ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ

تمهيــد :
تشتمل الآية على مشهد كريم لنبي كريم يبني بيت الله تعالى ويرفع بناء الكعبة المشرفة، ويسترسل في الدعاء والابتهال أن يتقبل الله منه عمله، فهو سبحانه مطلع وشاهد وعليم بالنوايا والسرائر.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم :«فنغمة الدعاء وموسيقى الدعاء وجو الدعاء.. كلها حاضرة كأنها تقع اللحظة حية شاخصة متحركة.. وتلك إحدى خصائص التعبير القرآني الجميل. رد المشهد الغائب الذاهب، حاضرا يسمع ويرى، ويتحرك ويشخص، وتفيض الحياة منه.. إنها خصيصة ( التصوير الفني ) بمعناه الصادق اللائق بالكتاب الخالد.
وماذا في ثنايا الدعاء ؟ إنه أدب النبوة، وإيمان النبوة، وشعور النبوة بقيمة العقيدة في هذا الوجود. وهو الأدب والإيمان والشعور الذي يريد القرآن أن يعلمه لورثة الأنبياء، وأن يعمقه في قلوبهم ومشاعرهم بهذا الإيحاء( ٣٠٧ ).
المفردات :
الكتاب : القرآن
الحكمة : أسرار الأحكام الدينية ومعرفة مقاصد الشريعة. قال ابن دريد : كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة. والحكمة أيضا وضع الأمور في مواضعها.
ويزكيهم : يطهر نفوسهم من دنس الشرك وضروب المعاصي.
العزيز : القوي الغالب.
الحكيم : الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
التفسير :
١٢٩- ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم.
ونسألك أن تتم على ذريتنا نعمتك بأن تبعث فيهم رسولا منهم لا من غيرهم يتحدث بلغتهم ويتلو عليهم آياتك البينات، ويعلمهم معاني القرآن وأسراره ويرشدهم إلى ما فيه من حكم ومواعظ وآداب ويبين لهم أحكام الدين وأسرار الوحي وحكمة التشريع وأهداف الإسلام.
ويعلمهم الحكمة، أي وضع الأمور في نصابها ويربيهم فيحسن تربيتهم ويرشدهم إلى اتباع السنة النبوية التي بها يتم التفقه في الدين ويطهرهم من دنس الشرك وقبح العادات.
إنك أنت العزيز : الغالب الذي لا يقهر.
الحكيم : المدبر عن حكمة وإتقان.
وقد جاء ترتيب هذه الجمل في أسمى درجات البلاغة والحكمة، لأن أول تبليغ الرسالة يكون بتلاوة القرآن ثم بتعليم معانيه، ثم بتعليم العلم النافع الذي تحصل به التزكية والتطهير من كل ما يليق التلبس به في الظاهر أو الباطن.
لقد كان إبراهيم أبا وفيا أكثر الدعاء لذريته، وطلب من الله أن يرزقها من الثمرات. ثم طلب من الله أن يبعث فيهم رسولا منهم يبين لهم الهداية والعبادة.
وكانت الاستجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل هي بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد قرون وقرون. بعثة رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل، يقرأ القرآن ويبلغ الوحي ويعلم المسلمين ويبشر بالجنة ويحذر من النار، ويؤدي رسالة ربه، فكان نورا وهداية ودعوة مثمرة فيها الحياة والسعادة، جمعت العرب ووحدتهم ولقنتهم التوحيد والإيمان، والعلم والأحكام، وصاروا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم.
لقد كان اليهود والنصارى يدعون أنهم أولى بإبراهيم، ويربطون ديانتهم به، ويدعون دعاوي عريضة في الهدى والجنة بسبب وراثتهم لإبراهيم. فأسمعهم القرآن أن إبراهيم حين طلب الإمامة لبنيه وورثته قال له ربه : لا ينال عهدي الظالمين. وحين طلب الرزق والثمرات والبركة خص بدعوته. من آمن منهم بالله واليوم الآخر.
وحين قام هو وإسماعيل ببناء البيت والتقرب إلى الله كانا يتضرعان إلى الله طلبا للقبول، والتوفيق على الإسلام، وهداية ذريتهما إلى طريق الإسلام، ومناسكه، وأن يبعث في هذه الذرية رسولا منهم، فاستجاب الله لهما وأرسل من أهل البيت الحرام محمدا عبد الله وحقق على يديه الأمة المسلمة القائمة بأمر الله والوارثة لدين الله.
وقد أورد الحافظ ابن كثير حديثا طويلا رواه البخاري فيه : أن إبراهيم أخذ ولده إسماعيل وأمه هاجر قرب بيت الله الحرام، وأخذت هاجر تسعى بين الصفا والمروة سبع مرات بحثا عن الماء. ثم سمعت صوت ملاك يبشرها بنبع زمزم، ثم جاءت قبيلة جرهم واستأذنت من هاجر في أن تقيم حول البيت، وشب إسماعيل وتزوج من قبيلة جرهم.
ثم جاء إبراهيم وقد كبر ولده إسماعيل فأخبر إبراهيم ولده أن الله يبني له بيتا، فأعانه إسماعيل، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. قال : فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم( ٣٠٨ ).
البشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم :
بشرت برسول الله صلى الله عليه وسلم التوراة والإنجيل، وكان صلى الله عليه وسلم استجابة لدعوة إبراهيم، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد صلى الله عليه وسلم رسولا في الأميين ورسولا إلى سائر العالمين.
روى الإمام أحمد عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك : دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين »( ٣٠٩ ).

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير