ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ ﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ

وأرشدت الآية فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ إلى أن الله ناصر عبده ورسوله محمدا على أعدائه، وكان هذا وعدا من الله تعالى لنبيه عليه السّلام أنه سيكفيه من عانده ومن خالفه من المتولّين، بمن يهديه من المؤمنين، فأنجز له الوعد، وكان ذلك في قتل بني قينقاع وبني قريظة، وإجلاء بني النضير.
قال الجصاص: هذا إخبار بكفاية الله تعالى لنبيه صلّى الله عليه وسلم أمر أعدائه، فكفاه مع كثرة عددهم وحرصهم، فوجد مخبره على ما أخبر به، وهو نحو قوله تعالى:
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «١» [المائدة ٥/ ٦٧].
والمؤمن هو الذي يثق بوعد الله وبتأييده، ويخشى الله ويتقيه، لأنه المهيمن على كل شيء في هذا الوجود، وهو السميع لقول كل قائل، العليم بما ينفذه في عباده ويجريه عليهم.
صبغة الإيمان وأثره في النفوس والعبودية لله تعالى
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٨ الى ١٤١]
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)

(١) المرجع والمكان السابق.

صفحة رقم 327

الإعراب
صِبْغَةَ اللَّهِ أي دين الله، مصدر مؤكد لآمنا، وهو إما منصوب بفعل مقدر، تقديره:
اتبعوا صبغة الله، أو منصوب على الإغراء، أي عليكم صبغة الله، أو منصوب بدلا من قوله تعالى:
مِلَّةَ إِبْراهِيمَ. وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً أي دنيا، وصِبْغَةَ منصوب على التمييز، كقولك: زيد أحسن القوم وجها.
والجمل الثلاث وهي وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ، وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ أحوال.
البلاغة:
صِبْغَةَ اللَّهِ سمي الدين صبغة بطريق الاستعارة، حيث تظهر سمته على المؤمن، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب.
أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ استفهام إنكاري بقصد التوبيخ والتقريع.
المفردات اللغوية:
صِبْغَةَ اللَّهِ الصبغة في اللغة: اسم لهيئة صبغ الثوب، وجعله بلون خاص، فهي الحالة التي عليها الصبغ، والمراد بها هنا الإيمان أو دين الله الذي فطر الناس عليه، لظهور أثره على صاحبه، كالصبغ في الثوب. والإيمان أو الدين مطهر للمؤمنين من أدران الشرك، وهو حلية تزينهم بآثاره الجميلة، وهو متداخل ومنتشر في قلوب المؤمنين، كما يتداخل الصبغ. وبه يتبين أن الإيمان يشبه الصبغة في التطهير والحلية والتداخل.
أَتُحَاجُّونَنا أتجادلوننا وتخاصموننا فِي اللَّهِ أن اصطفى نبيا من العرب. وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ فله أن يصطفي من عباده من يشاء وَلَنا أَعْمالُنا نجازى بها وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ تجازون بها مُخْلِصُونَ الدين والعمل، لا نبغي بأعمالنا غير وجه الله، فنحن أولى بالاصطفاء.
سبب نزول الآية (١٣٨) :
قال ابن عباس: إن النصارى كان إذا ولد لأحدهم ولد، فأتى عليه سبعة أيام، صبغوه في ماء لهم، يقال له: المعمودي، ليطهروه بذلك، ويقولون:

صفحة رقم 328

هذا طهور، مكان الختان، فإذا فعلوا ذلك، صار نصرانيا حقا، فأنزل الله هذه الآية «١».
التفسير والبيان:
علّم الله المؤمنين وأمرهم في الآية السّابقة (١٣٦) أن يقولوا: آمنّا بالله وكتبه ورسله، لا نفرّق بين أحد من رسله وكتبه، وأمرهم أيضا في هذه الآية أن يقولوا: صبغنا الله وفطرنا على الاستعداد للحقّ والإيمان بما جاء به الأنبياء، وهل هناك صبغة أحسن من صبغة الله الحكيم الخبير؟! ومن صبغة الإسلام، فالله هو الذي يصبغ عباده بالإيمان، ويطهرهم به من أدران الشرك، فلا نتبع صبغة أحد من الزعماء والأحبار، فهي صبغة بشرية مزيفة تفرق الدين الواحد، وتمزق الأمة أحزابا متنافرة.
ونحن لله الذي أنعم علينا بالنعم الجليلة التي منها نعمة الإسلام والهداية عابدون لا نعبد سواه، ومخلصون وقانتون، فلا نتخذ الأحبار والرهبان أربابا يزيدون في الدين وينقصون، ويحللون ويحرّمون، ويمسحون من النّفوس صبغة التوحيد، ويضعون فيها صبغة الشرك بالله.
ثم أمر الله نبيّه بأن يقول لأهل الكتاب: أتجادلوننا في دين الله، وتدّعون أن الدين الحقّ هو اليهودية والنصرانية، وتتأملون بهما دخول الجنة، وتقولون أحيانا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة ٢/ ١١١]، وأحيانا تقولون: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا [البقرة ٢/ ١٣٥].
ومن أين لكم هذه الدّعاوى وادّعاء الهداية والقرب من الله دوننا، والله ربّنا

(١) تفسير الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٤١، أسباب النزول للواحدي: ص ٢٢، تفسير القرطبي:
٢/ ١٤٤. [.....]

صفحة رقم 329

وربّكم وربّ العالمين، لا فرق بيننا وبينكم في العبودية لله، فهو خالقنا وخالقكم، ومالك أمرنا وأمركم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم الحسنة والسيئة، والله يجازي كل إنسان بعمله، فلا تفاضل بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح، أما أنتم فقد اعتمدتم على أسلافكم الصالحين، وزعمتم أنهم شفعاء لكم، وأما نحن فنعتمد على إيماننا وعملنا، ونحن لله مخلصون في تلك الأعمال، لا نقصد بها إلا وجهه، فكيف تدّعون أن لكم الجنة والهداية دون غيركم؟! وكيف تقولون: إن اختصاصكم بالقرب من الله دوننا هو من الله، أو تقولون: إن امتيازكم باليهودية أو النصرانية التي أنتم عليها هو لأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط الأنبياء كانوا يهودا، أو كانوا نصارى، فأنتم مقتدون بهم؟ وهذا ادّعاء كاذب، فإن هذين الاسمين إنما حدثا فيما بعد، فما حدث اسم اليهودية إلا بعد موسى، وما حدث اسم النصرانية إلّا بعد عيسى؟
والمراد إنكار ادّعاء الطرفين وتوبيخهم على كلا الأمرين، وهل أنتم تعلمون بالمرضي عند الله، أم أن الله أعلم بما يرضيه وما يتقبله؟ لا شك أن الله هو العليم بذلك دونكم، وقد ارتضى للناس ملّة إبراهيم، وأنتم تعترفون بذلك، وكتبكم تصدقه قبل أن تجيء اليهودية والنصرانية، فلماذا لا ترضون هذه الملّة؟
ولا أحد أشدّ ظلما ممن يكتم شهادة ثابتة عنده من الله، وهي شهادته تعالى لإبراهيم ويعقوب بالحنيفية المسلمة، والبراءة من اليهودية والنصرانية، وشهادته تعالى المثبتة في كتاب الله التي تبشر بأن الله يبعث في الناس نبيّا من بني إخوتهم، وهم العرب أبناء إسماعيل.
قال الزمخشري: ويحتمل معنيين:
أحدهما- أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم لأنهم كتموا هذه الشهادة، وهم عالمون بها.

صفحة رقم 330

والثاني- أنّا لو كتمنا هذه الشهادة، لم يكن أحد أظلم منّا. وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد صلّى الله عليه وسلم بالنّبوة في كتبهم، وسائر شهاداته «١».
وليس الله غافلا عن أعمالكم، فهو محصيها ومجازيكم عليها، وفي ذلك وعيد وتهديد، عقب التقريع والتوبيخ.
تلك جماعة الأنبياء لها ما كسبت من الأعمال الحسنة، ولكم ما كسبتم من العمل الحسن، ولا يسأل أحد عن عمل غيره، بل يسأل عن عمل نفسه، فلا يضره ولا ينفعه سواه، فأنتم لا تسألون عن أعمال السابقين، وهم لا يسألون عن أعمالنا، تلك قاعدة الأديان التي أقرتها العقول، وهي المسؤولية الشخصية أو الفردية، كما قال تعالى: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم ٥٣/ ٣٨- ٣٩]. كرّر الحقّ سبحانه هذه القاعدة وهذه الآية بمناسبات متعددة، فقد ذكرت في الآية السابقة (١٣٤) للمبالغة عما يفتخرون به من أعمال الآباء، والاتّكال على الماضي، وهذا شأن الخامل الضعيف الذي ينظر إلى الماضي، ويتكاسل عن المستقبل.
وكرر الله أيضا قوله في مواطن كثيرة: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ لتأكيد الجزاء والحساب ورصد الأعمال، وذلك هو العدل المطلق بين الخلائق، قال أبو حيان: ولا تأتي الجملة إلّا عقب ارتكاب معصية، فتجيء متضمنة وعيدا، ومعلمة أن الله لا يترك أمرهم سدى «٢».
فقه الحياة أو الأحكام:
نبذ الإسلام كلّ الصّور والهياكل والطقوس الفارغة كالمعمودية عند النصارى ونحوها، وأعلن بكل صراحة أن المعول عليه هو ما فطر عليه النفوس من الإقرار

(١) الكشاف: ١/ ٢٤٢.
(٢) البحر المحيط: ١/ ٤١٦، ط الرياض.

صفحة رقم 331

بوحدانية الله، وإخلاص العمل لله، وحبّ الخير والاعتدال في الأمور، كما قال سبحانه: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم ٣٠/ ٣٠].
وإن روح الدّين التوحيد، وأساسه الإخلاص، وهذا ما دعا إليه جميع الأنبياء، وجدد الدعوة إليه محمد صلّى الله عليه وسلم، فدعوته أو شريعته مكملة لدعوة وشريعة إخوانه النبيين والمرسلين.
أما الدعاوي الرخيصة، والأكاذيب المفتراة، والأماني التي لا تعتمد على برهان، مما صدر من اليهود والنصارى، فكل ذلك باطل بالحجج الثلاث التي دحض بها القرآن كل ما ذكر وهي قوله: وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ [البقرة ٢/ ١٣٩]، وقوله: أَمْ تَقُولُونَ: إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ [البقرة ٢/ ١٤٠]، وقوله:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ [البقرة ٢/ ١٤٠].
ولا تكون النجاة بالاعتماد على أعمال الآخرين من الأسلاف وغيرهم، ولا على شفاعة الصالحين دون انتفاع بهديهم وسنتهم، وإنما السعادة والنجاة بالعمل الصالح. وأساس الصلاح إخلاص العبادة لله، وحقيقة الإخلاص: تصفية الفعل عن مراءاة المخلوقين.
وقد أكّدت هذه الآيات أمرين عظيمين جدا هما:
الأوّل- أن المسؤولية الشخصية أساس الحساب، ومناط الجزاء والعقاب، وهذا ما تفاخر به الشريعة الإسلامية التي جاءت ناقضة لأعراف الجاهلية عند العرب والرومان من توجيه المسؤولية لغير الجاني الحقيقي.
الثاني- أن أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بعملهم وكسبهم، فغيرهم من الناس العاديين أحرى وأولى.
انتهى الجزء الأول

صفحة رقم 332

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية