مبحث السحر وهاروت وماروت
ثم ذكر تعالى أن أولئك الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم مجاحدة للنبي صلى الله عليه وسلم وحسدا له قد تبدلوا الكفر بالإيمان واشتروا الضلالة بالهدى واتبعوا ما تتلوا الشياطين من الإنس في قصصها وأساطيرها، أو من الجن في وسوستها، أو منهما جميعا، على حد قوله تعالى ٦ : ١١٦ شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) { على ملك سلميان أي ما كانت تتلو على عهده وفي أيام ملكه، إذ زعموا أن ملكه قام على أساس السحر والطلسمات، وأنه ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام مرضاة لنسائه الوثنيات وما كفر سليمان وما سحر ولكن أولئك الشياطين الذين يسندون إليه ما انتحلوه من السحر، وما تلبسوا من الكفر، هم الذين كفروا – يعلمون الناس السحر ليفتنوا به العامة ويضلونهم عن طلب الأشياء من أسبابها الظاهرة ومناهجها المشروعة.
هذه الأوهام والأكاذيب على نبي الله سليمان عليه السلام مما افتجره بعض الدجالين من بني إسرائيل ووسوسوا به إلى بعض المسلمين فصدقوهم في بعض ما زعموه من حكايات السحر، وكذبوهم فيما رموا به سليمان من الكفر، وإنك لترى دجاجلة المسلمين إلى اليوم يتلون أقساما وعزائم، ويخطون خطوطا وطلاسم ويسمون ذلك خاتم سليمان وعهوده، ويزعمون أنها تقي حاملها من اعتداء الجن ومس العفاريت، ولقد رأى كاتب هذا التفسير شيئا من ذلك، وكان في أيام حداثته يصدق به ويعتقد فائدته.
وقد زعم اليهود أن سليمان سحر ودفن السحر تحت كرسيه، وأنه أضاع خاتمه الذي كان به ملكه، فوقع في يد آخر وجلس مجلسه للحكم الخ ما خلطوا فيه التاريخ بالدجل. وروي عنهم أن سليمان هو الذي جمع كتب السحر من الناس ودفنها تحت كرسيه ثم استخرجها الناس وتناقلوها. وفي رواية أخرى أنه إنما دفن تحت كرسيه كتبا أخرى في العلوم فلما استخرجت أشاع الشياطين أنها كتب سحر، وأنشأ الدجالون بعد ذلك ينتحلون ما شاءوا وينسبونه إلى تلك الكتب. ولا شك أن ما قالوه على سليمان وملكه من خبر السحر والكفر مكذوب افتراه أهل الأهواء وقد قصه الله تعالى علينا لنعتبر بما افتراه هؤلاء الناس على الأنبياء، وبترجيح فريق من خلفهم الاشتغال بذلك على الاهتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى إنهم نبذوا كتابهم الذي بشر به وراء ظهورهم.
ومن البديهي أن ذكر القصة في القرآن لا يقتضي أن يكون كل ما يحكى فيها عن الناس صحيحا فذكر السحر في هذه الآيات لا يستلزم إثبات ما يعتقد الناس منه كما أن نسبة الكفر إلى سليمان التي علمت من النفي لا تستلزم أن تكون صحيحة لأنها ذكرت في القرآن ولو لم يكن ذكرها في سياق النفي.
( قال الأستاذ الإمام ما مثاله ) بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين، وإنه ليحكي من عقائدهم الحق والباطل، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب، ومن عاداتهم النافع والضار، لأجل الموعظة والاعتبار، فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز موطن الهداية، ولا بدّ أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح. وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكي عنهم وإن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وكقوله بلغ مطلع الشمس وهذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرا من كتاب العربية وكتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشر في خطبهم ومقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء ولا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية. ويقول أهل السواحل غربت الشمس أو سقط قرص الشمس في البحر أو في الماء، ولا يعتقدون ذلك وإنما يعبرون به عن المرئي.
جاء ذكر السحر في مواضع متعددة في القرآن وأكثره في قصة موسى وفرعون وذكر هنا في الكلام اليهود. وإذا أردنا فهمه من عرف اللغة وجدنا أن السحر عند العرب كل ما لطف مأخذه ودق وخفى، وقالوا سحره وسحّره بمعنى خدعه وعلله، وقالوا عين ساحرة وعيون سواحر، وفي الحديث الصحيح " إن من البيان لسحرا " والسحر بالفتح وبالتحريك الرئة وهي أصل هذه المادة والرئة في الباطن فما لطف مأخذه ودق صنعه حتى لا يهتدي إليه غير أهله فهو باطن خفى ومنه الخداع وهو أن يظهر لك شيئا غير الواقع في نفس الأمر فالواقع باطن خفى، وتأثير العيون في عشاق الحسان، والكلام البليغ في عشاق البيان، مما يخفى مسلكه ويدق سببه، حتى يعسر على أكثر الناس الوقوف على العلة في تأثيره.
وقد وصف الله السحر في القرآن بأنه تخييل يخدع الأعين فيرميها ما ليس بكائن كائنا فقال يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى والكلام في حبال السحرة وعصيهم وفي رواية أخرى فسحروا أعين الناس واسترهبوهم وفي هذه الآية التي نفسرها أن السحر كان يؤخذ بالتعليم والتاريخ يشهد بهذا، وقد كان المصريون يطلقون لقب الساحر على العالم كما يؤخذ من قوله تعالى وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك ومجموع هذه النصوص يدل على أن السحر إما حيلة وشعوذة، وإما صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس ويجهلها الأكثرون فيسمون العمل بها سحرا لخفاء سببه ولطف مأخذه، ويمكن أن يعد منه تأثير النفس الإنسانية في نفس أخرى لمثل هذه العلة. وقد قال المؤرخون إن سحرة فرعون قد استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصور الحيات والثعابين وتخييل أنها تسعى.
وقد اعتاد الذين اتخذوا التأثيرات النفسية صناعة ووسيلة للمعاش أن يستعينوا بكلام منهم وأسماء غريبة اشتهر عند الناس أنها من أسماء الشياطين وملوك الجان وأنهم يحضرون إذا دعوا بها ويكونون مسخرين للداعي. ولمثل هذا الكلام تأثير في إثارة الوهم عرف بالتجربة، وسببه اعتقادا لواهم أن الشياطين يستجيبون لقرائه ويطيعون أمره، ومنه من يعتقد أن فيه خاصية التأثير وليس فيه خاصية وإنما تلك العقيدة الفاسدة تفعل في النفس الواهمة ما يغني منتحل السحر عن توجيه همته وتأثير إرادته. وهذا هو السبب في اعتقاد لدهماء أن السحر عمل يستعان عليه بالشياطين وأرواح الكواكب.
وقد اختلف المتكلمون والمفسرون والفقهاء في حقيقة السحر وفي أحكامه وعده بعضهم من خوارق العادات، وفرقوا بينه وبين المعجزة، ولم يذكروا في فروقهم أن السحر يتلقى بالتعليم ويتكرر بالعمل فهو أمر عادي قطعا بخلاف المعجزة.
( قال الأستاذ الإمام ) : في قوله تعالى يعلمون الناس السحر وجهان ( أحدهما ) أنه متصل بقوله ولكن الشياطين كفروا أي إن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر ( والثاني ) وهو الأظهر أنه متصل بالكلام عن اليهود وإن الكلام في الشياطين قد انتهى عند القول بكفرهم. وانتحال اليهود لتعليم السحر أمر كان مشهورا في زمن التنزيل ولا يزالون ينتحلون ذلك إلى اليوم. أي إن فريق من اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وهاهنا يقول القائل : بماذا اتبعوا أولئك الشياطين الذين كذبوا على سليمان في رميه بالكفر وزعمهم أن السحر استخرج من كتبه التي كانت تحت كرسيه ؟ فأجاب على طريق الاستئناف البياني ( يعلمون الناس السحر ) الخ، ونفي الكفر عن سليمان. وإلصاقه بالشياطين الكاذبين ذكر بطريق الاعتراض فعلم أيضا أنهم اتبعوا الشياطين بهذه الفرية أيضا. وإنما كان القصد إلى وصف اليهود بتعليم السحر لأنه من السيئات التي كانوا متلبسين بها ويضربون به الناس خداعا وتمويها وتلبيسا.
