تُحذفانِ استثقالًا (١)؛ كقولهم في فَخِذٍ: فَخْذٌ، وفي عَضُدٍ: عَضْدٌ، وقد (٢) ذكرنا هذا بأبلغ من هذا الشرح فيما تقدم.
وقوله تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ قال ابن عباس: أي: الراجع بأوليائه وأهل طاعته (٣) إلى أفضل دينه (٤).
١٢٩ - وقوله تعالى: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا قال ابن عباس: يريد: في ولدي (٥)، والكناية تعود إلى الذرية أو إلى الأمة في قوله: أُمَّةً مُسْلِمَةً (٦)، وكلاهما ولد إبراهيم، وهم العرب (٧).
وقوله تعالى: رَسُولًا مِنْهُمْ قال ابن عباس: يريد محمدًا - ﷺ -،
فاستجاب الله دعاءه، وبعث فيهم رسولًا من أنفسهم، محمدًا سيد الأنبياء (٨)، لذلك قال رسول الله - ﷺ -: "إني عند (٩) الله في أمِّ الكتاب لَخَاتَمُ
(٢) في (ش): (وهذا).
(٣) في (أ)، (ش): (طاعة).
(٤) لعله من رواية عطاء التي تقدم ذكرها. وينظر: "تفسير القرطبي" ٢/ ١٢٠٠.
(٥) لعله من رواية عطاء.
(٦) "تفسير الثعلبي" ١/ ١١٨٧، وينظر: "سنن سعيد بن منصور" ٢/ ٦١٥، "تفسير الطبري" ١/ ٥٥٦، "زاد المسير" ١/ ١٤٦.
(٧) "تفسير الثعلبي" ١/ ١١٨٧ قال: وقيل في أهل مكة. وينظر: "زاد المسير" ١/ ١٤٦، "الخازن" ١/ ١١١، "البحر المحيط" ١/ ٣٩٢.
(٨) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٣/ ١١٩٥، "تفسير البغوي" ١/ ١٥١.
(٩) في (ش): (عبد).
النبيين، وإن آدم لمُنجدِلٌ في طِينَتِه، وسوف أنبئكم بتلك دعوة أبي إبراهيم رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ. الآية، وبشارة عيسى قومه: وَمُبَشِّرَا بِرَسُولٍ [الصف: ٦]، ورؤيا أمي، التي رأت أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام (١) ".
وقوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ قال ابن عباس: يريد القرآن الذي أنزل عليه، وما فيه من الفرائض والأحكام والسنن وشرائع النبيين (٢).
فعلى هذا الحكمة: هي نفس الكتاب، وجُمع بينهما لاختلاف اللفظين. والحكمة في اللغة: فهم المعاني، وبه قال مجاهد، فإنه قال: يعنى بالحكمة فهم القرآن (٣).
وقال عبد الله بن مسلم: هي العلم والعمل، ولا يسمى الرجل حكيما
(٢) لعله من رواية عطاء، وينظر: "تفسير الطبري" ١/ ٥٥٧، عن قتادة وغيره "المحرر الوجيز" ١/ ٢١٢.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١١٨٨ عن مجاهد، وعنه البغوي ١/ ١١٨٨، "الخازن" ١/ ١١٢، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" ١/ ٣٩٣.
حتى يجمعهما (١). سمعت الثعلبي -رحمه الله- يقول: سمعت البياري (٢) يقول: سمعت السِّيرافي (٣) يقول: سمعت ابن دُرَيدٍ يقول: كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قَبيحٍ فهي حكمة (٤).
ومنه قوله - ﷺ -: "إنَّ من الشعرِ حكمةً (٥) ".
وأصلها في اللغة: من المنع والرد (٦)، قال الأصمعي: أصل الحكومة: ردُّ الرجل عن الظلم، ومنه سميت حَكَمَةُ اللِّجَام؛ لأنها تَرُدُّ الدَّابَّة (٧)، وهذا يذكر في مواضع من هذا الكتاب.
وقوله تعالى: وَيُزَكِّيهِمْ أصل التزكية في اللغة: النسبة إلى الازدياد من الأفعال الحسنة التي ليست بمشوبة، والزكاة: الزيادة (٨)، وقد ذكرنا
(٢) هو علي بن الحارث البياري الخراساني، من معادن العلم، أديب بارع شدت إليه الرحال صاحب كتاب "شرح الحماسة وصناعة الشعر" ينظر: "إنباه الرواة" ٢/ ٢٧٤، ٢٧٥، "دمية القصر" ص ٣٠٢.
(٣) هو العلامة إمام النحو أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان، "السيرافي"، صاحب التصانيف ونحوي بغداد، وهو من أعيان الحنفية، رأسًا في نحو البصريين، تصدر لإقراء القراءات واللغة والفقه والفرائض، وولي قضاء بغداد توفي سنة ٣٦٨ هـ ينظر: "السير" ١٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨، "إنباه الرواة" ١/ ٤١٣، "تاريخ بغداد" ٧/ ٣٤١ - ٣٤٢.
(٤) هكذا بهذا الإسناد عند الثعلبي ١/ ١١٨٩ وزاد: فهي حكمة وحكم. وذكره ابن دريد في "الجمهرة" ١/ ٥٦٤، والواحدي في "الوسيط" ١/ ٢١٢، والسمعاني ٢/ ٦٠.
(٥) رواه البخاري (٦١٤٥) كتاب الأدب، باب: ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه، من حديث أبي بن كعب.
(٦) ينظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٨٨٦، "تفسير الثعلبي" ٨٤٣ و ١١٩٢.
(٧) نقله عنه في "تهذيب اللغة" ١/ ٨٨٦، "لسان العرب" ٢/ ٩٥٢.
