الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الْأَعْرَافِ: ١٥٨] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ، وَهَذَا الدُّعَاءُ من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كما أخبرنا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الْفُرْقَانِ: ٧٤] وَهَذَا الْقَدْرُ مَرْغُوبٌ فِيهِ شَرْعًا، فَإِنَّ مِنْ تَمَامِ مَحَبَّةِ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ صُلْبِهِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٥] وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يدعو له».
وَأَرِنا مَناسِكَنا قال ابن جرير عَنْ عَطَاءٍ وَأَرِنا مَناسِكَنا أَخْرِجْهَا لَنَا عَلِّمْنَاهَا، وقال مجاهد أَرِنا مَناسِكَنا مَذَابِحَنَا. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَيْضًا وَقَتَادَةَ نحو ذلك. وقال سعيد بن منصور: أخبرنا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قال: قال إبراهيم أَرِنا مَناسِكَنا فأراه جِبْرَائِيلُ فَأَتَى بِهِ الْبَيْتَ، فَقَالَ: ارْفَعِ الْقَوَاعِدَ، فَرَفَعَ الْقَوَاعِدَ وَأَتَمَّ الْبُنْيَانَ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَخْرَجَهُ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى الصَّفَا، قَالَ: هَذَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: وَهَذَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ نَحْوَ مِنًى، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَقَبَةِ إِذَا إِبْلِيسُ قَائِمٌ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ: كَبِّرْ وَارْمِهِ، فَكَبَّرَ وَرَمَاهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِبْلِيسُ فَقَامَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَلَمَّا جَازَ بِهِ جِبْرِيلُ وَإِبْرَاهِيمُ قَالَ لَهُ: كَبِّرْ وَارْمِهِ، فَكَبَّرَ ورماه، فذهب الخبيث إِبْلِيسُ وَكَانَ الْخَبِيثُ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ فِي الْحَجِّ شَيْئًا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَأَخَذَ بِيَدِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى أَتَى بِهِ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَقَالَ: هَذَا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ، فَأَخَذَ بِيَدِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى أَتَى بِهِ عَرَفَاتٍ، قَالَ: قَدْ عَرَفْتَ مَا أَرَيْتُكَ؟ قالها ثلاث مرات، قَالَ: نَعَمْ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ وَقَتَادَةَ نحو ذلك، وقال أبو داود الطيالسي: أخبرنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْعَاصِمِ الْغَنَوِيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُرِيَ أَوَامِرَ الْمَنَاسِكِ، عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى، فَسَابَقَهُ إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى بِهِ مِنًى، قال: هذا مناخ الناس، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ تَعَرَّضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ أتى به إلى الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ فَأَتَى بِهِ جَمْعًا، فَقَالَ: هَذَا الْمَشْعَرُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: هذه عرفة، فقال له جبريل: أعرفت؟.
[سورة البقرة (٢) : آية ١٢٩]
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)
يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ تَمَامِ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، أَيْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ وَافَقَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الْمُسْتَجَابَةُ قَدَرَ اللَّهِ السَّابِقَ فِي تَعْيِينِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ
وسلامه عليه رسولا في الأميين إليهم وإلى سائر الأعجميين مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الْكَلْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ هِلَالٍ السُّلَمِيِّ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم «إني عبد اللَّهِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنْبِئُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ، دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى بِي، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ» وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَاللَّيْثُ وَكَاتِبُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ وَتَابَعَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُويَدٍ به.
وقال الإمام أحمد «٢» أيضا: أخبرنا أبو النضر، أخبرنا الفرج، أخبرنا لُقْمَانُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا كَانَ أَوَّلُ بَدْءِ أَمْرِكَ؟ قَالَ «دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى بِي. وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ».
وَالْمُرَادُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَوَّهَ بِذِكْرِهِ وَشَهَرَهُ فِي النَّاسِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَمْ يَزَلْ ذِكْرُهُ فِي النَّاسِ مَذْكُورًا مَشْهُورًا سائر حَتَّى أَفْصَحَ بِاسْمِهِ خَاتَمُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَسَبًا، وَهُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَيْثُ قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ خَطِيبًا، وَقَالَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصَّفِّ: ٦] وَلِهَذَا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى بن مَرْيَمَ. وَقَوْلُهُ: وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، قِيلَ كَانَ مناما رأته حين حلمت بِهِ، وَقَصَّتْهُ عَلَى قَوْمِهَا، فَشَاعَ فِيهِمْ وَاشْتَهَرَ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً وَتَخْصِيصُ الشَّامِ بِظُهُورِ نوره إشارة إلى استقرار دينه ونبوته بِبِلَادِ الشَّامِ، وَلِهَذَا تَكُونُ الشَّامُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَعْقِلًا لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَبِهَا يَنْزِلُ عِيسَى بن مريم إذ نَزَلَ بِدِمَشْقَ بِالْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ الْبَيْضَاءِ مِنْهَا، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «وَهُمْ بِالشَّامِ».
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: قد استجيب لَكَ، وَهُوَ كَائِنٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَالْحِكْمَةَ يَعْنِي السُّنَّةَ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَأَبُو مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: الْفَهْمُ فِي الدِّينِ وَلَا مُنَافَاةَ، وَيُزَكِّيهِمْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عباس يعني طاعة الله وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ قال الخير فيفعلوه والشر فيتقوه، ويخبرهم برضا الله عنهم إذا أطاعوه ليستكثروا من طاعته ويجتنبوا ما يسخطه من معصيته.
(٢) مسند أحمد (ج ٥ ص ٢٦٢).
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
محمد حسين شمس الدين