ثم قال وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت فأجمل بهذه العبارة الوجيزة خبر قصة كانوا يتحدثون بها كما أجمل في ذكر تعليم السحر فلم يذكر ما هو ؟. أشعوذة وتخييل ؛ أم خواص طبيعية، وتأثيرات نفسية ؟ وهذا ضرب من الإعجاز في الإيجاز انفرد به القرآن – يذكر الأمر المشهور بين الناس في وقت من الأوقات لأجل الاعتبار به فينظمه في أسلوب يمكن لكل أحد أن يقبله فيه مهما يكن اعتقاده لذلك الشيء في تفصيله، ألا ترى كيف ذكر السحر هنا وفي مواضع أخرى بأساليب لا يستطيع أن ينكرها من يدعي أن السحر حيلة وشعوذة أو غير ذلك مما ذكرناه ولا يستطيع أن يردها من يدعي أنه من خوارق العادات ؟
والحكمة في ذلك أن الله عز وجل قد وكل معرفة هذه الحقائق الكونية إلى بحث الإنسان واشتغاله بالعلم لأنه من الأمور الكسبية، ولو بين مسائلها بالنص القاطع لجاءت مخالفة لعلم الناس واختبارهم في كل جيل لم يرتق العلم فيه إلى أعلى درجة، ولكانت تلك المخالفة من أسباب الشك أو التكذيب فإننا نرى من الناس من يطعن في كتب الوحي لتفسير بعض تلك الأمور المجملة بما يتراءى لهم وإن تكن نصا ولا ظاهرا فيه، ويزعمون أن كتاب الدين جاء مخالفا للعلم وإن كان ذلك الذي يطلقون عليه اسم العلم ظنيا أو فرضيا.
في ( الملكين ) قراءتان فتح اللام وكسرها، فالأولى قراءة الجمهور والثانية قراءة ابن عباس والحسن وأبي الأسود والضحاك. وحمل بعضهم قراءة الفتح على قراءة الكسر ويؤيده ما قيل إن المراد بهما داود وسليمان عليهما السلام. وقيل بل هما رجلان صاحبا وقار وسمت فشبها بالملائكة، وكان يؤمهما الناس بالحوائج الأهلية ويجلونهما أشد الإجلال فشبها بالملوك، وتلك عادة الناس فيمن ينفرد بالصفات المحمودة يقولون : هذا ملك وليس بإنسان كما يقولون فيمن كان سيدا عزيزا يظهر الغنى عن الناس من حيث يحتاجون إليه : هذا سلطان زمانه. جلت حكمة الله في خلقه فقد قدّ هؤلاء الآدميين من أديم واحد، كان الناس على عهد هاروت وماروت – اللذين كان يتحدث بخبرهما ولا يحدد تاريخهما – على مثالهم اليوم لا يقصدون للفصل في شئونهم الأهلية من الجهة الروحانية إلا إلى أهل السمت والوقار اللابسين لباس أهل التقوى والصلاح ؛ هذا ما نشاهدهم عليه في زماننا وهذا ما حكى الله تعالى عنهم في الزمن القديم، وقال الأستاذ الإمام : لعل الله تعالى سماهما ملكين ( بفتح اللام ) حكاية لاعتقاد الناس فيهما وأجاز أيضا كون إطلاق لفظ الملكين عليهما مجازا كما قال بعض المفسرين. قال تعالى في اليهود يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل والظاهر من العطف أن ما أنزل عليهما هو غير السحر ضم إليه لأنه من جنسه في كون تعلميه سيئة مذمومة أو هو لتغاير الاعتبار أو النوع. وليس معنى الإنزال عليهما أنه وحي من الله كوحيه للأنبياء فيشكل عده من الشر والباطل الذي يذم تعلمه، فإن كلمة أنزل تستعمل في مواضع لا صلة بينها وبين وحي الأنبياء. وقالوا : أنزلت حاجتي على كريم، وأنزل لي هذه الأبيات : ويقال : قد أنزل الصبر على قلب فلان : وقال تعالى ٥٧ : ٢٥ وأنزلنا الحديد وقال ٩ : ٢٦ فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ولعل التعبير ما أوتياه من العلم بالإنزال لأنه لم يكن يعرف له مأخذ غيرهما يراد أنهما ألهماه إلهاما واهتديا إليه من غير أستاذ ولا معلم. ويصح أن يسمى مثل هذا وحيا لخفاء منبعه وليس الوحي وإلهام الخواطر خاصا في عرف اللغة ولا عرف القرآن بالأنبياء ولا بما يكون موضوعه خيرا أو حقا فقد قال تعالى ١٦ : ٦٨ وأوحى ربك إلى النحل قال ٢٨ : ٧ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه وقال شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا وقال ال
تفسير المنار
رشيد رضا