(٨) "تفسير الطبري" ١/ ٥٥٨، "المحرر الوجيز" ١/ ٤٩٢، "تفسير القرطبي" ٢/ ١٢٠.
هذا عند تفسير الزكاة. قال ابن عباس: ويرشدهم إلى أفضل عبادتك (١)، وقال ابن جريج (٢): يطهرهم من الشرك، ويخلّصهم منه (٣).
وقيل: يأخذ زكاة أموالهم (٤)، وقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ، بيانه قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا (٥) [البقرة: ١٤٣] الآية.
وقوله تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ اختلف قول أهل اللغة في معنى العزيز واشتقاقه، فقال أبو إسحاق: العزيز في صفات الله: الممتنع فلا يغلبه شيء (٦)، وهذا قول المفضل، قال: العزيز: المنيع الذي لا تناله الأيدي (٧).
وعلى هذا القول العزيز من عزّ يَعَزُّ بفتح العين، إذا اشتد (٨)، يقال: عَزَّ علي ما أصاب فلانًا أي: اشتد، وتعزز لحم الناقة إذا صلُب واشتدّ (٩)،
(٢) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدمت ترجمته [البقرة: ٣٥].
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" ١/ ٥٥٨، وذكره الثعلبي ١/ ١١٩٢ بلا نسبة.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١١٩٢، والسمرقندي ١/ ١٥٨، والبغوي ١/ ١٥٢، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ١٤٦، وبنحوه في "البحر المحيط" ١/ ٣٩٣.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١١٩٢، وعنه البغوي ١/ ١٥٢، "الخازن" ١/ ١١٢.
(٦) نقله عن أبي إسحاق الزجاج الأزهري في: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٢٠، وعنه في "اللسان" ٥/ ٢٩٢٥، وينظر تفصيلا في "اشتقاق أسماء الله" لأبي القاسم الزجاجي ص ٢٣٧ - ٢٤٠.
(٧) نقله عنه الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١١٩٣ وأبو حيان في "البحر المحيط"١/ ٣٩٣.
(٨) ينظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٢٠ "عزز".
(٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١١٩٤، "البحر المحيط" ١/ ٣٩٣، "الدر المصون" ١/ ٣٧٣.
وأنشد أبو عمرو الشيباني (١):
| أُجُدٌ إذا ضَمَرَتْ تعزّزَ لحمُها | وإذا تُشَدُّ بنسعةٍ لا تَنْبِسُ (٢) |
وقال أبو كبير الهذلي (٣) يصف عقابًا (٤):
| حتى انتهيت إلى فراشِ عزيزة | سوداء روثةُ أنفِها كالمِخْصفِ (٥) |
(٢) البيت للمتلمس الضبعي في "ديوانه" ص ١٨٠، "تفسير الثعلبي" ١/ ١١٩٤، "لسان العرب" ٥/ ٢٩٢٧، "تاج العروس" ٨/ ١٠٥، "الأغاني" ٢٤/ ٢٣٠، وذكره ابن دريد في "الجمهرة" ص ٣٤١ ولم ينسبه. ورواية "الديوان": عُنُسٌ بدل أَجُدٌ، ورواية الثعلبي: بنَسعِها. ومعنى: ضمرت: نحلت، وقوله: تَعَزَّزَ لحمها: اشتد وصلب، والنسع: سير من الجلد تشد به الرحال، ومعنى لا تنبس: لا تنطق ولا تصيح. وهو في البيت يصف الناقة.
(٣) هو عامر بن الحليس الهذيلي، أبو كبير من بني سهل بن هذيل، تقدمت ترجمته.
(٤) ساقطة من (أ)، (م).
(٥) ينظر: "شرح أشعار الهذليين" ص١٠٨٩، "لسان العرب" ٥/ ٢٩٢٦، ١/ ١٠٣٩ (خصف)، "تاج العروس" ٣/ ٢٢٠ (مادة: روث)، "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية" ٥/ ٩١.
(٦) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٢٠ (عزز).
(٧) ذكره الشيخ بكر أبو زيد في "معجم المناهي اللفظية" ص ٣٠٢ أن من أسماء الله تعالى القوي، ومن لوازم القوة: القدرة، بخلاف الشديد ولهذا لم يأت في القرآن =
عن (١) أن تناله (٢) يدٌ (٣)، وقال ابن عباس: العزيز: الذي لا يوجد مثله (٤).
قال الفراء: يقال: عزّ يَعِزُّ بالكسر: إذا قلَّ حتى لا يكاد يوجد، عِزّةً فهو عزيز (٥). وقال الكسائي (٦) وابن الأنباري (٧) وجماعة من أهل اللغة: العزيز: القوي الغالب، تقول العرب: عَزَّ فلانٌ فلانًا يَعُزُّه عِزًّا، إذا غلبه (٨)، قال الله تعالى: وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ص: ٢٣].
(١) في (ش): (من).
(٢) في (أ) و (م): (يناله).
(٣) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٢٠ - ٢٤٢١، "لسان العرب" ٥/ ٢٩٢٥ (عزز).
(٤) "تفسير الثعلبي" ١/ ١١٩٢، وذكره البغوي في "تفسيره" ١/ ١٥٢، "الخازن" ١/ ١١٢، وأبو حيان في "البحر المحيط" ١/ ٣٩٣.
(٥) نقله عنه في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٢٠، وينظر: "القاموس المحيط" ص ٥١٧.
(٦) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١١٩٣، والواحدي في "الوسيط" ١/ ٢١٣، والقرطبي ٢/ ١٢١.
(٧) "الزهراء" ١/ ١٧٤.
(٨) ينظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٢٠، "لسان العرب" ٥/ ٢٩٢٥ (عزز).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي