذوا منه ما يبشر بالنبي صلى الله عليه وسلم ويبين صفاته وما يأمرهم بالإيمان به وإتباعه، ولا شك أن ترك بعضه كترك كله، إذ أنه يذهب باحترام الوحي ويفتح الباب لترك الباقي.
وهذا الجحود لم يكن بضائر للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لدعوته فقد قبلها واهتدى بها كثير من اليهود ومن غيرهم.
وحين نبذوه اشتغلوا بصناعات وأعمال صادة عن الأديان من صنع شياطين الإنس والجن، فاشتغلوا بالسحر والشعوذة والطلسمات التي نسبوها إلى سليمان وزعموا أن ملكه كان قائما عليها.
وهذه أباطيل منهم وسوسوا بها إلى بعض المسلمين فصدقوهم فيما زعموا منها، وكذبوهم فيما رموا به سليمان من الكفر، ولا يزال حال الدجالين من المسلمين إلى اليوم يتلون العزائم ويخطون خطوطا ويعملون طلسمات يسمونها خاتم سليمان، وعهودا يزعمون أنها تحفظ من يحملها من اعتداء الجن ومس العفاريت.
وإنما قص القرآن علينا هذا القصص للذكرى، وليبين لنا ما افتراه أهل الأهواء على سليمان من أمر السحر فكان صادا عن العمل بالدين وأحكامه لدى اليهود، ومن ثم لم يهتدوا بالنبي الذي بشر به كتابهم
الإيضاح :
أي واتبع فريق من أحبار اليهود وعلمائهم الذين نبذوا التوراة تجاهلا منهم بما هم عالمون –اتبعوا السحر الذي تلته الشياطين في عهد سليمان بن داود وعملوا به، وذلك هو الخسران المبين.
وقد زعموا أن سليمان هو الذي جمع كتب السحر من الناس ودفنها تحت كرسيه ثم استخرجها الناس وتناقلوها، وهذا من مفتريات أهل الأهواء نسبوها إليه كذبا وبهتانا.
وما كفر سليمان أي وما سحر، لأنه لو فعل ذلك فقد كفر، إذ كونه نبيا ينافي كونه ساحرا، فالسحر خداع وتمويه، والأنبياء مبرءون من ذلك.
ولكن الشياطين كفروا أي ولكن الشياطين من الإنس والجن الذين نسبوا إليه ما انتحلوه من السحر ودونوه وعلموه الناس هم الذين كفروا.
يعلمون الناس السحر قد جاء ذكر السحر في القرآن في مواضع كثيرة ولا سيما في قصص موسى وفرعون، ووصفه بأنه خداع وتخييل للأعين حتى ترى ما ليس بكائن كائنا كما قال : يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى وقال في آية أخرى فسحروا أعين الناس واسترهبوهم .
والآية نص صريح على أن السحر كان يعلم ويلقن، والتاريخ يؤيد هذا.
والسحر إما حيلة وشعوذة، وإما صناعة وعلم خفي يعرفه بعض الناس ويجهله الكثير منهم، ومن ثم يسمون العمل به سحرا لخفاء سببه عليهم. وقد روى المؤرخون أن سحرة فرعون استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصور الحيات والثعابين حتى خيل إلى الناس أنها تسعى.
وقد اعتاد الذين اتخذوه صناعة للمعاش أن يتكلموا بأسماء غريبة وألفاظ مبهمة، اشتهر بين الناس أنها من أسماء الشياطين وملوك الجن، ليوهموهم أن الجن يستجيبون دعاءهم ويسخرون لهم، وهذا هو منشأ اعتقاد العامة أن السحر عمل يستعان عليه بالشياطين وأرواح الكواكب.
ولمثل هذا تأثير في إثارة الوهم دلت التجربة على وجوده، وهو يغني منتحل السحر عن توجيه همته وتأثير إرادته فيمن يعمل له السحر.
وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت في الملكين قراءتان فتح اللام وكسرها، وهما رجلان شبها، إما بالملائكة لانفرادهما بصفات محمودة، وقد جرت العادة أن يقولوا هذا ملك وليس بإنسان، وإما بالملوك كما يقال لمن كان سيدا عزيزا يظهر الغنى عن الناس : هذا من الملوك، وكان الناس في عهد هاروت وماروت كحالهم اليوم لا يقصدون للفصل في شئونهم الروحية إلا أهل السمت والوقار الذين يلبسون لباس أهل الصلاح والتقوى.
وظاهر الآية يدل على أن ما أنزل على الملكين غير السحر لكنه من جنسه، وقد ألهماه واهتديا إليه بلا أستاذ ولا معلم، وقد يسمى مثل هذا وحيا كما في قوله : وأوحى ربك إلى النحل وقوله : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه .
وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر أي وما يعلم الملكان أحدا حتى ينصحاه ويقولا له : إنما نحن ابتلاء من الله عز اسمه، فمن تعلم منا وعمل به كفر، ومن تعلم ولم يعمل به ثبت على الإيمان، فلا تكفر باعتقاده وجواز العمل به. وفي هذا إيماء إلى أن تعلم السحر وكل ما لا يجوز إتباعه والعمل به ليس محظورا، وإنما الذي يحظر ويمنع هو العمل به فحسب.
وإنما كانا يقولان ذلك إبقاء على حسن اعتقاد الناس فيهما، إذ كانا يقولان إنهما ملكان، كما نسمع الآن من الدجالين الذين يحترفون مثل ذلك لمن يعلمونهم الكتابة للحب والبغض، نوصيك بألا تكتب هذا لجلب امرأة إلى حب غير زوجها ولا تكتب لأحد الزوجين أن يبغض الآخر، بل تجعل ذلك للمصلحة العامة كالحب بين الزوجين، والتفريق بين عاشقين فاسقين، وهذا منهم إيهام بأن علومهم إلهية وصناعتهم روحية.
فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه أي كانوا يتعلمون منهما ما وضع لأجل التفريق بين الزوجين، مما يسمى الآن [ كتاب البغضة ].
والآية لا ترشد إلى حقيقة ما يتعلمونه من السحر – أمؤثر بطبعه أو بسبب خفي أو بخارق من خوارق العادات، أم غير مؤثر ؟ كما أنها لم تبين نوع ما يتعلمونه، أتمائم وكتابة هو، أم تلاوة رقى وعزائم، أم أساليب سعاية، أم دسائس تنفير ونكاية، أم تأثير نفساني، أم وسواس شيطاني ؟ فأي ذلك أثبته العلم كان تفصيلا لما أجمله القرآن ولا نتحكم في حمله على نوع منها، ولو علم الله الخير في بيانه لبينه، ولكنه وكل ذلك إلى بحوث الناس وارتقائهم في العلم، فهو الذي يجلي الغامض، ويكشف الحقائق.
وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله أي إن هذين لم يعطيا شيئا من القوى الغيبية فوق ما أعطى سائر الناس، بل هي أسباب ربط الله بها مسبباتها، فإذا أصيب أحد بضرر بعمل من أعمالهم، فإنما ذلك بإذنه تعالى، فهو الذي يوجد المسببات حين حصول الأسباب :
ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم من قبل أنه سبب في إضرار الناس، وهذا مما يعاقب الله عليه، ومن عرف بإيذاء الناس أبغضوه واجتنبوه ولا نفع لهم فيه، فإنا نرى منتحلي هذه المهن من أفقر الناس وأحقرهم، وذلك حالهم في الدنيا، فما بالك بهم في الآخرة يوم يجزى كل عامل بما عمل.
ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق أي إنهم عالمون بأن من اختار هذا وقدمه على العلم بأصول الدين وأحكام الشريعة التي توصل إلى السعادة في الدارين فليس له حظ في الآخرة، لأنه قد خالف حكم التوراة التي حظرت تعلم السحر، وجعلت عقوبة من اتبع الجن والشياطين والكهان كعقوبة عابدي الأصنام والأوثان.
ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون أي ولبئس ما باعوا به أنفسهم السحر، وعبر عن بيع الإيمان يبيع النفس، لأنها إنما خلقت لمعرفة الدين والعمل به، أي أنهم لو كانوا يعلمون حرمة السحر علما يصدر عن اعتقاد له أثر في النفس ويصدقون بما توعد به مرتكبه من العقوبة – لما ارتكبوه ولا أصروا عليه، لكنهم خانهم هذا النوع من العلم واكتفوا بعلم مبهم لا أثر له في النفس، فتسرب إليهم كثير من التأويل والتحريف لنصوص التوراة.
وهذا هو ما يفعل مثله بعض المسلمين اليوم، إذ ينتهكون بعض حرمات الدين بمثل تلك التأويلات، فيمنعون الزكاة بحيلة، ويأكلون أموال الناس بحيلة أخرى، ويشهدون الزور بحيلة ثالثة وهكذا.
تفسير المراغي
المراغي